عام على ثورة 17 تشرين – 1

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1710

عام على ثورة 17 تشرين

من تشرين لتشرين… الثوار وين منتشرين؟ (1)

الخميس17 تشرين الأول 2019. المشهد لا يشبه نفسه في لبنان. تلك الليلة وضع اللبنانيون مذاهبهم وطوائفهم وانتماءاتهم السياسية والحزبية جانبًا ونزلوا إلى الشارع وهتفوا: ثورة.. ثورة.. ثورة. في اللحظة الأولى كانت الخلفية على قرار فرض ضريبة شهرية تبلغ6  دولارات على «الواتساب». لكن تبيّن أن المكتوب أبعد بكثير. 18 تشرين الأول صاح الديك وانطلقت الثورة.

17 تشرين الأول 2020 عام على الثورة. محطات كثيرة عبرت وحفرت. الشارع أسقط حكومة سعد الحريري. حكومة جديدة تشكلت برئاسة حسان دياب ووزراء قيل إنهم من الإختصاصيين. لكن التجارب أثبتت أنها كانت حكومة محاصصة. «القوات» بقيت خارج الحكومة. الدولار وصل إلى 9000 ليرة والكلام عن تخطيه عتبة العشرة آلاف ليرة لم يبقَ مجرد تهويلاً أو ترهيبًا. البطالة تخطت نسبتها ال60 في المئة. مئات المؤسسات أقفلت والسياحة دخلت مرحلة الموت السريري.

4 آب 2020 قلب كل المشهد. إنفجار في مرفأ بيروت أدى إلى 210 ضحايا و5000 جريح وتشريد أكثر من 200 ألف شخص تضررت منازلهم ومؤسساتهم.

10 آب حسان دياب يعلن استقالة حكومته. 31 آب تم تكليف سفير لبنان في ألمانيا مصطفى أديب تشكيل حكومة مستقلة. فيروس «كورونا» فعل فعله. الإصابات تخطت عتبة 700 إصابة في اليوم والوفيات بالعشرات… والسؤال الذي يُطرح: وينن؟ وين الثوار الذين نزلوا في 17 تشرين الأول على خلفية فرض ضريبة 6 دولارات على تطبيق الواتساب المجاني؟ أين الثوار أين أصواتهم التي صدحت في الساحات ورسمت خطا بيانيا من بيروت وصولا إلى طرابلس والجنوب والبقاع وبعلبك؟ أين وجوههم المصبوغة بالغضب؟ وينن؟

ماذا عن الثورة التي خرقت كل المعايير ورفعت قبضتها في وسط ساحتي الشهداء في بيروت والنور في طرابلس دلالة على وحدة كل اللبنانيين في وجه طبقة الفساد والفاسدين؟

هل تمكنت سلطة النظام التوتاليتاري من قمع الأصوات وردع المتظاهرين السلميين من خلال التظاهرات المضادة التي تنزل إلى الساحات في وجه الثوار؟ هل انكفأت ظاهرة التظاهرات وبات المطلوب خارطة تحركات من داخل المؤسسات؟ هل المطلوب تشكيل خلية ثورية لإدارة المجموعات؟

إذا كانت ثورة 14 آذار 2005 أخرجت جيش الإحتلال السوري من لبنان، فإن تاريخ 4 آب سيكون بمثابة خارطة التغيير نحو الإستقلال. فهل تكون الذكرى الأولى لثورة 17 تشرين الأول على وقع شعارات جديدة للوصول إلى الدولة؟

عام على الثورة حمل في طياته الكثير الكثير من التغييرات التي ستكتب في صفحات كتاب من تاريخ لبنان في مئويته الأولى. لكن العنوان الأبرز سيبقى لبنان الدولة. لبنان الجمهورية… ومهما طال زمن الإستحقاق فالوطن آتٍ حتمًا، ولو على طريق معبّدة بالدماء والوجع والقهر.

 

زياد الصائغ: لبنان الكبير في مئويته يعود قضيّة العالم

لم يكن يوم السابع عشر من تشرين الأوّل 2019 يومًا عاديًّا كالأيّام التي سبقته، والتي حملت في طيّاتها، غضبًا صامتًا وقنوطًا موجعًا وارتباكًا مبكيًا لدى اللبنانيين. 17 تشرين الأول 2019 كانت انطلاقة ثورة؟ حراك إنتفاضة؟ التسميات كثيرة فكيف يقرأها الخبير في السياسات العامة زياد الصائغ؟

«الإغراق في محاولة التوصيف التّصنيفي على العِلميّة التي تحمِل في تقديري غير مفيد. بدأ حِراك رافِض في 17 تشرين، تبلور من ثمّ في انتفاضة تناسَق فيها التمرُّد الميداني على الواقع مع بوصلة فِكريّة أقامتها الانتلجنسيا اللبنانية، ليثبُت بعد ستّة أشهر أنّنا أمام ثورة حقيقيّة يتكامل فيها رفض الفساد واستدعاء المساءَلة والمحاسبة، مع الانتماء لهويّة لبنانيّة جامعة عابرة للطوائف والمناطق، فالإنطلاق إلى فَهم أنَّ استباحة السيادة بنية مؤسِّسة في الفساد، خلوصاً إلى أننا اليوم أمام تحدّي تحرير لبنان من خاطفيه وسعاة تغييرهويّته الحضاريّة. الحراك فالإنتفاضة فالثورة تدرُّج في اختبار اللبنانيّين لحقيقة أنهم صمّموا على بناء لبنان الجديد».

أضاف «وكما كُلّ تاريخ الثّورات في العالم، ثورة تشرين في ديناميّة تغيير حيّة تختزن في مضامينها تطلُّعات شعب أو جماعة بخياراتٍ ترتقي إلى طموحاتهم، وتحتمِل كلّ ثورة ومنها ثورة 17 تشرين إمكانات فشلٍ أو نجاح في مفاصل متعدِّدة، لكنَّ احتمالات النّجاح والفشل لا يمكن أنّ تحوِّلها إلى محطّة متحفّية جامِدة، فديناميّة ثورة 17 تشرين مسيرة ثابتة في إطلاق تحوُّل بنيويّ قِيميّ وسياسيّ وسياستيّ في المجتمع اللبنانيّ. الديناميّة تتفوّق حتى في المخاض والإحباط أحياناً على إمكانية تحويل ثورة 17 تشرين مجرَّد ذكرى. الأهمّ الصمود واستمرار النضال».

من يقرأ في تاريخ الثورات يدرك حتما أنها غير محكومة بزمان. لكن الحدث الذي فرض نفسه في لبنان قلب كل المعادلات والتوقعات لا سيما لجهة شرارة الثورة التي انطلقت في 17 تشرين الأول. ما كانت تلك الشرارة ومن أشعل الفتيل؟ لماذا انكفأت مشهدية الثورة؟ من هم ثوار لبنان؟ هل يكونون من الشعب الرازخ تحت سلطة الفساد السياسي والإجتماعي والقضائي أم مجموعات تحركهم طوائف وأحزاب؟ ماذا أثبتت ثورة 17 تشرين؟ أين أخفقت؟ أين نجحت؟ ما هو المطلوب اليوم من الثورة والثوار؟. ما هي الصرخة التي يجب أن ترفع في الشارع بعد كارثة تفجير المرفأ في 4 آب؟ ثورة اليوم على الدولة أو الدويلة؟ وهل  يجوز بعد شعار كلن يعني كلن؟ يجيب الصائغ:

«لا يمكِن اختصار التّراكمات في مُربَّع اللّاحوكمة واستباحة مقدّرات اللبنانيّين، والإصرار على إذلالهم، وتسميم نوعيّة حياتهم، وتيئيسهم حتى تهجيرهم، وعزل الكفاءات مِنهم عن الفضاء العام، وتطويع تِلك في بعض القطاع الخاص لصالح شبكة زبائنيّة موبوءة، لا يمكن اختصار هذه التراكمات بشرارة. أضِف إلى ذلك إنتِهاك السّيادة وتعليق الدستور وتشويه القانون. الشرارة أخلاقيّة ومنها الشرارات الأخرى». ويضيف: «بدايةُ كنّا أمام منظومة سياسويّة وليس سُلطة سياسيّة. علينا تصويب المفاهيم. السُلطة السياسيّة مرتبطة بقيام دولة عميقة. هذا ليس الواقع في لبنان. المنظومة السياسويّة راهنت على قُدرتها على العودة لاستقطابات مذهبيّة وطائفيّة حتى خدماتيّة. في عقلها أنّ هذه الإستقطابات أبديّة. الناس أثبتوا العكس. حتماً بقيت قواعد بعض المنظومة على خياراتها. لا بأس فجدليّة المواجهة هنا في الخيارات مسارٌ مليء بالأشواك. لكن من قال إنَّ مشهديّة الثورة في هذه المرحلة المصيريّة اختفت، أعتقد أنه على كثير من الخفّة. للثورة أكثر من تعبير، وقيام ائتلافات جبهويّة ثوريّة في هذه المرحلة تنتقل من حالة الإعتراض الرفضي إلى حالة المعارضة السياسيّة وطرح البدائل رؤية وبرنامجاً وقيادة وهو قيد التبلّور، على رغم كلّ محاولات تدمير اللبنانييّن وآخرها تفجير مرفأ بيروت  في 4 آب 2020».

ثورة الدواليب عام 1992 عدا عن كونها مركبة، لا تُقارن شعبياً بثورة 17 تشرين، فيما الثورات الأخرى من ثورة 1958 إلى ثورة 14 آذار 2005 وما بينهما من إنتفاضات ووقفات، كانت سياسية الطابع، أي تفرز الشعب اللبناني إلى قسمين، هذا الشعب الذي قلمّا اتفق على عناوين وطنية مشتركة، فهل وحدت ثورة 17 تشرين مطالب اللبنانيين؟ يقول الصائغ: «كلّ الثورات التي شهدها لبنان في مسار تراكميّ أدى إلى ثورة 17 تشرين. الشعوب تحيا من ذاكرة تاريخها الجماعي. ولكلّ من المحطات التاريخيّة التي ذكرت ظروفها وسماتها الحاضنة، لكنها حفرت في ذاكرتنا ووجداننا ونضالنا وخياراتنا. ثورة 17 تشرين هي نِتاج قناعة بأنّ لبنان مخطوف ومُحتلّ ومرهون ومستباح على كلّ المستويات، ويُقتضى تحريره. هنا ثمّة تكامل بين الإنسانيّ والسياسيّ والسياديّ. أعتقد أنّنا وَلَجنا مرحلة بناء لبنان الجديد على قاعدة بلورة أمنٍ قوميّ متماسِك عناصره الإداريّ – الاقتصاديّ – الاجتماعيّ – الماليّ – السياديّ – القانونيّ. ليس صدفة أنّنا في العام 1920 بنينا لبنان الكبير وفي العام 2020، وبعد مئة عام، لبنان الكبير يعود قضيّة العالم في حين كانت محاولة لِتصفيته بأجنداتٍ إقليميّة محاوريّة خبيثة».

تطورات كثيرة قلبت معادلات سياسية وإقتصادية بعد انطلاق ثورة تشرين منها ما أنتج نجاحات ومنها إخفاقات وتراجع في مطالب الثوار فهل خفتت شعلة الثورة ومن هم ثوار لبنان اليوم؟ يجيب الصائغ: «ليس من تراجُع في المطالب. التصاعُد التدريجيّ من المعيشيّ إلى السياديّ فالهويّاتي، أي إستعادة البحث في مسبِّبات الأزمات في لبنان يعني أنّنا أمام شموليّة مطالب وليس تراجعها. أمّا فيما يُعنى بالإلماح إلى إخفاقات الثورة سؤالي بسيط هل من مسارٍ تغييريّ دون منعرجاتٍ وعِرة؟ هذا هو التاريخ في نضوجه التّراكميّ».

يضيف:» كثر يسألون من هم ثوار لبنان الذين نزلوا في 17 تشرين الأول وأضفوا مشهدية جديدة  في صفحات تاريخ هذا الوطن. الثوار هم كلّ من يريد لبنان جديد. لبنان العَيش الواحِد. لبنان جمهوريّة المواطنة. لبنان دولة القانون. لبنان الدّستور. لبنان الحوكمة السليمة. لبنان التّنمية المستدامة. لبنان الحرّيات العامة وحقوق الإنسان. لبنان السيادة. لبنان ديبلوماسيّة الانتماء للشرعيّة العربيّة الدّوليّة. لبنان الأخلاق والقِيَم. كلّ هؤلاء هم ثوّار. ثمّ من قال أنّه مطلوب إلغاء الأحزاب وإقصاء جمهورهم. الثورة أيضاً قائمة في تقديري على كثيرٍ من هذه الأحزاب. الأحزاب معنيّة، خصوصاً تلك التي انتهجت الفساد والارتهان خياراً سياسيّاً، معنيّة بالتوبة والتّقاعد احتِراماً للبنانييّن وتضحياتهم».

وعن تحول الثورة من سلمية إلى أعمال شغب في كل مرة ينزل فيها الناس إلى الشارع أوضح الصائغ: «الشغب حالة عرضيّة. الإندساسات المشبوهة والاختراقات الخبيثة باتت معروفة. الثورة في مرحلة تنقية. الأهمّ مرّة جديدة عدم تضييع البوصلة. في أيّ حال بعض الحالة العُنفيّة لا يمكن أن تكون سوى نتيجة إمعان المنظومة السياسويّة في فسادها ناهيك بتحويلها نهج التّعاطيّ مع الثورة إلى بوليسيّ. المنظومة ومن يتحكّم بها على كثيرٍ من الذُعر».

نسأل ماذا أثبتت ثورة 17 تشرين؟ أين أخفقت؟ أين نجحت؟ ويجيب: «أثبتت ديناميّة ثورة 17 تشرين أنَّ الشعب اللبنانيّ غير مُخدَّر كما حلا للبعض القول، وهو يُساعد نفسه، وهذا هو الإنجاز البُنيويّ. مُبكر تقويم النجاحات. أمّا الإخفاق الأكبر فهو تأخير قاتل في تشكيل القيادة وبلورة البرنامج التغييريّ المرحليّ، مع عدم إيضاح حاسم للخيارات خصوصاً في المسألة السياديّة. تأخَّرت البدائل. المطلوب اليوم من الثورة والثوار مزيد من الوضوح في الأولويّات. مزيد من التنظيم نحو ائتلاف مدني مدنيّ معارِض. خروج صارم من مُربّع الأنانيّات والحسابات الضيّقة».

الثوار إذا خرجوا اليوم ماذا سيقولون أو ماذا يُفترض أن يطلقوا من شعارات؟ إسقاط الحكومة المجلس النيابي رئيس الجمهورية؟ كلن يعني كلن؟ «لم يعُد من إمكان سوى إعادة تشكيل السُلطة بالكامل من رئيس الجمهوريّة إلى انتخابات نيابيّة وبلديّة، فحكومة مستقلّين متخصّصين، إلى إنشاء مجلس شيوخ وقضاء مستقل. ببساطة لنَعُد إلى تطبيق الدستور الذي علَّقته المنظومة. و»كلّن يعني كلّن» تعني كلّ الفاسدين، كلّ مستبيحيّ الدستور، كلّ مغتاليّ السيادة. من يلتزم خيارات الثورة أهلاً وسهلاً به لكن بمعايير الثورة وأجندتها. وفي هذا السياق سنكون أمام مخاض طبيعيّ».

ثمة موجة من الإحباط واليأس وانعدام الثقة بالدولة لا سيما بعد انفجار المرفأ في 4 آب وهذا ما يبرر في رأي البعض تراجع الثورة وانكفاء الثوار لكن بحسب قراءة الصائغ المشهد يختلف. ويقول: «الإحباط واليأس يتصاعدان. لكنّنا معنيّون ومنكمِّل بيلّلي قرّروا الصّمود. الثورة تعرَّضت لجراح لكن لا مناص من الصّمود في النضال. ميزة الشعب اللبنانيّ قائمة في ثورته الدّائمة. ثورته لم تنقطع. دفع أثماناً غالية لكنّه صمد. أمّا في ما يُعنى بمنطق «الزعيم» فهذا سقطَ كليّاً إلاّ في وجدان المرضى به». ويختم: «ليس في لبنان دولة. حتى الدّويلة تعريف مُجَمَّل لمنصّة مأمورة من الخارج. تفجير مرفأ بيروت محطّة مفصليّة في الصّراع القائم بين الثورة من جهة والحاكِم والمتحكِّم من جهة أُخرى. نحتاج إعادة تشكيل سُلَّم القِيَم، نظام الحوكمة، ونوعيّة السُلطة».

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل