المخاض الأخير والعسير

ديفيد شنكر يزور بيروت في النصف الأوّل من تشرين الأوّل لمتابعة ملف ترسيم الحدود الذي صار في إطار الاتّفاق الذي سيتحوّل قاعدة لانطلاق المفاوضات غير المباشرة حول ترسيم الحدود البريّة والبحريّة مع العدو الاسرائيلي، برعاية الأمم المتحدة ووساطة الولايات المتحدة، وذلك بعد زيارة لعين التينة قام بها كل من قائد قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب “اليونيفيل” اللواء ستيفانو ديل كول، والمنسق الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش. فهل سيغيّر ملفّ ترسيم الحدود في قواعد الاشتباك؟ وهل سيكسر الستاتيكو التعطيلي للحكومة المرتقبة؟

ما لا شكّ فيه أنّ ملفّ ترسيم الحدود سيحمل أبعادًا استراتيجيّة ستؤدّي إلى تغييرات حتميّة في سياسات الثنائي المتحكّم بالدّولة اللبنانيّة منذ العام 2008 وحتّى اليوم بقوّة سلاح حزب الله غير الشرعي، وبغطاء سياسي مباشر من رئيس الجمهوريّة المسيحي وفريقه السياسي بما يمثّله في شارعه. وعلى ما يبدو أنّ الرئيس برّي هو مولج من الحزب بمتابعة هذه القضيّة كي لا يصطدم الحزب مع المفاوِضين حفاظًا على ماء الوجه أمام بيئته الحاضنة. ما يعنيه هذا أنّ القواعد التي حكمت القرار 1701 ستكون عرضة للتغيير، أو حتّى قد نكون أمام قرار أممي جديد يحدّد إطار الواقع الذي سيستجدّ بعد التوقيع.

لكنّ هذه المفاوضات لا تعني دخول لبنان في سلام مع إسرائيل، إنّما هذا يعني أنّ تبدّلا استراتيجيًّا في قواعد الاشتباك سيتحقّق، وفي ذلك يسجّل العدو نقطة على الحزب حيث سيفقده ذريعة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر، إضافة إلى الانتهاء من الملفّ البحري، لأنّ الشرط الأميركي هو التلازم في التفاوض بين الحدودين البريّة والبحريّة للانتهاء من هذا الملفّ الذي يشكّل ثقلا إقليميًّا، يبدو أنّ دول القرار حسمت أمرها بإنهائه.

وهذا الواقع سيفرض تغييرًا في طريقة تعاطي المعطّلين في السياسة الداخليّة وقد يحاولون استيلاد شكلا حكوميًّا جديدًا قائمًا على الخلط بين السياسي والتقني لحلحلة الوضع الاقتصادي، ولو جزئيًّا. لكنّ الموضوع ليس اقتصاديًّا بحتًا إنّما هو سياسيّ بامتياز. المطلوب تحقيق المساواة بين جميع الفرقاء اللبنانيّين، وهذا مطلب دوليّ أكثر منه محلّيّ. من هنا، ستكون المرحلة الجديدة مرحلة سياسيّة بامتياز إن استطاع الحزب الدّخول في السياسة. لكن على ما يبدو حتّى هذه اللحظة أنّه يربط مصيره بالتسوية الكبرى المرتقبة بين الولايات المتحدة الأميركيّة وإيران.

هذا الرهان الذي يعقد حزب الله آماله عليه للإطباق على الدّولة اللبنانيّة دستوريًّا لكن فاته أنّ السياسة الدّوليّة تتبدّل وفق مصالح الدّول وليس وفق الأهواء الخاصّة. ومن المؤكّد أنّ مصلحة الاستثماريّين المستقبليّين في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط لا تتوافق مع وجود دول غير مستقرّة. من هنا، إنّ تثبيت الاستقرار سيكون الهدف المقبل للمجتمع الدّولي في المرحلة المقبلة، وليس على قاعدة التفاوض مع الشيطان بل على قاعدة تثبيت الدّولة السيدة الحرّة المستقلّة كي لا يخضع لأهواء هذا الشيطان.

لذلك، هذا الثنائي الحاكم صار ملزمًا بالتنازل عن نهج الديمقراطيّة التعطيليّة الذي يتّبعه منذ أيّار 2008 لصالح نهج جديد نترقّب بوادر ظهوره في القليل المقبل من الأيّام، على أمل ألا يكون استنساخًا جديدًا لما سبقه تحايلا على المبادرة الفرنسيّة الثانيّة ومن ورائها المجتمع الدّولي. لكن هذه المرّة لن تمرّ. فهل سيلجأ المجتمع الدّولي إلى الحسم في عمليّة ولادة قيصريّة؟ أم الحسم آتٍ من الشارع اللبناني بعد هذا الدرك الذي أوصلوا النّاس إليه لإنهاء المخاض الأخير والعسير؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل