قبل الانهيار الكبير

 

في رواية “الجحيم” للروائي الأميركي دان براون (Dan Brown) صاحب رواية شيفرة دا فينشي The Da Vinci Code التي نشرت عام 2003، وتم تصويرها كفيلم سينمائي من بطولة توم هانكس، يصارع “روبرت لانغدون”، بروفيسور علم الرموز في جامعة هارفرد، الهارب من المستشفى في أزقّة فلورنسا برفقة صديقته “سيينا بروكس”، خصمًا رهيبًا بينما يتشبث بلغز يأخذه إلى عالم الفنون الكلاسيكية والممرات السرية والعلوم المستقبلية، عندها يكتشف نموذجًا علمياً جديداً ومخيفاً من شأنه أن يُستخدم إما لتحسين نوعية الحياة على الأرض أو تدميرها. فيحاول اكتشاف الأجوبة ومعرفة مَن هو الجدير بثقته… قبل الانهيار الكبير.

هكذا نحن في لبنان. هربنا من المستشفى الدّولي ونهيم في الإقفار مع صديقتنا فرنسا، محاولين فكّ الطلاسم الأميركيّة؛ بينما الأنموذج الوحيد الذي يسمح بتحسين حياتنا يكمن اليوم بحكومة اختصاصيين تقنيين ومستقلّين لحلّ المعضلة الاقتصاديّة قبل الانهيار الكبير؛ على أنّ اللغز الأكبر يبقى في اكتشاف من هو الأجدر، وليس الجدير فحسب، لأنّ واقع الحال الذي نحن منه وفيه يتطلّب ذلك، من دون أيّ كيديّات سياسيّة أو حسابات شخصيّة.

من هذا المنطلق يبقى الموقف المبدئي اليوم في التعاطي السياسي البراغماتي لا الانتقائي النّفعي والمصلحي وفق الأهواء الشخصيّة. ولا يحاولنّ أحد استغلال هذه الطريقة الواقعيّة في السياسة لدقّ إسفين بين شارعين لبنانيين كيانيّين، أعني بهما القوّاتي والمستقبَلي. فما اصطلح عليه سياديًّا غير قابل للمساومة. وموقف القوّات مع المستقبل هو موقف سيادي غير قابل للمساومة. أمّا موضوع تسمية أو عدم تسمية رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في الاستشارات النيابيّة فيبقى خاضعًا للحسابات الوطنيّة البراغماتية الوجوديّة حصرًا.

من هذا المنطلق، سنشهد الخميس المقبل تكليفًا للرئيس الحريري قد لا يرقى إلى حدّ التأليف حفاظًا على مكتسبات المحور الايراني بقيادة حزب الله وحليفه وفريق العهد. إلا إذا قدّم الحريري مزيدًا من التنازلات لصالح الثلاثي الحاكم. وما يجب التوقّف عنده التزام الشارعين: المستقبَلي والقواتي بأدبيات الخلاف السياسي. فهذان الشارعان يحافظان بالحدّ الأدنى على انتمائهما الكياني الوطني اللبناني الصرف، ولن يستطيع أحد غرس الاسفين بين الشارعين على خلفيّة موقف سياسي محقّ.

أمّا بالنسبة إلى عمليّة التأليف، فهي الوحيدة المرتبطة بشكل مباشر بالتكليف. وستخضع، إن نجح الحريري بانتزاع التكليف من حضن فريق العهد، لبازارات التجاذبات الاقليميّة بين المحورين الرئيسين المتحكّمين بسياسة الشرق الأوسط ومنها سياسة لبنان. يبقى أنّ ذلك كلّه محكوم بعمليّة تسابق بين انهيارين يحكمان لبنان اليوم: الانهيار الاقتصادي ـ النقدي والانهيار الصحيّ على خلفيّة تفشي وباء كورونا بشكل مخيف.

من هنا، على الثورويّين الأحرار والشرفاء الضغط بكلّ ما يملكون من قوى في الشارع إلى تقصير ولاية هذا المجلس لإجراء انتخابات نيابيّة مبكرة، وإن نجح الحريري بانتزاع التأليف كما التكليف فلتكن مهمّة حكومته الوحيدة هي إعادة إنتاج السلطة السياسيّة بوساطة عمليّة انتخابات نيابيّة مبكرة، إضافة إلى العمل على انتزاع الثقة الدّوليّة لتحرير المساعدات المرتقبة قبل الانهيار الكبير.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل