الزمن الرديء

 


صدق صاحب القول، صاحب الغبطة والنيافة، بديع زمانه، الماثل بين العظماء في أحضان ربه، مار نصرالله بطرس صفير، حين وصف هذا الزمن بأنه الزمن الرديء. فأية ظاهرة، فيه، يمكن أن يقال عنها إنها ظاهرة صحية، وأية فرصة فائدية يتوفر لها عامل النجاح، ولا يعمل على إجهاضها، وأية صفقة مشبوهة لا يسكت عنها، عمداً، أو اضطراراً، أو مراعاةً، وأية نية للمساءلة لا تخنق في رحم البال الذي لاحت أمامه؟

تتوالى، عندنا، فصول المعارك التي تنتهي، دوماً، بخسارة مدوية للوطن، في جمهورية مريضة، تخضع للمحرمات التي باتت تخرج للعلن، أكثر فأكثر، من دون أن يرف لمرتكبيها الوقاحين جفن حياء، وهم يدوسون على أنقاض بلد ابتلاه الزمان بهم، واضطر أهله على الاصطبار، نتيجةً لوفر، عندهم، في الإباء. وآخر مواسم المهازل، الذي أرسل سراياه القاتلة في مفاصل الناس، كوميديا الحكومة، تكليفاً، وإجهاضاً، وهي المكونة من مشاهد الانحراف الوطني، والهذيان السلطوي، واستسلام هيبة الدولة لهيبة مغتصبيها.

لقد اعتبر معلمو الشرك، في السلطة، أن الشعب، وهو، أساساً، صدى الله في الأوطان، مصاب بالموميائية، ومشلول محنط، ومجبر على استراتيجيا الصمت، حتى لا يكاشف ويجاهر، ومفطور على التصفيق الببغائي الذي لا يوقظ، فيه، ما غفا من التسامي والأنفة. والمسؤولون “العصاميون” عصابة عسيرة الهضم، أطاحت بقواعد الأخلاق الوطنية، هذه التي أصبحت بحاجة الى التنقية، وهم يتناطحون، في العلن، أمام ” الزقيفة ” المستغبين، وما إن تسدل الستارة عن ضروب خداعهم، حتى يسرعوا الى تقاسم الغلة، بهزء، وواحدهم يسأل الآخر: أرأيت كيف يجنّز الشعب نفسه، ويواري كرامته في الثرى؟

السلطة، في أيامنا، خريجة معهد الزغل والغرائز، وأركانها، في غالبيتهم العظمى، كسبوا الرهان على غباء الناس، فأطلوا، من باب الخطاب التحريضي المذهبي، الذي شكل رافعةً أمنت لهم، انسياقاً شعبوياً لاواعياً، في مجموعات لم يدب فيها مرض الارتياب بنزوات الرؤوس والنفوس، ولم تذهل أمام الموبقات التي يرزأ بها الوطن، من بلايا الوصولية، والطمع، والنهب، والكيدية، والتعنت الأرعن.

زمن حبابي الكراسي لا يشبه النعيم، أبداً، وكأن الفضائل لم تنبت في لحم هؤلاء، وعصبهم. وعلى هذا، لا يمكن استبعاد مبادرات إحلال السلام، بين ما يسمى المسننات في مجتمعنا السياسي، لأن المشترك بينها، يبقى، دائماً، في تقاسم المنافع. فهل يفهم رفع السقف، تارةً، ثم خفضه، بشكل مفاجئ، إلا من هذا الباب؟ وهل يعني صمت وتيرة الاتهامات المتقابلة، غير القبول بالتسويات المشبوهة؟

بلدنا هو سوق تجار، الغلبة فيه للأفجر. فليس من معنًى، إذاً، للتنافس، والمفاضلة، كما في المجتمعات الراقية. رحم الله زمن الأوائل، الكاشفين عن علو محلهم في كيمياء الأخلاق السياسية والوطنية، لما كان التنافس السياسي حدوده الرقي، والقيم. أينه من الذين يتبارون، اليوم، على من ينجح أكثر من سواه، في الهبوط دون مستوى ركاب الفساد، واحترافية الوقاحة في النهب، والدسائس، والقهقهة فوق حطام الوطن. وإذا سمعت المتسلطين والمتزعمين في مقطوعاتهم التراجيدية/ الكوميدية المقولبة ضجيجاً، لا يسعك سوى أن تقول: إن الوقاحة مرت من هنا.

شعب فقد القيمون عليه ورقة التين، لن نستكثر عليه، إذا سكت، عمد التين، وحبل الموت. فمتى يتكون، عندنا، شعب شمشوني القالب، يهدم السوق على من فيه، ليطلع، من الرماد، من يهتف: لا ردك الله أيتها السلطة التي حولت حياتنا زمناً رديئاً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل