لبنانُ الكبيرُ وفلسفةُ تآلفِ الاختلاف

كتب الرئيس الفخري لجامعة الروح القدس الكسليك الأب البروفسور جورج حبيقة في “المسيرة” – العدد 1710

بشكل مازح، كتب البعضُ «من إعلان لبنان الكبير الى إعلان لبنان الفقير». لكن هذا العنوان المسجّع، على نجاحه في سَوْق الأضداد، لا ينقل الواقع بأمانة، على رغم فداحة الأزمة التي نمر بها من انهيار اقتصادي ومالي، وتصدّع سياسي واجتماعي وتفكّك بنيوي في مؤسسات الدولة. هناك الكثير من الدول التي مرت بأزمات مماثلة. نحن لا نحتكر هذا النوع من الشدائد والصعاب. هناك شعوب سبقتنا ولديها الخبرة في هذا الموضوع. إنها ليست المحنة الأولى وقد لا تكون الأخيرة في تاريخنا العظيم والهش.

هل لبنان خطأ تاريخي؟ هل يا ترى لبنان صدفة؟ من بمقدوره أن يطلق هكذا أحكام بشكل عام، حتى يحدّد وطناً، وشعبًا وثقافة؟ إذا لم يكن لديه مخزونٌ كافٍ في العلم والاطلاع، وعقلٌ متمرس فيالولوج الى كل هذه التفاصيل المعرفية والدقيقة والصعبة عبر التاريخ والجغرافيا، إذا لم يكن مطلعًا وملمًا بكل هذه التفاصيل، كيف له أن يُطلق أحكامًا مماثلة؟

مؤخرًا كتبت مقالاً للمجلة الفرنسية «عوالم وثقافات»  (Mondes et Cultures)عن فينيقيا بعنوان «بواكير المثاقفة والعولمة في الإرث الفينيقي». عندما نطّلع على الإرث الفينيقي الذي يلقي بمرساته في قعر التاريخ، ونرى كيف تطرقت الحضارات القديمة إلى هذا الإرث العظيم، وعندما نتوغل في قراءة المراجع العالمية لكبار الأخصائيين عن فينيقيا القديمة وبخاصة عن حدودها الجغرافية، تأخذنا الدهشة من التطابق المذهل بين حدود فينيقيا وتخومِ لبنانَ الحالي إلى حد ما.

واللافتُ في الأمر أيضا أن المدنَ الفينيقية كانت ممالك صغيرة ومستقلة، على شاكلة مملكة صور وصيدا وبيبلوس وجزيرة أرواد. حدودها مصانة بحسن الجوار والصداقة والتعاضد ووحدة الدين واللّغة. جميع هذه المدن لم تسقط يومًا في تجربة تذويب خصوصيّات كلّ مملكة وتقاليدها المكانية وذاكرتها التاريخية وصهرها في بوتقة ملكيّة واحدة. الفينيقيون لم يسقطوا يومًا في النهج الإلغائي للمميّزات الأساسية في تكوين الفرادة المجتمعيّة. فقد اكتسب الفينيقيون مناعةً مدهشة ضد مناهج الإمبراطوريات التي حكمت ممالك فينيقيا على مدى عصور، نذكر منها على سبيل المثال، المملكةَ المصرية القديمة، والإمبراطوريةَ الفارسية والحثيين. هذه الركائز التي كانت تقوم عليها الممالك الفينيقية تحولت على مرّ الزمن إلى مسلّمات مخرت مطاوي العصور وأصبحت عصيّة على أي تحوّل أو تبدّل وباتت ثوابتَ حتى يومنا هذا. فالتراث الفينيقي مستدام عبر تقاسم الجغرافيا ذاتها ومخزونها الثقافي المتوارث عبر مكنونات اللاّوعي الاجتماعي. وخير دليل على ذلك الحرص المفرط في أيامنا الحاضرة على الذاتيّات الجغرافيّة للمناطق اللبنانية وللمدن الساحلية والحفاظ عليها بتشدّد في وجه أيّ رجل سياسي آتٍ من منطقة أخرى، حتى ولو كان ينتمي إلى الدين والمذهب ذاتهما. ولدينا أمثلة عديدة على هذا الأمر.

الفينيقيون حيثما حلّوا لم يلغوا أيَّ إرث ثقافي، بل على العكس من ذلك، احترموه ودخلوا معه في تحاكٍ مغنٍ وتكامل متآلف. نتساءل هنا من استفاد من الخبرة الفينيقية هذه؟ إسكندر المقدوني، أكبر فاتح في الأزمنة الغابرة، وعاشق الفلسفة على يد أرسطو، كان المستفيد الأول. عندما اجتاح مناطق عديدة وذات حضارات لا تدانيها الثقافة الإغريقية بأي شيء، لجأ الى الأسلوب ذاته. فالقاعدة الذهبية إنما هي احترام خصوصيّات الشعوب.

من يقول إن لبنان صدفةٌ في التاريخ، أقول له إن كلامَه «صدفةٌ» تحليليةٌ صاغتها إيديولوجياتٌ مجوّفة وظرفية. فالكتاب المقدس لوحده يذكر لبنان أربعاً وسبعين مرة. أكثر بكثير من ذكر المدينة المقدسة أورشليم. وهنا يحضرني مشهد موسى في وصيته الروحية الأخيرة التي أعطاها للشعب بشكل خطاب الوداع على عتبة أرض الميعاد. فأخبر موسى شعبه كيف تضرّع إلى الربّ وعظّم صنائعَه ويدَه القويّة ثم توّج تمجيدَه بالتوسّل التالي: «دعني أعبرُ فأرى الأرضَ الطيّبة التي في عِبْرِ الأردن، وأرى هذا الجبلَ الطيّبَ ولبنان. ولكنْ غَضِبَ الربُّ عليّ بسببكم ولم يسمع لي، بل قال لي الربُّ: كفاك! لا تزد في الكلام معي في هذا الأمر» (تثنية الاشتراع 3، 25). كان موسى يتحرّق شوقا إلى رؤية لبنان، غير أن الربَّ لم يُنعم عليه بذلك. هذه الواقعة دفعت بالكاتب والروائي الروماني الشهير ڤرجيل جورجيو (Virgil Gheorghiu) إلى عنونة الفصل الأول في كتابه «المسيحُ في لبنان» (Christ au Liban) كما يلي: «نعمةٌ رُفضت لموسى، وُهبت لي».

ويجدر هنا التوقفُ أيضا وبشكل خاص على ما يذكره أشعيا في القرن الثامن قبل المسيح عن لبنانَ، رمزِ الحياة، في الفصل 35 من نبوءته. هذا العظيمُ من أنبياء العهد القديم، كان في محاورة أخّاذة مع الصحراء، الملفوحة بأشعة الشمس الحارقة، لا ظلّ فيها ولا ماء. إنها مرتعُ اللاّوجود ومقيل الموت. كان يشجع القفر على الصمود في قاحليته، بانتظار زمن المسيح، زمن الخلاص. عندها يُنعم الربُّ على الصحاري والقفار بـ»مجد لبنان»، أي بالماء والحياة والاخضرار والبهجة والفرح: «ومجدُ لبنانَ أُعطي له»، أي للقفر. إن صيغة الماضي في النبوءات إنما هي تدليل على التيقن القاطع لدى النبي من صدقية نبوءته، كما لو كان يتكلم عن أمر قد حدث فعلا في الماضي، على شاكلة «حدث غدا».

هذا اللبنان الضارب في عمق التاريخ، الذي أعطى الأبجدية وأنقذ ذاكرة البشرية، لن يتأثر بالتصنيفات الضَّحِلة على غرار لبنان صدفة أو خطأ في التاريخ، أو الذهاب إلى القول بأن لبنان هو صنيعة الانتداب الفرنسي ليس إلا.

لم يكن لبنان يوماً، يمكنني الجزم بذلك، بلداً عادياً، وبالتالي باهتاً. وتقومُ معجزةُ استمراريّته على أنه لم يخرج قطُّ من دائرةِ المخاطر عبرَ كلِّ حقباتِ تاريخه الطويل والضارب في عُمق الزمنِ الإنساني. قدرُه أن يعيشَ دائما في خطر وفي أزمات متلاحقة، لأنه بلد الحياة. والحياة لا تنمو إلا في المخاطر والأزمات (Vivrec’estrisquer). ذلك أنه كان على الدوام، حتى الآن أقلّه، تلك المساحة الحرّة والفريدة لبشريّةٍ متألّمة، هاربةٍ من عذاباتِ ماضيها، تائهةٍ في حاضرٍ متقلّب وغامضٍ ومتوجّسةٍ من غدٍ قد يكون أفجع وأهول، في شرقٍ ميّال، بالرغم من تكدُّساتِ حضاراته وثقافاته وتقاطعِها الغني، إلى نوعٍ من الأحاديّة اللغويّة والدينية والسياسيّة والمجتمعيّة. من مصائب هذا الشرق الكبرى، استناداً إلى اطِّلاعي الوثيق على الحركات الدينية والسياسية، منذ القرن التاسعَ عشر حتى القرن الواحد والعشرين، أنه يتوهّم أنَّ الوحدة التي يسعى إليها كمدخلٍ إلى القوّةِ المنشودة، تولَدُ من رَحم الانصهار. وحدَهُ لبنان الذي تأنسنَ حتى المرضِ والهزال على وقعِ حُريّات الناس وتطلّعاتهم وآلامِهم وتشرّدهم، استطاع أن يُسقط، بممارسةٍ يوميّة دؤوبة وهادفة، مبدأين خطيرين، بحسب اعتقادي، الانصهارَ والتسامحَ اللذين يتعارضان وحقوقَ الإنسان الطبيعيّة والأساسيّة، ويتهدّدان بالتالي، باستمرار، شرقنا الذي غالباً ما ينزلقُ إلى منطقِ اختزالِ الآخر المختلف وتهميشه ثم إلغائه.

إنَّ الانصهارَ الذي تتناوله وتُشدِّد عليه، بكلّ أسف، نصوصُ اتفاقيّة الطائف، ويطفو كزبدٍ مَرَضيٍّ على سطح الخطب السياسيّة، إنما هو مصطلحٌ يُستعمَل، أصلاً وحصراً، للمعادن التي تدخل متنوّعةً إلى الأتّون لتخرج منه شكلاً واحداً ولوناً واحداً وتركيباً كيميائياً واحداً. فلبنان لم يعشْ قطُّ هذه الحالةَ الانصهارية المذوّبة لحقِّ الآخر في الاختلاف. تقومُ رسالةُ لبنان الاجتماعية والسياسيّة على أنّه ليس مطلقاً مشروع انصهارٍ، بل دائماً مشروعُ وحدةٍ إنسانيّةٍ ووطنيّةٍ بين عائلاتٍ روحيّةٍ ومجموعاتٍ إتنيّةٍ وثقافيّةٍ وحضاريّة، على شاكلة وحدة الجسد القائمة على التكاملِ الوظائفي بين خلايا وأعضاء لا يجمعها إلاّ الاختلاف في التآلف. وكما كانت الفلسفاتُ اليونانيّة تنطلقُ من هيكليّةِ الجسد البشري لتضعَ تصوّراً لأكمل تصميمٍ إداري للمدينة الفاضلة والمثاليّة، كذلك علينا أن ننظُرَ إلى سرِّ الحياةِ الذي يأخذُ من جسدِنا مدىً مميّزاً لتمظهره. هل أمعنّا النظرَ في وظيفةِ كلِّ عضو وكلّ خليّة، وكيف يتمُّ التكاملُ والتناسقُ في التمايز؟ إذا انصهر جسدُنا وأصبح عضواً واحداً، هل يبقى حياً؟ ألا تهجره الحياةُ وتدعه أشلاء هامدةً ترتعُ فيها سكينةُ الموت؟ هل نريدُ للبناننا خطرَ الحياة في الوحدة التي تحضن التنوّع وتخصبه، أم طمأنينةَ الموتِ في الانصهار الذي يُذوِّب الفروقاتِ ويلغيها؟ الحياةُ لا تسكنُ إلاّ في التنوّع، والموتُ لا يقيمُ إلاّ في الأحاديّة.

نستخلص مما سبق أنّه كلما كانت الدولةُ حاضنةً للفروقات وراعيةً لها بإخلاصٍ واقتناع، كان المجتمعُ أكثر تماسكاً وأشدَّ اتّحاداً وأصلبَ استمراريّةً في الاستحقاقاتِ الحرجة. وبقدرِ ما تسعى الأنظمةُ إلى عمليّاتٍ انصهاريّة، بقدر ما تمسُّ حقوقَ الإنسانِ الأساسيّة ونواميسَ الطبيعةِ، وتجذِّر بالتالي الهشاشة في جسدِ الوطن، فيتداعى وينهار عند كلّ اهتزازٍ قوي.

أما بالنسبة إلى مفهوم التسامح، ولئن عَرَفَ هذا المصطلح رواجاً كبيراً بشكلٍ خاص في عَصر التنوير واعتُبر شرطاً أساسياً لتلاقي الشعوب المتمايزة وتضَامُنِهم، فإنني أرى فيه، من زاويةٍ بحت فلسفيّة، مسّاً قاسياً بحقوق الإنسان الطبيعيّة والأساسيّة، إذ ينطوي على المدلولات السلبية التالية: المتسامحُ هو المقتدرُ الذي يتحمّل وجودَ الآخر المختلف والمستضعَف ويسمحُ له بالبقاء معه لا كشريكٍ متساوٍ في الحقوق والواجبات، بل كإنسانٍ ينتهي طموحُه عند سقف الاستمراريّة في الحياة ليس إلاّ. في التسامح، يستعطي الإنسانُ الأقلي بقاءَه في الوجود من الآخر الأكثري والقوي. وإذا رجعنا إلى اللغة العربية، لوجدنا أن: سَمُح وسمَح سماحة، يعني جاد وأعطى ولان وتساهل. وسامحه في الأمر: ساهله ولاينه ووافقه على مطلوبه. وسامحه بذنبه، صفح عنه. وبوجيز الكلام: المتسامح دينياً، هو الذي يغفر للآخر المختلف كونَه من دين آخر ومن ثقافة مغايرة، ويجودُ عليه بالإذن له بالبقاء في المجتمع ذاته، ويتساهل معه بغض النظر عن تقاليده المجتمعية وطرائق تفكيره وعيشه. وإذا قاربنا المفردات الأوروبية، لوجدناها تتقاطع مع المصطلح العربي. الفعل اللاتيني tolerare  يعني تحمّل مع معاناة. وفي اللغة الفرنسية tolérer quelqu’un، يعني تحمّل شخصاً ما على مضض. والفعل الإلماني dulden يفيد المدلول ذاتَه.

انطلاقاً من حقوق الإنسان الطبيعية، فالكائن البشري لا يستجدي وجوده من أحد، وبناءً على ذلك، فهو ليس بحاجة إلى تسامح الآخرين في حقه اللامنقوص في الوجود الحر وبالتالي في الاختلاف. له الحريةُ المطلقة في أن يكون كما هو يريد أن يكون، ضمن حدود احترام الآخر في الأمور عينها والمحافظة على السلم العام. هذا المنطق الذي أدى إلى قيام لبنان والميثاق اللبناني والطائفية البناءة، يجد دعما قويا في ما يسميه تشارلز تايلور (Charles Taylor) «سياسة الإختلاف» (la politique de la différence). إن هذا الحق في الاختلاف، الذي يقوم عليه لبنان، مجتمعا ودولة وحكما، يتعارض كليا مع مفهوم التسامح.

هذا هو البُعدُ الذي سعى لبنانُ الكبير دوماً إلى عيشه، بإعطائه كلَّ مضطهَدٍ وكلَّ هاربٍ وكلَّ امرئٍ خائفٍ على ذاته في هذا الشرق المعلّقِ على خشبة الأحادية، بعضاً لا يستهانُ به من حقّه الإنساني في وجودٍ حرٍّ وكريم. فكان الميثاقُ الوطني اللبناني الذي أعاد الحياة، بعد حوالي أربعةَ عشرَ قرنا، «لميثاق المدينة» أو «صحيفة المدينة» أو «دستور المدينة» المبرمِ في يثرب، المدينة المنورة، بين نبي المسلمين محمّد واليهود والنصارى والصابئة، والذي يُنشئُ بصريحِ العبارةِ مجتمعاً سياسياً واحداً تحت لفظة أمّة، في تعدّديةٍ دينيةٍ وثقافية وفي إدارة متساوية لشؤون المدينة. غير أنَّ هذا الاتفاق الذي يعتبرُه الباحثون أولَ نصٍّ في القانون المدني العربي، سقط ودخل بعده الإسلامُ شيئا فشيئا في ذهنيَّةٍ مغايرة، بفرضه الشريعةَ الإسلامية على الجميع، من دون أن يفقدَ كلّياً بعضَ الحنينِ المتقطّع إلى ما تداعى من روحيّة «ميثاق المدينة» وفلسفته، كما يظهرُ لنا ذلك من تساؤل عمر بن الخطاب وتأنيبه: «متى استعبدتم الناسَ وقد ولدتهم امهاتُهم أحرارا “.

يرى المحلّلون في هذا الكلام أوّل مُسَوَّدة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث نقرأ في المادة الأولى: «يولدُ جميعُ الناسِ أحراراً متساوين في الكرامةِ والحقوق وقد وُهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يُعامِلَ بعضهُم البعض بروحِ الإخاء». من هنا القفزة النوعيّة التي أنجزتها الصيغة اللبنانية، أو الطائفية البناءة بحسب مصطلح كمال يوسف الحاج، شهيد رسولية الكيان اللبناني، التي هي نظام إشراكي وليس إقصائيا، عندما أبىت أن تُبقيَ أحداً أو جماعةً من اللبنانيين خارجَ التمثيلِ النيابي وخارج السلطة، وحالَت دون استئثارِ أية طائفةٍ بإدارة دفة الحكم أو السيطرة على الآخرين أو تطويعهم أو إلغائِهم، وأرست الحكمَ على قاعدةِ تقاسم السلطة والاعترافِ بالآخر المختلف، ليس كعدوٍّ لي أو خطرٍ على نموّ ذاتي المغايرة، بل شرطٌ أساسي لتأطير ذاتي ولوجودِها، إذ لولا الآخرُ لما كان من الممكن أن أعي ذاتي في غيريّتها. فالآخر هو طريقي إلى ذاتي. من خلاله أعي من أنا. وهكذا باتَ الآخرُ دينياً وعرقيّاً وثقافياً، بفضل الصيغة اللبنانية، جزءاً لا يتجزّأ من ذات الجميع، وشريكاً فاعلاً لا متفرّجاً في رسمِ السياسات التي من خلالها تُدارُ شؤون لبنان كافةً. وكذلك بفضل الميثاق الوطني، قامت الديمقراطية اللبنانيّة على التناوب السلمي على الحكم، وضمن مُهلٍ زمنيّة محدّدةٍ في الدستور، الأمرُ الذي يبدو نادراً في شرقنا العربي البائس. وعندما نسمع بعض السياسيين اللبنانيين يتكلمون عن النظام اللبناني بألفاظ تحقيرية ولا أقسى، لا نستغربُ البتّة وجعَهم واشمئزازَهم وخيبةَ أملهم من هكذا نظام، لأن هذه الطائفية التي يصنفونها بالبغيضة، هي التي تمنعهم فعلا من احتكار السلطة وإقصاء الآخرين ومن التحكم الكامل من دون أي منازع في مفاصل الإدارة في الدولة اللبنانية.

في مقاربتنا للنظام اللبناني الحالي، قد نُتَّهم، من الناحية المنهجية، بأننا لا نقيم المسافة الضرورية بيننا وبين واقعنا السياسي الذي نعالجه، الأمر الذي قد يمنعنا من رؤية الأمور على كامل حقيقتها، فتتعطل الموضوعية وتنتصر الذاتانية المتطرفة. قد يكون ذلك صحيحا. من هنا الضرورة الماسة إلى سماع آراءٍ علمية في نظامنا وتركيبة مجتمعنا، من أناس اختصاصين، يعيشون في بلدان يُشهدُ لها بالتقاليد الديمقراطية العريقة المبنية بشكل أساسي على مبادئ المساواة والعدالة والمواطنة الصرفة. في المؤتمر الألماني اللبناني المنعقد في ألمانيا، بمدينة لودفيكسهافن  (Ludwigshafen) في 7 أيلول 2009، وفي مداخلة تحت عنوان: «أصحيحٌ أن الطائفيةَ السياسية في لبنان هي فعلا سيئةٌ إلى هذا الحد؟»، يقول الخبير الألماني السابق لدى الأمم المتحدة والمسؤول عن ملف لبنان، كلاوس د. هيلليبراند (Claus D.Hillebrand)، إن هذا النظام يؤَمِّن في الوقت الحالي نوعا من الإستقرار ويتلاءم بمهارة، في آليات أخذ القرارات، مع مصالح المجموعات اللبنانية كافة. من هنا، يتابع هيلليبراند، إن كل سعي إلى إحداث أي تغيير جوهري في النظام إنما هو محفوفٌ حتمياً بمخاطرَ جمّة، لا سيَّما في الظروف الراهنة، حيث نرى أن الدول المجاورة والشرق أوسطية في مجملها لا ترتدع عن رسم سياسات توسعية جامحة، مُحفَّزة في الكثير من الأحيان من حركات إسلامية أصولية متطرفة. ثم أدهش المؤتمرين بإقامته مقارنةً بين الطائفية المقوننة في لبنان، من جهة، والطائفية، ولو بمقدار خفيف، غيرِ المكتوبة، الخفية والمستترة، في ألمانيا الاتحادية، من جهة ثانية. فهو يقول إن المناصب الأساسية في الدولة والحكومة تتوزع على سياسيين من طوائف ومناطق متعددة، حفاظا على التوازن العام والمشاركة الواسعة. إن هذا الأمر، يؤكد هيلليبراند، يتخفَّى كليا عن الأجانب.

إذا أقمنا، من ناحية أخرى، مقارنة بين الصيغة اللبنانية وما يسمى في سويسرا بالصيغة السحرية (la formule magique)، لوجدناهما يتقاطعان بشكل مذهل. جميعنا يعرف جيدا كيف وُلدت سويسرا، على مر العصور والسنين، من رحم الأوجاع والصراعات الدينية واللغوية والمناطقية ورست متشرنقة في كانتونات يصل عددها إلى ستة وعشرين. وراء تكوين هذه الكانتونات، كان الحرص الشديد على الحفاظ على الذاتيَّات المختلفة واللغة والدين والذاكرة التاريخية الخاصة. فكان هذا الاتحاد السويسري أبهى تجسيد لتآلف الإختلاف. وفي التفتيش العنيد والدؤوب عن أنجع الأنظمة لإدارة تعقيدات هذا التنوع، توصل السويسريون في عام 1959 إلى استنباط ما استنسبوا أن يدعوه الصيغة السحرية، التي تعكس في الواقع نظام التوافق (Lesystèmede concordance) . تقوم هذه الصيغة على توزيع المقاعد السبعة التي يتألف منها المجلس الفدرالي (Le Conseil fédéral)، أي السلطة التنفيذية أو الحكومة، تبعا للانتماء السياسي والديني واللغوي. فالمجلس الفدرالي السويسري هو فعلا حكومة الأضداد كحكومات لبنان. تأخذ هذه السلطة التنفيذية القرارات الهامة بالتوافق، وهي بالتالي لا تَمثُل أمام المجلس النيابي للمساءلة، لأن كل الكتل النيابية الوازنة ممثلةٌ في المجلس الفدرالي. في هذا الصدد، يقول الرئيس السابق للمجلس الفدرالي السويسري باسكال كوشبان (PascalCouchepin)، “إن مبدأ التوافق يشكل مكمن الضعف في الجهاز التقريري السويسري، لكنه، ويا للأسف، لا بد منه ولا بديل عنه. فالبطء في الوصول إلى القرار الحاسم خيرٌ من التهور وجر البلاد إلى ما لا تحمد عقباه. ويقول متأوها: قد نبدأ بطرح الموضوع على بساط البحث اليوم، فلا ننتهي منه إلا بعد سنوات حيث يتم التلاقي ويُتَّخذ أخيرا القرار». هذاالأمر يحدث طبيعيا في سويسرا التي نتغنى برقيي نظامها الديمقراطي وإدارتها للتنوع، وعندما يحدث هذا الأمر بالذات في لبنان، نصرخ بدون تردد «إنه جمهورية الفشل».

نستخلص مما سبق، من ناحية، أن حصر أزمات لبنان في نظامه الطائفي، الذي هو في الواقع أرقى نظامِ مشاركةٍ للدول غيرِ المتجانسة، هو اعتداءٌ سافر على المنطق وعلى الفكر الموضوعي. ومن ناحية ثانية، إن لبنان، بفضل ميثاقه الوطني الثابت ودينامكيةِ صيغةِ الحكم فيه المتمظهرةِ في الطائفية البناءة، إنما هو البلد المدني والديمقراطي الوحيد في جامعة الدول العربية. جميعنا يعرف حقَّ المعرفة أن لا دينا رسميا للدولة في لبنان. فالدولة اللبنانية تحترم جميعَ الأديان وتعترفُ رسميا بعدد منها، من دون أن تلتزم بواحد منها. بينما نرى، في المقابل، أن جميع الدول العربية الأخرى، إضافة إلى إسرائيل، تعلن الإسلام (أو اليهودية في حالة إسرائيل) دينَها (أو دينَ رئيسها) رسميا وبالتالي مصدرَ التشريع فيها. وهكذا، يبقى لبنانُ في هذا الشرق الحالةَ الاستثنائية الوحيدة بين التيوقراطية الإسلامية والتيوقراطية اليهودية.

خُلاصةُ الكلام، يمكننا التأكيدُ أنَّ لبنانَ الكبير قد نجح ـ وبنسبٍ عالية، كلما كان في «حياد نشط» كما حدده غبطة البطريرك بشارة الراعي ـ في إرساء أكبر ديموقراطيّة توافقيّة منتجة ومزدهرة، في أصغر مساحةٍ حرّة لبشريّةٍ تسعى على الدوام إلى المصالحة مع ذاتها في الاختلاف والغيريّة والتعدّدية. وهذه هي فلسفة الكيان اللبناني القائمةُ أبدا على توالف الأضداد. ولشدّة شوقنا إلى رؤية الإنسان المشرقي يعيش بسلام العاقلين في أكثر الحواضرِ أنسنةً وتنوعا خلاقا وأكملِها محبةً وعدالةً ومساواة، نرانا مندفعين تلقائيا إلى إطلاقِ هذه الصرخة: الويلُ الويلُ لهذا الشرق إن تحوَّلت ثوابتُ لبنان إلى هواجس، وهواجسُ لبنان إلى ثوابت!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل