#dfp #adsense

بين هروب وموت وهجرة… اليأس يسيطر ولبنان يفرغ

حجم الخط

صعد محمد حسني واثنان من أصدقائه المقربين في قارب متهالك مع عشرات الأشخاص الآخرين، من مدينة طرابلس شمال لبنان إلى قبرص. دفع كل منهم للمهربين 5 ملايين ليرة لبنانية، مقابل وعد بحياة جديدة في أوروبا. باع البعض بيوتهم، فيما باع آخرون متعلقاتهم الشخصية ومجوهراتهم، فلا أحد ينوي العودة.

وكان حسني البالغ من العمر 24 عاما تضرر بشدة من الأزمة الاقتصادية في لبنان، ولم يكن لديه عمل منتظم منذ شهور، تناوب هو وشقيقه على قيادة سيارة أجرة، وكانا يحصلان على 50 ألف ليرة لبنانية في اليوم، أي ما كان يعادل 30 دولارا في 2019، والآن أصبح يعادل 7 دولارات فقط.

ولا يعمل أي أحد من إخوة حسني الخمسة، وتضاعف سعر أدوية والدته ثلاث مرات، ويقول علي “كنا نأمل أن يصل محمد إلى أوروبا، ويحصل على وظيفة، ويرسل الأموال لمساعدتنا جميعا”. وبدلا من ذلك، تم في الأسبوع الماضي انتشال جثة محمد حسني من مياه البحر جنوب بيروت.

لبنان الذي لطالما كان وجهة لأكثر من مليون لاجئ فلسطيني وسوري، يبدو الآن أنه مستعد لأن يصبح مصدرا للاجئين، أدى الانهيار الاقتصادي في البلاد والشلل السياسي الذي تفاقم بسبب انفجار المرفأ الشهر الماضي، إلى قتل أي آمال في المستقبل.

أحصت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 18 قاربا مثل قارب حسني، غادرت لبنان بين 29 آب الماضي و14 أيلول الحالي، وهذا العدد من القوارب، أكثر من عدد القوارب التي غادرت خلال العام الماضي بأكمله.

المهاجرون ليسوا فقط من اليائسين والفقراء، بل أيضا من المتعلمين والخريجين، الباحثين عن مخرج وطريقة ليحققوا بها أحلامهم بمستقبل أفضل، وليحصلوا على وظائف، وهؤلاء قادرون على شراء تذاكر سفر وركوب الطائرة بدلا من قوارب الموت.

الهروب من لبنان هو تتويج لسلسلة من الكوارث المتفاقمة، والمستمرة منذ فترة طويلة، ووصلت إلى ذروتها في نهاية العام الماضي، مع بداية انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم مع بقاء الرواتب ثابتة. كل هذا يجعل من الصعب رؤية طريق الانتعاش في لبنان، حتى بالنسبة لأولئك الذين يجب أن يكون لهم مستقبل، فلأشهر، كان حسن كنج يبحث عن طرق للسفر إلى الخارج، كان يعمل مهندسا في بيروت، لكنه لم ير أي مستقبل فيها.

انضم كنج إلى مجموعة على واتس أب للبنانيين المتجهين إلى فرنسا، يتبادلون معلومات لوجستية ونصائح لمغادرة لبنان، وبعد أسبوع من صعود حسني للقارب في طرابلس، استقل كنج البالغ من العمر 24 عاما رحلة متجهة إلى فرنسا. واعتبر كنج من بيته الجديد في فرنسا إن الخطة كانت الحصول على قبول في الجامعة للدراسة في الخارج، وإنهاء الماجستير، وبدء حياة بعيدة عن لبنان.

وبالنسبة لمن هم مثل حسني، فإن الطريق إلى حياة جديدة أطول، وأكثر خطورة. قلة من القوارب تصل إلى أوروبا، والكثير منها يعاد إلى لبنان على الفور. وبالعودة إلى حسني، بعد يوم من مغادرته الشاطئ، في رحلة كان ينبغي أن تكون 40 ساعة إلى قبرص، كان من الواضح أن قاربه قد ضاع في البحر، ونفد الوقود من القارب، ولم يتبق طعام أو ماء. وعندما بدأ الموت يفتك بالناس، بمن فيهم طفلان، تركت جثثهم طافية في البحر الأبيض المتوسط، وربط الركاب الناجون رسالة على جثة أحد الضحايا، على أمل أن يتمكن أحدهم من رؤيتها، لتحديد مكانهم وإنقاذهم.

حملت زينب كعك جثة ابنها البالغ من العمر 18 شهرا بين ذراعيها لمدة ثلاثة أيام بعد وفاته على نفس القارب، وفي النهاية، أقنعها زوجها بوضع جثته في الماء. وصرّحت زينب، وهي جالسة في شقة والد زوجها في طرابلس، إنه ليس لدينا شيء هنا، وهي في انتظار اختبار الحمض النووي للتأكد من أن الجثة الصغيرة التي سحبت من البحر قبل أيام قليلة تعود لابنها. ألم يقل الرئيس إن الناس الذين لا يحبون هذا البلد يجب أن يهاجروا؟  قالت شقيقة كعك.

قصص زينب ومحمد تُروى يومياً، هي ذاتها  بأسماء عدّة. هذا حال، شباب لبنان اليوم، هذا مصيرنا الحتمي. شبابٌ عاشق لبلده يطلب فرصة للعيش. للعيش فقط.

المصدر:
Foreign Policy

خبر عاجل