#dfp #adsense

“الرابح” ترمب يلعب بطهران في سوق البيع والشراء

حجم الخط

قالت وزيرة الخارجية الاميركية السابقة مادلين اولبرايت، “نحن واقعيون حين نضطر ومثاليون حين نستطيع”. واشنطن في الربع الساعة الاخيرة من ولاية الرئيس دونالد ترمب، وكل الاحتمالات واردة، لا سيما ان ترمب بانسحابه من اتفاقية لوزان والاتفاق النووي الايراني ومن 5+1 ومن مجلس الامن اعاد ايران الى ما قبل 2003، وظروف تلك الحقبة ما قبل الاحتلال الاميركي للعراق، حين كشف وبفضل منظمة مجاهدي خلق المعارضة العام 2002 عن برنامج ايران النووي للمرة الأولى.

اولا: منذ ايام سحب ترمب القرار من يد مجلس الامن في ما يخص ايران، فمجلس الامن اراد تدوير الزوايا ومداخلات روسيا والصين وتهديدهما باستخدام الفيتو في وجه اي مشروع قرار يعيد حظر الاسلحة على ايران، دفع واشنطن الى اتخاذ المبادرة والقرار بإعادة الحظر الشامل على الاسلحة ومضاعفة العقوبات النوعية على ايران، ما يذكرنا تماما حين عجزت واشنطن عن الاستحصال على قرار اممي بشأن الدخول الى العراق، فقررت احاديا الأمر وكان ما كان.

ثانيا: عندما احتلت الولايات المتحدة العراق انكشفت إيران نووياً، فسارعت طهران من خلال السفير السويسري لديها الراعي لمصالح اميركا في الجمهورية الاسلامية الايرانية الى عرض صفقة كبرى مع نائب الرئيس الأميركي آنذاك ديك تشيني. واللافت ان تلك الصفقة تضمنت نفس النقاط التي يطالب إيران بها اليوم وزير الخارجية مايك بومبيو. آنذاك كان رد تشيني واضحا: لا صفقة مع دولة مارقة.

ثالثا: منذ غزو اميركا للعراق اعتبرت إيران نفسها الهدف الاميركي التالي وتصرفت على هذا الاساس وبنت ترسانتها النووية في ظل هاجس الصدام مع الاميركيين، وكما طرقت الباب الاميركي عند غزو العراق يتوقع ان تعود وتطرق الباب الاميركي بعد الانتخابات الاميركية ان لم يكن قبلها او في الفترة الفاصلة بين انتخاب الرئيس الاميركي وتسلم مقاليد الحكم في مطلع السنة المقبلة (حوالي 100 يوم تفصلنا عن التسلم والتسليم، باستطاعة الرئيس ترمب القيام بالكثير الكثير قبل المغادرة ان لم يجدد ولايته).

رابعا: واشنطن إذا صعدت المواجهة مع طهران بعدما خرج الملف من الامم المتحدة ومن مجلس الامن تحديدا، وهذه المرة تحت البند السابع بلا مجلس امن ولا مرجعية لوزان ولا 5+1، ما يعني ان إيران امام المواجهة الحتمية والمصيرية مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق جاء اللقاء الاخير بين وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مع وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف على ما تبقى من امل في تراجع إيران خاصة وقد رفضت طهران اقتراحا فرنسيا ـ روسيا بمساعدتها على تجاوز عودة الحظر عليها ان هي تعاونت في ملفات اساسية ومنها الملف اللبناني، لكن ظريف رفض.

إذا قارنّا نص القرار 1441 الصادر من مجلس الامن العام 2002 بشأن العراق، والقرار 2231، نلاحظ التطابق الكبير في المنطق والاسلوب والكتابة، علما ان القرارين موضوعان تحت الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة.

وقد نجحت واشنطن في نهج اثارة القلق الايراني منها وقلق الاميركيين من إيران، ذلك القلق الذي تحول الى ازمة، والتي بدورها فرضت قرارا حاسما من الرئيس ترمب بالمواجهة والذهاب الى النهاية ضد إيران.

ترمب اصدر القرار الذي عجز مجلس الامن عن اصداره ومجددا تؤكد الولايات المتحدة ريادتها وقيادتها العالمية، وتخطيها كل الاطر التعددية في سياساتها الخارجية عندما يمس اي تهديد امنها القومي ومصالحها الحيوية العالمية. فواشنطن انسحبت من معاهدة لوزان ومن الاتفاق النووي ومن 5+1، كما من اتفاقية المناخ وغيرها من معاهدات واتفاقيات متعددة الاطراف عندما رأت عدم ملاءمة تلك المعاهدات مع مصالحهاـ والان تراها تنسحب من مجلس الامن لا بل تدير ظهرها للمنظمة الاممية لتمضي قدما في مواجهتها وحسمها الموضوع الايراني على وقع حرب مخابراتية وسياسية وعسكرية ستجعل من سوريا او من لبنان ساحة المواجهة الكبرى، وهذا ما قد يفسر سقوط المبادرة الفرنسية للبنان لأنها وقعت على الصفيح الساخن من تلك المواجهة ولم يكن وقتها قد نضج لتنجح.

خامسا: بإعادة واشنطن كل العقوبات على إيران بما فيها تجديدها حظر التسلح دفعة واحدة اتخذت ادارة ترمب قرار المواجهة، لا بل الحرب وقد اكدت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الامن انه عند فشل النظام المتعدد تعمل واشنطن منفردة.

المعروف تاريخيا ان الديمقراطيين في اميركا يلجؤون الى مجلس الامن لاتخاذ قراراتهم بينما الجمهوريون يعملون بمفردهم وبمعزل عن المجلس الاممي، فاتخذ الرئيس ترمب القرار وتولّى وزير خارجيته بومبيو اعلانه.

يمكن القول في هذا السياق ان إيران ومن حيث تدري او لا تدري تدفع ترمب نحو ولاية رئاسية ثانية من خلال تشديد النظرة الاميركية الى طهران على انها فعلا مصدر الخطر الاساسي والتهديد الاستراتيجي الاول لمصالح الولايات المتحدة في العالم، ما يزيد من التفاف الاميركيين على ترمب المنتصر في معارك خارجية كثيرة ومنها التطبيع الخليجي العربي مع اسرائيل اخر معاركه الرابحة.

كما يمكن القول ان واشنطن ومن خلال تصعيد مواجهتها مع طهران توصل رسالة غير مباشرة الى الصين من انها تبقى السد المنيع امام اي استحواذ صيني لمصالح وموارد ثروات المنطقة وان اي تحالف محتمل مع إيران لن يغير في حسابات واشنطن بشيء.

الروس من جهتهم غير قادرين على حماية حلفائهم متى اصطدموا بواشنطن، وقد حاولت موسكو التعمية على المشكلة الايرانية لأهداف لها علاقة بمصالحها في الشرق الاوسط من البوابة السورية، الا ان الحقيقة ان ايران اصبحت بمثابة الحليف المزعج لروسيا في سوريا، فتقاطعت المصالح بين موسكو وتل ابيب وواشنطن في اضعاف الايراني في سوريا.

سادسا: حتى إذا انتخب المرشح الديمقراطي جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة، فانه لن يستطيع تجاوز ارث ترمب والعودة الى الوراء والغاء السناب باك وازالة العقوبات عن ايران ولا حتى العودة الى الاتفاق النووي، لان الاحداث والحسابات الاميركية والدولية والاقليمية تجاوزت الاساليب الديمقراطية التقليدية ولان معطيات الميدان الاقليمي تغيرت عربيا واسرائيليا وصينيا وروسيا.

من هنا، فان الرئيس ترمب مرتاح الى سياسته تجاه إيران، التي امامها عقوبات صارمة تأتيها يوما بعد يوما وهذه المرة نوعية العقوبات ستضرب او بدأت تضرب حصانات إيران الداخلية كما الخارجية. وفي هذا الإطار، يتحدث الكثير من المحللين عن احتمالات كبيرة لانفراط عقد الحرس الثوري الايراني مع اشتداد الحصار والعقوبات وارتفاع المواجهة. وقد اثبت ترمب الان بانه صاحب القرار العالمي الاول.

اما اوروبا، فهي حاليا وأكثر من اي يوم مضى ضرورة اميركية، وهي الحديقة الخلفية لواشنطن التي باتت تهتم أكثر بحمايتها (وهذا ما يفسر مثلا الضغط الاميركي على الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الذي اجبره على وقف مضايقة الاوروبيين بصراعه مع اليونان وقبرص وفرنسا حول ملف التنقيب شرق المتوسط). وفي حسابات واشنطن منع اي تقارب اوروبي صيني محتمل يخرج الاوروبيين من عباءة واشنطن.

سابعا: بالمقارنة بين التجربة السوفياتية وكيفية انتهائها مع غورباتشوف والتجربة الايرانية يمكن استخلاص الاتي:

أ ـ براغماتية غورباتشوف في انهاء النظام الشيوعي تقابلها براغماتية القيادة الايرانية في مواجهة ملف التفاوض مع الاميركيين، فعكس ما توحيه القيادة في طهران من نفحة ثورية الا انها في سياستها الخارجية ومواجهاتها الصعبة هي أكثر براغماتية من كونها ثورية.

ب ـ مع غورباتشوف وكما ادى التفاوض الى اعادة رسم سياسة الدب الروسي الداخلية والخارجية هكذا فان التفاوض بين إيران والولايات المتحدة سيؤدي الى اعادة رسم السياستين الداخلية والخارجية مع غورباتشوف ايراني او اتاتورك ايراني جديد بعد زوال نظام المعممين.

في الملف السوفياتي عقدت سلسلة قمم بين العام 1985 والعام 1989 ادت الى انهيار حائط برلين وانتهاء الحقبة السوفياتية، وسلم غورباتشوف الامانة الى روسيا اتحادية جديدة، وهكذا إيران ستسلم يلتسين ايراني جديد الامانة لكن بعد مخاض تفاوضي يلي المواجهة الحاسمة.

بالانتظار، عقوبات مؤلمة جدا تنهال على ايران وتحاصر حلفاءها لا بل ميلشياتها الإقليميين، والمواجهة مفتوحة بين لبنان وسوريا اقله.

وفي الوقت عينه، هناك كلام في طهران عن عقد هدنة مع اميركا، وتفاهم مع اسرائيل وتوسيع التحالف التركي وباكستان على حساب العرب، فطهران قادرة على الشراء، وعلى بيع حلفائها عند الضرورة أيضاً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل