عن جدّ… خجلتونا

 

الجار قبل الدار، وإذا جارك بخير إنت بخير، وجارك القريب ولا خيّك البعيد… كلها أمثال تتحدث عن أهمية أن تسكن بالقرب من جار يكون بمثابة الأخ لك.
لكن الوضع في لبناننا مختلف تماماً. فجارك الذي يسكن جنبك في نفس الوطن والمدينة والحي وربما في نفس المبنى، غالباً ما يتحين الفرص للانقضاض عليك وفي رأسه دائماً السيطرة على كل شيء.

لن أعود للوراء الى ما قبل الحرب وخلالها وكيف اصطفت فئات من اللبنانيين مع الغرباء ضد جيرانها وإخوانها، بل سأتطرق الى فترة ما بعد انتهاء الحرب في أواخر تسعينات القرن الماضي، الحرب التي انتهت عسكرياً، لكنها استمرت بأشكال كثيرة ودنيئة.

المشكلة أن الجميع يتكلم بالأخوة والعيش المشترك والشراكة والوطنية، وهم أبعد ما يكون عن كل هذا.

مع انتهاء الحرب وسيطرة السوريين على كامل البلاد والعباد، وضع المحتل نُصب عينيه إنهاء الوجود المسيحي في لبنان، وهو ما فعله منذ بداية الحرب عندما دخل أولاً تحت لواء الصاعقة ومن ثم بغطاء قوات الردع العربية، فعمد الى ارتكاب المجازر وتدمير وتهجير القرى المسيحية في أغلب المناطق التي كان يُسيطر عليها، وقصف الأخرى التي كانت عصية عليه.

الغريب أن قسماً كبيراً من اللبنانيين وجد في المحتل، تارة الفلسطيني وطوراً السوري، الأداة التي ستساعده على التخلص من الآخرين والسيطرة على لبنان وجعله الوطن الذي يراه مناسباً له ولأمته.

بعد انتهاء الحرب، حصلت انتخابات نيابية سنة 1992 بمشاركة 13% فقط من الناخبين بمقاطعة مسيحية شبه شاملة، ولم ينبث أحد ببنت شفا من الغيارى على العيش المشترك والشراكة الوطنية، فسيطروا مع المحتل على المجلس النيابي وكل الدولة اللبنانية.

سأكتفي بهذا المثال على الرغم من أن ما حصل بعده من تقويض الوجود المسيحي من خلال حل أكبر حزب عندهم وملاحقة كل الأحرار والسيطرة التامة على الإعلام والتفرد بكل مناصب الدولة، كان أسوأ بكثير من تلك الانتخابات.

كانوا في كل مرة يخرج صوت مسيحي من البطريرك أو المطارنة أو أحد الشخصيات، يبدأ فوراً التهويل بإلغاء الطائفية السياسية، وغالباً ما تأتي تلك الأصوات من المفترض أنه الشريك والجار والأخ في الوطن.

اليوم وفي عز أكبر أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية ووجودية يمر بها لبنان واللبنانيون، تخرج علينا أيضاً وأيضاً نفس الجهات لتدعو الى الدولة المدنية وانتخابات خارج القيد الطائفي بلبنان دائرة واحدة.

لا أعرف لماذا أحياناً أشعر بالخجل منكم أيها الكريمي الأخلاق. 30 سنة تنادون بإلغاء الطائفية وبلبنان دائرة واحدة، ولا تزالون، ولا من مجيب ولا من أمل بتحقيق أحلامكم الإلغائية التي لا تركب أصلاً على قوس قزح.

يريدون دولة مدنية في ظل أحزابهم الدينية لا بل المذهبية، أحزاب عسكرية تتباهى بسلاحها الآتي من الدولة المذهبية التي يأتمرون بأوامرها وينفذوها بحذافيرها.

يريدون انتخابات على أساس لبنان دائرة واحدة، في ظلّ سيطرتهم التامة على الدولة وعلى مناطق نفوذهم بالسلاح والقوة، بحيث يمكنهم التلاعب بنتائج الانتخابات كما حصل أخيراً، وليس فقط في مناطقهم، وإنما في كل لبنان.

شكراً لكم على محبتكم وغيرتكم تجاه شركائكم في الوطن، شكراً على الجميل الذي حفظتموه عندما أبى بطريرك الموارنة إلا أن يضمكم الى لبنان الكبير كي لا تكونوا وقوداً للصراعات الإقليمية ويحصل لكم ما حصل للمجموعات الدينية في سوريا وغيرها، ومع ذلك، أصريتم على أن تكونوا وقوداً للدول المحيطة والأبعد.

لكن نعدكم، أنه عندما تتغير الموازين والمواقع، لن نتعامل معكم إلا كما تعامل أبينا البطريرك ليحافظ عليكم، وحتماً ليس بالعمالة والتحالف مع كل أعدائكم… ضدكم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل