















.jpg)
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1710
دولة الرؤساء ورؤساء الدولة
من رياض الصلح إلى مصطفى أديب (2)
ليست الحكومات في لبنان مجرد عمل دستوري روتيني، بل لطالما كانت عند تشكيلها أو عند سقوطها مؤشرًا على الحالة السياسية التي تشهدها البلاد. وغالبًا ما كان تغيير الحكومات وتشكيلها مؤشرًا على أزمة سياسية داخلية وأحيانا خارجية لها وقعها على الداخل. وقد عرف لبنان منذ الإستقلال حتى اليوم، 25 رئيس حكومة. منهم من مرّت أسماؤهم على لائحة الرؤساء عرضًا، ومنهم من تركوا بصماتهم في الوطن والتاريخ وكانوا شهودًا على نجاحه وصاروا شهداء في سبيله. لم يكن رياض الصلح رئيسًا عاديًا بين الرؤساء، هو الذي سار عكس التيار الوحدوي العروبي يومها وسعى مع شريكه الشيخ بشارة إلى لبنان مستقل قائم بكيانه غير ملحق بأحد. ولم يكن رفيق الحريري رئيسًا تقليديًا يستجدي التكليف بل يُستجدَى له لما تمتع به من علاقات وقدرات بحجم وطن. لبنان الأمس كما لبنان اليوم هو في حاجة ماسة دائمة إلى رجالات إنقاذ لأنه دائمًا في الدوامة. وما بين حكومتي الصلح والحريري، قامت حكومات ناجحة ورؤساء بارزون أمثال سامي الصلح وعبدالله اليافي ورشيد كرامي وصائب سلام وآخرين، كما قامت حكومات مسيّرة منتزعة السيادة مسلوبة الكرامة، فذهبت بلبنان إلى الخراب. وفي عرض لمسار الحكومات منذ الإستقلال يتبيّن أنها توزعت على مراحل ثلاث: حكومات العهد الإستقلالي، وحكومات فترة الحرب، وحكومات ما بعد الطائف، التي انقسمت بدورها بين ما قبل العام 2005 وما بعده.
حكومات وحرب وانقسامات
خلال الحرب اللبنانية اتخذت الحكومات دورًا آخر فباتت بشقها المسلم جبهة بمواجهة الرئيس المسيحي الذي كان يستند إلى الوزراء المسيحيين في انقسام يعكس ما كانت عليه البلاد والدولة والمؤسسات من تشرذم. فبعد الرئيس فرنجية حلّ الرئيس الياس سركيس. وحلّ معه في حكومته الأولى صديقه القديم سليم الحص. واللافت في حكومة الحص أنها استطاعت أن تصمد ثلاث سنوات و224 يومًا على الرغم من الأزمات المتداخلة والحرب الداخلية والتدخل الخارجي عبر القوات السورية، التي كانت أحكمت سيطرتها على لبنان وعلى قراره السياسي ووضعه الأمني. لكن وطأة الأزمة بدت واضحة عند تكليف الرئيس تقي الدين الصلح تشكيل الحكومة بعد الرئيس الحص، إذ استمرت محاولته 97 يومًا من دون أن ينجح في التشكيل فاستقال، ليكون بذلك أول رئيس مكلف منذ الإستقلال يفشل في تشكيل الحكومة ويستقيل. عندها ذهب الرئيس سركيس إلى شخصية تدخل نادي رؤساء الحكومات للمرة الأولى أيضًا هو الرئيس شفيق الوزان. ومع أنه من خارج العائلات السنيّة المعروفة بتاريخها الحكومي أثبت نجاحه في تلك الظروف واستمرت حكومته حتى آخر عهد سركيس أي حوالى السنتين.
عهد الجميل
وفي بداية عهده أعاد الرئيس أمين الجميل تكليف شفيق الوزان تشكيل الحكومة قبل أن تضغط السلطات السورية لإبعاده والإتيان بشخص توافق عليه. فعاد الرئيس كرامي لترؤس حكومة الجميل الثانية التي استمرت 3 سنوات و32 يومًا، من 30 نيسان 1984 حتى اغتياله في الأول من حزيران 1987. وقد عَرِفت هذه الحكومة فترات مقاطعة واعتكاف طويلة وتجاذبًا مع الرئيس وانقساما أدخلها طرفًا في انقسامات الشارع.
بعد اغتيال كرامي عاد الرئيس الحص إلى رئاسة الحكومة ولكن بغير الثوب الذي عُرف به في حكومته الأولى زمن الرئيس سركيس. كان خبيرًا ماليًا ونظيفاً معتدلاً، فبات منخرطاً في المحاور وقائدًا لجبهة أكثر منه رئيسا لحكومة. وبعد نهاية عهد الرئيس الجميل في العام 1988 وتعيينه العماد ميشال عون رئيسًا لحكومة إنتقالية، إستمر الرئيس الحص في مهامه الحكومية ليسجَّل للمرة الأولى في لبنان وجود حكومتين في وقت واحد، في دلالة على عمق الأزمة من جهة والتدخلات السورية وتفكك المؤسسات وتشلّع الدستور، من جهة ثانية. وفيما أدارت حكومة الحص البلاد من المنطقة الغربية كأنها حكومة تصريف أعمال، أدار العماد عون حكومته العسكرية كأنها حكومة كاملة الصلاحيات وكأن مهمتها لا تقتصر على التحضير لانتخاب رئيس فقط. وفي التمادي بممارسة هذه السلطة خاضت حكومة عون حربين مدمرتين قضتا على ما تبقى من أساسات الدولة ومقومات صمود المجتمع.
عهد الهراوي
أرسى إتفاق الطائف الذي تحوّل دستورًا، قواعد جديدة للعمل الحكومي. فلم تعد بيد الرئيس سلطة اختيار رئيس الحكومة، بل بات الأمر يخضع لاستشارات نيابية ملزمة. كما أن الحكومة لم تعد فريق عمل الرئيس بل تشاركه السلطة والصلاحيات، وتحل مجتمعة مكانه في حال غيابه. وفي التطبيق على أرض الواقع إنقسمت هذه الحكومات إلى فئتين: ما قبل العام 2005 وخروج جيش النظام السوري من لبنان، وما بعد هذا التاريخ حتى اليوم.
حكومات الفئة الأولى افتُتِحت بتسمية عمر كرامي لتشكيل الحكومة الأولى في عهد الرئيس الهراوي. إمتدت الحكومة لسنتين لتسقط في الشارع في انتفاضة شعبية عُرِفت بـ»انتفاضة الدواليب»، فاضطر الرئيس كرامي إلى تقديم إستقالته. وكان الرئيس رفيق الحريري بدأ مشروعه لدخول السلطة وإطلاق ورشة إعادة الإعمار. بعد الرئيس كرامي تمت تسمية الرئيس رشيد الصلح الذي ترأس حكومة حضّرت للإنتخابات ولم تستمر أكثر من خمسة أشهر، ليدخل بعدها الرئيس رفيق الحريري إلى الحكم بأسلوب ومفهوم جديدين.
فور تسلّم الحريري زمام السلطة أطلق ورشة إعادة الإعمار، بالتوازي مع ورشة حكومية نيابية لاستصدار ما تتطلبه المرحلة من قوانين. حفلت حكومة الحريري بمحطات عديدة لافتة ميّزتها عن كل ما عرف لبنان من حكومات، بينها إستمراره رئيسًا للحكومة لأكثر من مرة على مدى ست سنوات و310 أيام. وهي أطول فترة في تاريخ الحكومات اللبنانية، بل أطول بأكثر من الضعف عن أية فترة واحدة لرئيس حكومة سابق أو لاحق. ولأنه كان يعارض وصول الرئيس إميل لحود إلى سدة الرئاسة، ولإن نظام دمشق أصر على وصوله، وقع الخلاف بين الطرفين وفضل الحريري الإبتعاد عن المشهد، فخلفه الرئيس الحص لفترة تقارب السنتين، عاد بعدها الحريري على صهوة الإنتخابات النيابية التي محضته ثقة شعبية كبيرة وتسمية نيابية له، فتم تكليفه من جديد لترؤس الحكومة. وتحت الضغط السوري اضطرت حكومة الحريري الأولى الى إتخاذ قرارات صعبة أبرزها إعتقال الدكتور سمير جعجع وحل حزب القوات اللبنانية بعد التفجير المشبوه لسيدة النجاة في العام 1994. كذلك وقف الأخبار والبرامج السياسية في محطات التلفزة اللبنانية. كما شهدت تحولاً كبيرًا في الحياة السياسية اللبنانية بحيث باتت القوات السورية ومخابراتها تُمسِك بكل مفاصل الدولة وتحولها إلى دولة بوليسية قمعية، وقضاء مسيّس وجائر، وقوى تأتمر بكاملها بأوامر دمشق. لكن في المقابل شهد لبنان نهضة عمرانية بحيث أعيد بناء مدينة كميل شمعون الرياضية ومطار بيروت الدولي على أسس حديثة وقدرة استيعاب أكبر، كما أعيد النبض إلى وسط العاصمة.
عهد لحود
في حكومته الثانية التي امتدت من العام 2000 حتى العام 2004 بدّل الحريري في أولوياته من الإعمار الذي استمر قائمًا في بيروت، إلى استخدام علاقاته الدولية الواسعة لتحرير لبنان من الإحتلال السوري. وقد ترافق ذلك مع مجموعة معطيات بينها الإنسحاب الإسرائيلي في العام 2000 وإطلاق البطريرك صفير نداء المطارنة الموارنة الشهير، وإعادة انتخاب الرئيس جاك شيراك لولاية ثانية في فرنسا في العام 2002. إستخدم الحريري كل ذلك لسحب لبنان من القبضة السورية، ما وضعه بمواجهة أكثر علنية وأعلى حدّة مع النظام السوري. في هذه الفترة عمل على تشكيل قوة ضغط لتحقيق هذا الهدف، فتواصل مع البطريرك صفير شخصيًا ومع أقطاب تجمّع قرنة شهوان، وكذلك مع رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط وكل من يساعد على تحقيق ذلك. وتم تأسيس لقاء البريستول المعارض الذي رافق السعي الدولي في اتجاه إصدار القرار الأممي 1559 الداعي إلى خروج القوات السورية من لبنان ونزع سلاح «حزب الله» وانتخاب رئيس جديد للجمهورية وعدم التجديد للرئيس إميل لحود. تنبّه السوريون لهذا المسار وأدركوا مخاطره على مشروعهم فهددوا الحريري وواجهوه وصولاً إلى إجباره على ترك الحكم وقد ختم هذه المرحلة ببيانه الشهير المذيل بعبارة «أستودع الله هذا الوطن الحبيب لبنان».
بعد الحريري جيء بعمر كرامي ليترأس حكومة تشرف على انتخابات العام 2005 التي كان يخشى السوريون أن ينال فيها الحريري والقوى المعارضة أكثرية ساحقة. لكن عدم نجاحهم في وقف تمدد الحريري، دفعهم إلى إتخاذ القرار بإزاحته نهائيًا من المشهد فكان الإغتيال. هذا الزلزال الكبير أدى إلى تحرك دولي مترافق مع تظاهرات مليونية عُرفت في ما بعد بحركة 14 آذار أخرج السوريين من لبنان. ووضع حكومة عمر كرامي للمرة الثانية أمام حتمية الإستقالة تحت ضغط الشارع. فغادر القصر الحكومي في 19 نيسان 2005.
هذه التطورات غيّرت مجرى الأحداث وتشكيل الحكومات. ففيما كانت التشكيلة الحكومية تأتي معلّبة ويوقّع عليها وتعلن في بعبدا خلال ساعات أو أيام، تميّزت حكومات ما بعد الـ2005 بطول فترة التأليف، وباستخدام القوى السياسية في فريق الثامن من آذار سلاح التعطيل حتى تحقيق شروطه والحصول على الحصص أو الحقائب المستهدفة. فبعد ذاك التاريخ المفصلي في الحياة السياسية اللبنانية، تم تكليف الرئيس نجيب ميقاتي لترؤس حكومة لفترة قصيرة بمهمة محددة هي الإشراف على الإنتخابات النيابية. إستمرت حكومة ميقاتي 91 يومًا وأنجزت المهمة لتأتي بعدها حكومة مدعومة بأكثرية نيابية نتجت عن الإنتخابات، أوصلت الرئيس السنيورة إلى السراي. وهذه الحكومة يمكن وصفها بأنها الوحيدة بعد الـ2005 التي اتخذت قرارات سيادية، متعلقة بإنشاء لجنة التحقيق الدولية في قضية إغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم المحكمة الدولية الخاصة بهذه القضية بعد توالي عمليات إغتيال قادة 14 آذار. هذه الأمور أدت إلى تفجيرها من الداخل وخروج الوزراء الشيعة منها لإفقادها الميثاقية، غير أنها استمرت بقوة الدستور والأمر الواقع والدعم الشعبي. ولكن من دون أن تتمكن من تحقيق الكثير نظرًا للضغط الكبير الذي واجهها حيث تمت محاصرة السراي من قوى 8 آذار ومحاولة الدخول إليها لإسقاط الحكومة بالقوة. وما لم يتحقق بهذا الحصار تحقق بعد اجتياح بيروت من قبل «حزب الله» في أيار العام 2008 ثم مؤتمر الدوحة وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية. لكن أعيد تكليف السنيورة الذي استمرت حكومته الثانية حتى 9 تشرين الثاني من العام 2009.
عهد سليمان
إزاحة السنيورة أوصلت نجل الحريري سعد لترؤس حكومته الأولى خلفاً لوالده الشهيد، بعد إنتخابات 2009 النيابية. إستمرت هذه الحكومة من 9 تشرين الثاني 2009 إلى 12 كانون الثاني 2011، حيث أسقطها تحالف «حزب الله وحركة «أمل» والتيار الوطني الحر باستقالة الثلث زائدًا واحدًا منها، وهي كانت المرة الأولى التي تسقط فيها حكومة بعد الطائف باستخدام الثلث المعطِّل. سقوط حكومة الحريري أعاد ميقاتي إلى السراي، فاستمرت حكومته أقل بقليل من ثلاث سنوات لتسلِّم الأمانة إلى الرئيس تمام سلام الذي كان يُفترض أن يبقى لفترة قصيرة محددة بانتخاب رئيس للجمهورية خلفاً للرئيس ميشال سليمان. غير أن طول فترة الفراغ الرئاسي جعلها تستمر لفترة سنتين و307 أيام إنتهت بالتوافق على انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية، ضمن صفقة أعادت الحريري الإبن إلى السراي لولايتين فصلت بينهما الإنتخابات النيابية، ليضطر إلى تقديم إستقالته بعد انطلاق ثورة 17 تشرين وتردي الأوضاع المعيشية والنقدية.
بعد هذه الحكومة كانت مطالبة حثيثة خصوصًا من حزب القوات اللبنانية بأن تأتي حكومة مستقلة حيادية بكل عناصرها لتتمكن من العمل وإنقاذ الوضع الإقتصادي. وبما أن هكذا حكومة لا تناسب «حزب الله» والمتحالفين معه، فقد تم الإلتفاف على المطالب الشعبية وتشكيل حكومة برئاسة الدكتور حسان دياب الأكاديمي الآتي من خارج نادي الحكومات والذي كأنه جاء يكرر تجربة الرئيس أمين الحافظ في عهد الرئيس فرنجية عندما قاطعته طائفته فأخرجته من الحكم. قَبِل حسان دياب لعب هذا الدور على الرغم من علمه ببواطن الأمور، مراهنًا على التراخي الدولي وفشل الثورة. لكن فشل إدارة البلاد كان أكبر فجاء الإنفجار – الكارثة في مرفأ بيروت وما رافقه وتلاه من ضحايا وخسائر وفضائح، ليطيح حكومة دياب فتقدّمَ باستقالته على إثر المبادرة الفرنسية التي أوصلت شخصية أخرى من خارج النادي أيضاً هي السفير مصطفى أديب لتشكيل حكومة إختصاصيين لإنقاذ الوضع. وقد أطلق عليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إسم «حكومة المهمة».
حكومات ومفارقات
الرئيس رياض الصلح هو أول رئيس حكومة يقضي إغتيالا في 16 تموز 1951.
الرئيس سامي الصلح هو أول رئيس وزراء في لبنان يقدم إستقالته في المجلس النيابي وليس في القصر الجمهوري في القنطاري، في 9 أيلول 1952.
الرئيس عبد الله اليافي هو رئيس الحكومة الوحيد الذي استقال لأسباب قومية حيث هدد مع والوزير صائب سلام وسواهما بالإستقالة، إذا لم يبادر رئيس الجمهورية كميل شمعون إلى قطع العلاقة مع بريطانيا وفرنسا بعد هجومهما العسكري على مصر، ولما رفض الرئيس شمعون، بادر الرئيس اليافي إلى الإستقالة في 18 تشرين الثاني 1956.
الرئيس أمين الحافظ هو أول رئيس حكومة ترفضه طائفته فيضطر إلى ترك الحكم في 21 حزيران 1973.
الرئيس تقي الدين الصلح هو الرئيس الوحيد الذي لم يتمكن من تشكيل حكومة فاعتذر في بعد 97 يوما على التكليف في 25 تشرين الأول العام 1980.
الرئيس رشيد كرامي هو أكثر رئيس حكومة تكرر تكليفه حيث ترأس ثماني حكومات.
الرئيس رفيق الحريري سجل أطول فترة لتولي الحكومة لوقت غير منقطع بلغ ست سنوات و310 أيام.
الرئيس عمر كرامي هو الرئيس الوحيد الذي تولى حكومتين سقطتا في الشارع.
الرئيس سعد الحريري هو أول رئيس تسقط حكومته باستقالة الثلث زائدًا واحدًا بحسب ما نص إتفاق الطائف.
رئيس لم يكلّف وحكومة لم تشكّل
النائب سليمان العلي كان سيكلفه الرئيس بشير الجميل تشكيل حكومة العهد الأولى لو لم تحصل تلك الكارثة في ذاك الرابع عشر من أيلول. ويعتبر المتابعون أن قرار الشيخ بشير تكليف النائب الشمالي برئاسة الحكومة، كان محاولة لنقل الثقل السنّي من المدن إلى الأرياف ممثلاً بملاّك زراعيّ، لا برجل أعمال أو بإبن عائلة بيروتية.
وتلفت زينة العلي إلى أن اختيار الشيخ بشير لوالدها النائب سليمان العلي إستند إلى عدة أسباب منها، وثوقه غير المشوب بأي شك بإخلاص العلي ووطنيته وصلابته. وهي صفات لم يكن ممكناً للرئيس بشير الجميل أن يعمل مع شخص لا يتمتع بها. كذلك عمل سليمان العلي على إقناع عدد من النواب لانتخاب الشيخ بشير لا لغاية إلا لأنه اقتنع بمشروعه وبضرورة تطبيقه وبقدرة بشير على التطبيق.
هذه القناعة جعلت العلي الشخص الأنسب لتولي رئاسة الحكومة. في المقابل كان الزعماء السنة ورؤساء الحكومة التقليديون إما غير مؤيدين لبشير أو غير قادرين على السير معه. فيما كان العلي متفلتاً من هذه الإعتبارات، وقادرا على قيادة حكومة إستثنائية تحمل مشروع تغيير إستثنائي. فالرئيس الجميل كان يحمل مشروعًا متكاملاً لتغيير شامل وعلى مختلف المستويات، واختار فريق العمل الحكومي النظيف والكفوء.
ومع أن الـ”لو” لا مكان لها في السياسة، إلا أنه بحسب مقربين من العلي لو قدّر لهذا الثنائي أن يصل إلى الحكم لكان حقق فعلا إنجازات تفوق ما يطالب به الناس. ففريق العمل الذي كان يجري العمل عليه يتشكل من إختصاصيين أنقياء أكفياء ملتزمين ووطنيين. وهذا ما نصبو إليه اليوم. غير أن القدر الغادر ضرب ضربته، وبقي العلي رئيسًا لم يكلف وحكومة عهد بشير الأولى حكومة لم تشكل وبناء الدولة الحديث حلمًا لم يتحقق.
إقرأ أيضاً: من رياض الصلح إلى مصطفى أديب – 1
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]