
بعدما عجزنا داخلياً عن جعل ذهنية الميليشيات الإستقوائية مجرد ذكرى، وعجز المجتمع الدولي عن إعادة إحيائنا من رفات الإفلاس الوطني، ولما أصبحنا نرفض أن يستدعي مشهد القبور مشهد قبور آخر، وبعد زعزعة إيماننا بوطن واحد، وبإنجاز مشروع الدولة المتفردة بالسلطة على كامل التراب الوطني، وبعد سيطرة حالات هجينة تستقوي بوسائل مشبوهة لنحر الكيان، لم يعد، أمامنا، سوى حالة فراق أو طلاق، استدعتها سقطة الوطن التراجيدية على أيدي من سمروا الناس على فوهة فتنة، وعلى البشع من الخوف والظنون.
من حق المعلقين على وتر فوق هاوية، والذين يرون رصيد الخلافات كبيراً، ألا يعتبروا قضية وجودهم مسألةً تفصيلية. فمشروع النظام الأحادي يسعى الى تدجينهم، وإلغاء حيثيتهم كشريحة مشاركة في أداء الوظيفة الوطنية، ليصبحوا رعايا لهيمنة استعمارية نيو ـ إمبريالية، وما الخطابات التي يسمعونها عن الوحدة والوطنية والعيش المتشارك، سوى أقراص منومة. وهذا يقودنا الى معالجة طرح المؤتمر التأسيسي، بشكل جدي، وموضوعي، ومن دون انحراف استقوائي.
المؤتمر التأسيسي هو في مفهومه العام عقد يعيد تأسيس آلية الحكم، في بلد غارق بالأزمات والخلافات، وينظم العلاقة بين مكونات السلطة السياسية، من خلال دستور جديد، أو قانون يرعى حلاً يخرج الأزمة من عنق القمقم، لتطل البلاد على فجر آخر.
في لبنان، الدولة مشلولة، ومؤسساتها معطلة، والحكم مهترئ، وميثاق العيش منفرط، والتسويات أثبتت عقمها، وطاولة الحوار أو التفاوض تخلخلت، والمبادرات الإنقاذية أجهضت… من هنا، تطرح الإشكالية: هل ميثاق التعايش، بعد، بخير؟ هل يمكن ترقيعه بالتكاذب، أو بالترهيب، أو بالتنازلات العقيمة؟ هل يمكن استبداله بما هو أفضل منه، ولو تم الذهاب، في هذا الاستبدال، الى ما يحكى عن مؤتمر تأسيسي؟
بعد عقود من التحايل على الصيغة، والتحايل موروث قديم في بنية الكثيرين، عندنا، إن لم نقل الجميع، وهو تحايل أدى الى سفك دم الوطن، وإباحة هدر سيادته وبقائه، ما الذي يمنع من حالة تغييرية محددة المعالم، والأهداف، لتجاوز مرحلة العصور البدائية، والعشائرية المقيتة، وعملية قتل الحياة، تارةً باتهامات جائرة من دون أي سند، وطوراً بالتعدي السافر على الحقوق، بالصدام الدموي، على أيدي المصابين بداء “الستالينية” البغيضة، أو النزوة “الهتلرية” المهلوسة؟
مر على لبنان انتدابات متعددة، ينبغي تسميتها استعمارات تركت بصماتها المشبوهة في جسم الوطن، ومزقته، واستولت على ثرواته، وعلى أرزاق أهله. وبالرغم من المواجهات الجسورة التي خاضها الوطنيون، طلاب الحرية، ودفعوا، للخروج من نفقها، عنهم وعن غيرهم، أرواحاً، ودماءً، ودموعاً، واحتجازاً… لم يؤد ذلك، على الإطلاق، الى ردم الهوة بين شرائح النسيج الوطني، فكان لكل شريحة، في زمن تسلطها، خطاب طائفي استنهاضي، تثويري، للانقلاب على صيغة العيش، وعلى ميثاق التفاهم الورقي.
واليوم، ها نحن أمام مشروع مشبوه يرمي الى فرض استعمار جديد، يبسط حيثيةً ثيوقراطيةً مستوردةً من وراء الحدود، يروج له بشعارات براقة، ليس أدهاها تحقيق الإصلاح، وردم الهوة بين السلطة والشعب، واستعادة كرامة الأمة… ما يذكر بسياسة التتريك التي مارستها السلطنة العثمانية ضد الشعوب العربية، في زمن الانحطاط. وهذه الشعارات الجاذبة، التي لجئ إليها ببروباغاندا استمالية، لم تلبث أن اتضحت نواياها، وخلفياتها، فلم يعد ما وراء الأكمة مجهولاً، ولم يعد التذاكي، في هذا الشأن، يقطع.
ولما كانت فئة، عندنا، لارتهانها السافر، تجهض طرح حيادية لبنان، مخرجاً موثوقاً لما يتخبط به من مخاطر، على مستوى أمنه، وكيانيته، ووجوده الرائد، بتنا أمام طرح مؤتمر تأسيسي، لا محالة. لكن المؤتمر المطروح، نريده، يعيد مدمكة جغرافية لبنان، السياسية والمناطقية، وليس كما يعمل الآخرون على فرضه علينا.
نعم، نحن لا نخشى المؤتمر التأسيسي، ونقبل خلط الأوراق برمتها، من دون إغفال لأي تفصيل، في سبيل الوصول الى حيثية نهائية، آمنة، ضامنة لوجودنا واستمرارنا، وحافظة لكرامتنا الإنسانية. لذلك، فلتطرح كل فئة رؤيتها لمستقبلها، ولتترك لها حرية اختيار الأنسب، لها، على صعيد النظام السياسي، والبقعة الجغرافية، وتشكيل هيئة حاكميها، ونظامها الاقتصادي… وإذا كانت صيغة التعايش، أو المساكنة، قد ولى زمنها، وفقدت صدقيتها، بالأدلة الملموسة، فلنتوجه الى مؤتمر تأسيسي يراعي خيارات المجموعات، ويحترم توجهاتها، بعيداً من أي استقواء، بالسلاح، أو بالخارج، وتضمن نتائجه الهيئات الرسمية الإقليمية، والدولية.
من هنا، لا للعودة الى لبنان “أكلة الجبنة”، وصعاليك السلطة، والمستقوين بالتسويات والمحاصصات، وناهبي عرق الفقراء… ولا لإعادة تسويق صيغة الوفاق المرتكزة على النفاق، ولا للبنان الأمر الواقع، المكره مواطنوه على الانصياع لسلطة “الحق للقوة”. فهذا اللبنان لفظ أنفاسه، والبديل ليس، أبداً، قفزةً في المجهول، إذا احتكم فيه الى حرية الاختيار، والى ضمانة أممية لهذا الاختيار. فإذا كنا نعيش الجحيم، فأي خطوة تخفف وطأة النار، مهما كانت هشة، هي ربح مشهود، وبداية لمسيرة صوب معايير كيانية جديدة، تنقذ من وما تبقى من الناس التائقين الى عيش كريم، ومستقر، ومضمون المستقبل. من هنا، فأي حل يأخذ بالاعتبار ما ورد في سياق البحث، كالفدرالية، أو التقسيم، أو المحمية، هو مسلك مقبول، حتماً، لأنه ينهي مرحلة شقاء صيغت بالتكاذب، والفئوية، وإلغاء فكرة الدولة…
نحن، اليوم، في مرحلة إنشاء وطن، لنا، محدد، نريده كما يليق بنا العيش فيه.