من جعجع إلى إبراهيم فنصرالله

يبدو لافتاً في هذه المرحلة الحراك الدّولي للشخصيّات السياسيّة الفاعلة في الملف اللبناني داخليًّا. ومن أبرز الزيارات التي خطفت الأجواء زيارة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إلى فرنسا التي جاءت في إطار بثّ الحياة من جديد إلى المبادرة الفرنسيّة التي اعتبرها جعجع بمثابة الفرصة الأخيرة لبقاء هيكل الدّولة في لبنان. مع الملاحظة على الأهميّة التي يبديها الجانب الفرنسي في الاستماع إلى رأي جعجع الذي يعتبره السياسي الوحيد الصلب والثابت في مبادئه ومواقفه والذي لا يقبل أن يُفرَض عليه أيّ خيار حتّى لو كان هذا الخيار بالمباركة الفرنسيّة. وفي هذا السياق، أتى رفض جعجع للطريقة التي تمّ تسويق فيها اسم السفير مصطفى أديب في المرحلة الأولى من المبادرة.

من هذا المنطلق، برزت الزيارة القواتيّة، الشخصيّة الطابع، لتضع الأمور حيثما وجب أن تكون منذ البداية. فالرّجل واضح منذ 2 ايلول 2019 يوم طرحها في اجتماع بعبدا المالي، ومن على منبر رئاسة الجمهوريّة، ونادى بتشكيل حكومة أخصّائيّين مستقلّين تعمل على استعادة الثقتين العربيّة والدّوليّة لتنهض لبنان اقتصاديًّا وتحلّ أزمته النّقديّة، وصولا إلى إعادة إنتاج للسلطة السياسيّة بالطريقة الدّيمقراطيّة الوحيدة التي شدّد عليها جعجع، وهي عبر الانتخابات النيابيّة المبكرة.

لتأتي الزيارة الفرنسيّة الأولى وتطالب بالمطالب عينها التي أعلنها جعجع. وفي ذلك نقطة قوّة هذا الرّجل وتحوّله إلى علامة ارتكاز في السياسة الدّوليّة. من هنا تُفَهم الزيارة التي يقوم بها إلى فرنسا. وفي سياق الزيارات الدّوليّة، كذلك فريق السلطة السياسيّة لا يألو جهدًا في التوجّه إلى المجتمع الدّولي؛ وهو أي هذا الفريق، بات مدركًا بأنّ مفتاح القرار في قلب واشنطن وليس في مكان آخر. لذلك يسعى بكلّ ما أوتي من قوّة دبلوماسيّة مقبولة لدى هذا الجانب الدّولي إلى فتح كوّة دبلوماسيّة ما بينهما للحفاظ على الحدّ الأدنى من وجوديّـه في صلب تركيبة الدّولة. وذلك بعد اقتناعه بالمطلق بأنّ الوجودية التي أمّنها له سلاح حزب الله لأكثر من نيّف وثلاثة عقود، قد أثبتت عقمها بمواجهة سياسة العقوبات الدّوليّة التي تقودها الولايات المتحدة الأميركيّة.

لذلك كلّه، دأب هذا الفريق في البحث عن البديل يؤمّن له تثبيت هذه الوجوديّة السياسيّة في صلب الكيانيّة اللبنانيّة. وفي هذه المسألة قناعة بالوجود وليس بالكيانيّة اللبنانيّة. لذلك وجد هذا الفريق في رئيس مجلس النواب نبيه برّي البديل الدبلوماسي عن المواجهة العسكريّة الفاعلة التي قادها حزب الله على قاعدة سياسة الجزرة. وبات برّي بإعلانه البدء بالمفاوضات على اتّفاق الاطار لترسيم الحدود البريّة والبحريّة بين لبنان ودولة إسرائيل كما سماها نجم المرحلة المقبلة. وبدت التسريبات حول زيارة المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم إلى واشنطن بعد تلقّيه دعوة من المبعوث الرئاسي السابق لشؤون الرهائن، ورئيس الامن القومي الحالي روبيرت او براين، لتكريمه تعبيرا عن الشكر على المساعدة التي قدمها في مجال تحرير عدد من الاسرى، وجهده الدؤوب في هذه القضايا الانسانية، ومن المؤكّد أنّ لهذه الزيارة استثمار سياسيّ ما سيصبّ في إطار الجهود عينها التي يبذلها برّي في لبنان لاستنهاض السلطة السياسيّة الحاكمة، والحفاظ على الحدّ الأدنى من الوجود لها. مع ما قد لا تخفيه هذه الزيارة من أسباب تخفيفيّة في موضوع العقوبات التي تلوح على جداولها أسماء قادة هذه الطغمة الحاكمة.

ويخطئ من يظنّ أنّ التنازلات التي يقدّمها هذا الجانب المأزوم ستنعكس إيجابًا على ملفّ العقوبات، وما سينعكس إيجاباً أيضًا على المهام المرتقبة التي يضطلع بها اللواء ابراهيم. فما كتب بحبر البيت الأبيض قد كتب كائن من كان ساكن هذا البيت.

يبقى ترقّب موقف الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله الذي يبدو المطعون به الوحيد في كلّ ما يحصل، ومن أقرب المقرّبين إليه. فمار مخايل انحسر بين جدران الكنيسة المارونيّة في الشيّاح، وعادت تواريخ إقليم التفاح تتردّد بصداها من اللوبية إلى غيرها من القرى الجنوبيّة والبقاعيّة، فهو سيظهر بمظهر القوي الذي سيصوّر ما يقوم به حلفائه كنتيجة لما قام به طوال سنين زعم فيها المقاومة. حتّى إسرائيل طعنت به ولم تعير له أيّ اهتمام وتعتبره الطرف الثاني من المفاوضات. ولن تفيده بشيء مسألة استعادة الخطابات التهديديّة السابقة لاستنهاض ثقة بيئته المقاومة التي ضُرِبَت من أهل بيته أنفسهم. فهو أيقن أنّه ليس أكثر من ورقة على طاولة المفاوضات المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة. فهل يتّعظ؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل