
لم يحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إخفاء غضبه من السلطة السياسية الحاكمة في لبنان، “الخائنة لتعهداتها”، إزاء إفشال مبادرته الحكومية الإصلاحية، ما أدى إلى اعتذار السفير مصطفى أديب عن تشكيل الحكومة. والخوف من أن أي تكليف لرئيس جديد لن يكون بالأمر اليسير، فيما يبدو أن الحكومة المنتظرة أصبحت في خبر كان في المدى المنظور، على الرغم من تأكيد ماكرون أنه باقٍ على التزامه تجاه لبنان، وأن مبادرته مستمرة بالنسخة 2 مع مهلة تصل إلى 4 أو 6 أسابيع.
واللافت خروج ماكرون عن لغته الدبلوماسية في أكثر من محطة، في مؤتمره الصحفي الذي عقده مساء الأحد في الإليزيه حول الوضع اللبناني، محملاً الثنائي الشيعي، مسؤولية رفضهما “القيام بأي تسوية وعدم احترام ما قالوه لي بكل وضوح حول الطاولة في 3 أيلول الماضي”. وتوجه إلى حركة أمل وحزب الله بالسؤال، “هل تريدون للشيعة خيار الديمقراطية والمصلحة اللبنانية أو السيناريو الأسوأ؟”.
وللمرة الأولى، يحمل الرئيس الفرنسي بحدة على حزب الله، إذ قال، “ليس باستطاعته أن يكون في الوقت ذاته جيشاً يحارب إسرائيل وميليشيا الى جانب سوريا، وحزباً محترماً في لبنان، ولا يستطيع أن يعتقد أنه أقوى مما هو عليه، ويجب أن يظهر ويبرهن أنه يحترم لبنان بمجمله، لكنه أظهر العكس بوضوح في الأيام الأخيرة”.
المحلل السياسي علي حمادة، يرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “تشكيل الحكومة العتيدة بالمواصفات المطلوبة التي نصت عليها المبادرة الفرنسية، بات أمراً صعب المنال. والدليل على ذلك، هو استعصاء موقف الثنائي الشيعي الذي تناوله ماكرون بإسهاب، وحمّله المسؤولية الأساسية في إفشال مبادرته بجولتها الأولى، كما قال”.
ويعتبر حمادة، أنه “من الواضح أن كلام الرئيس الفرنسي الذي حمل فيه على حزب الله، كان قاسياً ومختلفاً تماماً عن المواقف التي سبقت، خلال الزيارتين اللتين قام بهما إلى لبنان إثر تفجير مرفأ بيروت. بل حتى إلى ما قبل ساعات على إطلاق مواقفه الجديدة تجاه حزب الله في المؤتمر الصحفي، إذ صعَّد في مواقفه نتيجة الخيبة التي أصيب بها من الثنائي الشيعي، لا سيما من الحزب، تجاه المسألة الحكومية. ويكون ماكرون بذلك قد اقترب من الموقفين الأميركي والسعودي حيال حزب الله”.
ويشير، إلى أن “هذه النقطة قد تعني أمرين: إما هناك ضغط فرنسي كبير ربما يفضي إلى حلحلة من جانب حزب الله وتنازل في مكان ما، نظراً لازدياد حجم الضغوط بانضمام فرنسا إلى الدول التي تكاد تلامس بموقفها الموقفين الأميركي والسعودي.
أو أن هذا الموقف الفرنسي مؤدّاه أن يتشبث حزب الله، ومن خلفه حركة أمل في هذه المعركة، بموقف متصلب ومتشدد يرفض أن يقدّم أي تنازل، ويفضّل انتظار الانتخابات الرئاسية الأميركية في 3 تشرين الثاني المقبل، وربما إلى ما بعد هذه الانتخابات. وذلك، في إطار ما تسميه إيران دائماً (الصبر الاستراتيجي)، أي تلقي الضربات والتحمل قدر الإمكان بانتظار تبدل الظروف”.
ويلفت، إلى أنه، “بمجرد أن قام ماكرون بضرب موعد جديد بين 4 أو 6 أسابيع لتحقيق تقدم، أكان على الصعيد الحكومي أو الانطلاق ببرنامج الإصلاحات، يشير ذلك في مكان ما إلى أنه حتى الفرنسيين يعون أن الأمور معلقة إقليمياً بانتظار جلاء الصورة في واشنطن، حيث يتركز الحدث هناك وليس في المنطقة الآن”.
ويعرب حمادة عن خشيته، من “هذه المرحلة الرمادية، إذ هناك دائماً مخاوف عندما نكون في مرحلة انتظار انتقالية رمادية، أن تشهد توترات في الشارع، أو ذات طابع أمني، أو محاولة من قبل أطراف معينة للدخول على خط الأزمة اللبنانية من البوابة الأمنية، أو حتى من بوابة التصعيد السياسي المتبادل، بحيث تزداد الأمور تعقيداً، ومعها الأوضاع الاقتصادية والمعيشية صعوبة”.
ويرى، أن “مرحلة الأسابيع الستة التي حددها ماكرون محفوفة بالأخطار من نواح عدة. فحزب الله قد يحاول استغلالها بطرق مختلفة لخلق واقع يعزز وضعه في المرحلة اللاحقة، كما يمكن للإسرائيليين أن يحاولوا استغلال هذه المرحلة الرمادية التي يلفها الارتباك، لمواصلة الضغط الأمني على إيران وحلفائها وأذرعها في المنطقة، وفي مقدمتهم حزب الله، كما حصل في انفجار عين قانا مثلاً”.
