يتأسف تكتل لبنان القوي للغط الذي أثاره قانون الإثراء غير المشروع المقدم من قبله، ويتجاهل في المقابل أن اللجان النيابية المشتركة، وقبل إحالة مشروع القانون الى الهيئة العامة لمجلس النواب لإدراجه على جدول أعمال الجلسة التشريعية في 30 أيلول الماضي، أشارت الى ضرورة التعديل الدستوري عليه.
ليست المرة الأولى التي تعتمد فيها كتل نيابية، الإنجازات الدعائية الوهمية، لاستنهاض جمهورها والإيحاء بأن ما تقوم به جبار لا يقهر. وليست المرة الأولى التي تتغيب فيها كتل عن حضور الجلسات، لكن قوانينها تمر مرور “الملوك” لدقتها واحترافيتها. فـ”الإثراء غير المشروع” قانون موجود منذ السابق، وليس كما سوّق أنه تم اجتراحه الآن، وتطبيقه خطوة ممتازة على طريق القضاء على الفساد وملاحقة المرتكبين، لكن الخلاف الجوهري يكمن في أنه كما أقر في آخر جلسة نيابية، اقتصر على ملاحقة الموظفين والمدراء، من دون أن يشمل الوزراء والنواب، فأين الإشكالية؟
الخبير الدستوري سعيد مالك يشير الى أن القانون جيد لناحية ملاحقة المرتكبين، لكن عند حدود مدير عام وما دون، أما ملاحقة الوزراء والنواب، فبحاجة الى تعديلات دستورية، مذكراً بأن قانون الإثراء غير المشروع موجود منذ زمن وليس من تاريخ اليوم.
يوضح، لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن القانون الجديد الذي صدر، أدخل الكثير من التعديلات والتعريفات للإثراء غير المشروع، وجعل إمكانية الملاحقة أسهل، لافتاً الى أن الآلية ستكون مريحة أكثر لاي شخص ينوي الذهاب باتجاه مقاضاة اي موظف بجرم الإثراء غير المشروع.
يشدد على أن الخلاف الجوهري في جلسة مجلس النواب الأخيرة، يكمن في نص المادة 11 من القانون الذي صدر، لأن هذه المادة تنص صراحة عل أن جرائم الإثراء غير المشروع تخضع للقضاء العادي، لافتاً الى أنه سنداً لنص ومضمون القانون، يطاول كافة النواب والوزراء والمسؤولين والمديرين العامين والموظفين والسلك القضائي والعسكري وسواهم من الافراد، لكن بمراجعة أحكام الدستور، تشير المادة 39 و40 الى حصانة النائب اثناء الحقبة النيابية وقيامه بمهامه.
يضيف، “المادة 39 من الدستور لا تسمح بإقامة دعوى جزائية على اي من اعضاء المجلس، بسبب الآراء والأفكار التي يبديها في مدة نيابته. والمادة 40 تشير الى انه لا يجوز اثناء دور الانعقاد، اتخاذ اجراءات جزائية تجاه اي من اعضاء المجلس النيابي او القاء القبض عليه، اذا اقترف جرماً جزائياً، إلا بإذن من البرلمان، ما خلا حالة الجرم المشهود”، مشدداً على وجود تناقض بين نص الدستور وتحديداً المادتين (39 و40)، وبين المادة 11 من قانون الإثراء غير المشروع التي تعتبر أن إمكانية الملاحقة مباحة من دون اي ضوابط أو حصانات.
يلفت مالك ايضاً الى أن المادة 70 من الدستور تنص صراحة على ان مجلس النواب بإمكانه الادعاء أو ملاحقة اي وزير عند ارتكابه الخيانة العظمى أو إذا أخلّ بواجباته الوظيفة، بمعنى أنه إذا كانت جرائم الإخلال بالواجبات الوظيفية عادية، تخضع لقانون الإثراء غير المشروع، أي للقضاء العادي، اما في حال كانت جرائم الأفعال مرتبطة بالوظيفة، فلا بدّ أن تحال الى المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
يوضح أن تكتل لبنان القوي لحظ عند تقدمه بهذا المشروع، ملاحقة الوزراء والنواب، إلا أن هذا الأمر غير قابل للتطبيق إن لم يصار الى الحاقه بتعديل دستوري لهاتين المادتين، إذ كيف يمكن ملاحقتهم إذا كان الدستور لا يجيز ذلك؟ يضيف، “لا يمكن لقانون أن يلغي دستوراً، لأن النص الدستوري هو نص أسمى من أي نص قانوني”.
ويشدد على أن للتعديل الدستوري شروطاً، أبرزها، أن يُقدم في دورة عادية، (بعد الثلاثاء الاول من 15 تشرين الاول)، وبأكثر من 10 نواب، وبعد أن يصوت عليه المجلس النيابي بأكثرية الثلثين، يحال الى الحكومة لوضع مشروع تعديل عليه، ملاحظاً أن التعديلات الدستورية صعبة المنال والتحقيق، “لأننا إذا فتحنا باب تعديل الدستور، هناك الكثير من المواد التي يجب أن تعدل، ونكون كمن فتح باب جهنم عليه”.
وهل يشمل التعديل ملاحقة الرؤساء أيضاً؟
يؤكد مالك، أنه عملا بأحكام الدستور وتحديداً المادة 60، يتمتع رئيس الجمهورية بحصانة من خلال المادة 60 التي تؤكد الا تبعة على رئيس الجمهورية، في حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو الخيانة العظمى، ويلحظ أنه في دستور الطائف، بات رئيس الجمهورية حكماً وهو لا يشكل السلطة التنفيذية التي كان عليها قبل الطائف، لأن السلطة التنفيذية، وعملاً بأحكام المادة 17 من الدستور، مناطة بمجلس الوزراء مجتمعاً. من هنا، لا يتحمل رئيس الجمهورية اي تبعة عن إخلاله بواجبات وظيفية، وهو يُسأل فقط عن الأفعال الشخصية، اما رئيسا مجلس الوزراء والنواب فيشملهما التعديل.
يستعيد مالك أحكام المادة 70 التي تجيز لمجلس النواب، اتهام رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو الإخلال بالواجبات المترتبة عليهم، ويلفت الى أنه بمجرد التفسير القانوني والقضائي السليم، يمكننا الاستعاضة عن عملية فرض نص أو قانون جديدين. يتابع، “إذا اعتبرت المحاكم أن الافعال المنافية للوظيفة، من ضمن الجرائم العادية التي تخضع للقضاء العادي، يكون الأمر كافياً، بينما عملية الغوص بموضوع محاكمة الوزراء والنواب، فهي دعائية أكثر مما هي واقعية وموضوعية”.
