
كان لافتاً موقف تكتل الجمهورية القوية مقاطعة الجلسة التشريعية التي عقدت امس في قصر اليونسكو، فالتكتل عبّر عن موقف سياسي من انعقاد الجلسة غداة افشال المبادرة الفرنسية وانسداد الافق في ما يتعلق بتشكيل الحكومة.
ورأى في الدعوة الى جلسة تشريعية تستعيد العمل البرلماني كأن شيئاً لم يكن بعد انفجار 4 آب الماضي، وفي خضمّ الانهيارين الاقتصادي والمعيشي، وبغياب حكومة انقاذية، هروباً الى الامام ومحاولةً لإيهام الرأي العام اللبناني ان ما ينقص لبنان اليوم هو اقرار تشريعات واصدار قوانين، يعلم القاصي والداني ان معظمها لا يجد طريقه الى التنفيذ في اغلب الاحيان.
لم يشارك التكتل إذاً في مسرحية قانون العفو وهو اعلن منذ زمن رفضه له لأسباب مبدئية استفاض اعضاؤه بشرحها، كما وفّر على نفسه المشاركة في مهزلة التصويت على قانون الاثراء غير المشروع، الذي زاد مسألة حصانة الرؤساء والوزراء التباساً ورسّخ ازدواجية الصلاحية في ملاحقة الرؤساء والوزراء عن جرائم الاثراء غير المشروع بين المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وبين القضاء العادي، وضرب النص القانوني الجديد بالنص الدستوري الثابت (المادة 70 من الدستور) من دون ان يرفّ للمهللين من النواب بهذا “الانجاز” اي جفن.
في المقابل، كانت ملائكة نواب “الجمهورية القوية” حاضرة وبقوة، فإقرار قانون تعديل المادة 47 من قانون اصول المحاكمات الجزائية هو انجاز صافٍ لمقدّمي الاقتراح، النائبان جورج عقيص وزياد الحواط ولرئيس لجنة الادارة والعدل النائب جورج عدوان الذي ادار النقاشات حول التعديلات على الاقتراح بحكمة طوال عشرين جلسة واكثر.
وعلى الرغم من الاسفاف الاخلاقي في اعلان ابوّة هذا الانجاز من اكثر من طرف، توقيع النائبين عقيص والحواط على الاقتراح اصدق انباءً من الكذب.
والى جانب هذا الانجاز، اضيف آخر وتمثل في اقرار قانون حماية المناطق المتضررة من انفجار 4 آب الماضي، ودعم اعادة اعمارها الذي تقدم به النواب جورج عقيص وفادي سعد وعماد واكيم بعد ثلاثة اسابيع من وقوع الانفجار، وصاغه النائب عقيص بشكل محكم. وترأس عقيص بعد ذلك لجنة فرعية منبثقة عن اللجان النيابية المشتركة عملت على ادخال بعض التعديلات عليه بعدما ادمجت فيه بعض الاقتراحات المماثلة التي كان تكتل لبنان القوي قد تقدّم بها، وترمي ايضاً الى التعويض عن اضرار الانفجار. ولا يمكن انكار واقع ان تجاوب رئيس مجلس النواب نبيه بري وجميع الكتل النيابية مع احكام هذا الاقتراح سهّلت بشكل كبير اقراره.
في الخلاصة، يثبت نواب تكتل الجمهورية القوية اجتهاداً في تقديم الاقتراحات الاصلاحية والقوانين التي تساهم في تعزيز حقوق الانسان وسيادة القانون، وانفتاحاً على جميع الكتل النيابية من اجل اقرار تشريعات ملائمة. كما تثبت القوات اللبنانية ان مواقفها السياسية الواضحة وتمايزها المتصاعد عن باقي الكتل لا يمنعها من ممارسة الدور التشريعي الصحيح وتقديم أداء رصين ومتوازن، اذ تستطيع بجدارة ان تكون صارخة الحضور حتى في غيابها.
