
في غمرة أزمات لبنان ما بين الحريق والغريق والجوع والبطالة والهجرة، كان للمواقف التي ضربت الساحتين المحلية والإقليمية وقعُها على الداخل اللبناني المأزوم، وقد لا يكون مفاجئاً موقف العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز عبر كلمته أمام الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العمومية للأمم المتحدة، عندما دعا إلى تجريد “حزب الله” من السلاح، محمّلاً إياه الكارثة التي تعرّض لها مرفأ بيروت، وبمعنى آخر أطلق العاهل السعودي سلسلة لاءات وعناوين نارية ندّدت بسياسة “الحزب”، كان ابرزها قوله ان هذا “يتطلب تجريد هذا الحزب الإرهابي من السلاح”.
أما لماذا لم يكن كلامه مفاجئاً، فإنّ الوقائع التي أوردتها “النهار” سابقا فنّدت أسباب الفتور الذي يعتري العلاقة بين لبنان والمملكة، ناهيك بمواقف وزارة الخارجية السعودية التي بدورها تناولت “حزب الله” ونعتته بالإرهابي، ما يؤشر إلى مرحلة جديدة في التعاطي بين بيروت والرياض.
ولكن وفق مصادر سياسية مطلعة، فإنّ ذلك لا يعني أنّ ثمة أزمة بين البلدين نظراً الى ما يربطهما من علاقة تاريخية هي الأبرز، من دون إغفال أنّ الرياض تُعدّ الداعم القوي والأساسي للاقتصاد اللبناني، وهي التي أعادت إعماره مراراً نتيجة الحروب التي مرّ بها، وإنّما لم يعد في الإمكان التلطّي خلف الجدران السميكة. فالأمور يجب أن تقال كما هي، بحسب نائب لبناني بارز تربطه علاقة قديمة مع المملكة، الذي يرى أنّ ما أشار إليه الملك سلمان هو الحقيقة كما هي باعتباره العالِم والعارف بكل تفاصيل الملف اللبناني ويُعدّ أبرزَ الشخصيات السعودية الملمّة بقضايا لبنان، وهو على بيّنة من سياسييه وتربطه بهم علاقة وصداقة قديمتان.
ويضيف النائب إياه أنّه لم يفاجَأ بما أشار إليه الملك سلمان، إذ كلما ذهب إلى المملكة كان يُسأل عن الحملات التي تطاول السعودية من قِبل “حزب الله” وإعلامه وحلفائه، وقال له مسؤول سعودي في إحدى المرات: “هل يعقل لما يربطنا بكم من تاريخ وصداقات ومحبة ووئام، ألا يصدر موقف من دولتكم يدين حملات الأضاليل والتعرّض للقيادة السعودية وفبركة الأخبار؟ نحن في المملكة لم نقدِم على أي خطوة انتقامية ولا نريد أن يذهب الصالح في عزاء الطالح، ولم نميّز بين من ينتمي إلى هذه الطائفة أو تلك”، متابعاً: “أنت تدرك أنّ ثمة أعداداً كبيرة من الإخوان في الطائفة الشيعية الكريمة يحظون كما سواهم من الإخوة اللبنانيين بأفضل معاملة، فالمشكلة ليست مع هذه الطائفة التي نجلّ ونحترم، بل مع حزب الله الذي يخرّب في بلدكم وفي المملكة والكويت والبحرين وفي دول عربية أخرى وغربية، فلماذا تتركون هذا الحزب يفعل ما يشاء ولم نسمع رئيس جمهوريتكم ميشال عون أو رئيس التيار الوطني الحر يوم كان وزيراً للخارجية يدينان هذه الممارسات الشائنة؟ ولكن سنبقى ندعم هذا البلد الأحب الى قلوبنا”.
وعلى خط موازٍ، يؤكد مصدر دبلوماسي سعودي بارز لـ”النهار”، أنّ الملك سلمان “قال الأمور كما هي، لما يتمتّع به من سعة اطلاع على الواقع اللبناني المرير، وسمّى الأشياء بأسمائها لأنّه ضنين بلبنان، ولا نغالي إن قلنا أكثر من بعض اللبنانيين، ومن يعرفه يدرك ذلك، فهو لا يترك مناسبةً إلا يسأل عن أحوال لبنان، وفور انفجار المرفأ وهذا الحدث المفجع الذي أصاب العاصمة بيروت، كانت التوجيهات للسفير السعودي وليد البخاري بإقامة جسر جوي بين الرياض وبيروت لمساعدة اللبنانيين، بمعزل عن تباينات سياسية هنا وهناك، أو ما يتعرضون له من إساءات من جانب حزب الله وأعوانه وما تمليه إيران على هذا الحزب”، لافتاً الى أنّ الدولة اللبنانية “تملك معلومات بالغة الأهمية حول دور حزب الله التخريبي في السعودية والدعم اللامتناهي للحوثيين، وكل ما أصاب المملكة من قصف لمنشآت وأماكن سكنية وحيوية، والسعودية تعلم ماذا تفعل إيران من خلال إملاءاتها وسياساتها وعلاقاتها بحزب الله، فمن هذا المنطلق وضع الملك سلمان الأمور في نصابها الصحيح وكان واضحاً وصريحاً في كل ما تناوله، وهذا ينمّ في المحصلة عن حرصه على لبنان وأبنائه، مع التأكيد على متانة العلاقة بين الرياض وبيروت والتي هي أسمى من الأدوار الخبيثة التي يقوم بها حزب الله”.
ويخلص المصدر السعودي قائلاً: “لا نأبه لحملات التخوين من قبل هؤلاء الذين نعرف تاريخهم جيداً، فنحن الأحرص على القضية الفلسطينية، والملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان لا يتركان مناسبةً إلا يؤكدان على هذه القضية المركزية بالنسبة إلى المملكة والعرب، ولنا في هذا الإطار صولات وجولات، والإخوة الفلسطينيون يدركون ماذا قدّمت المملكة لهم، ونحن مستمرون على هذا النهج، لذا ليخجل هؤلاء ويكفّوا عن إطلاق النعوت، فنحن ولبنان بألف خير وفلسطين كانت وستبقى قضيتنا”.