
في مثل هذا اليوم، وقبل 14 عاماً، رَحَلَ الرجلُ النبيلُ، زاهي بستاني. لماذا تَليقُ بزاهي صفةُ النُبل؟ لأنه، عندما تُسْتَذْكَرُ ذِكراهُ العَطِرة، تُسْتَذكَرُ بين الصديق والصديق، وبين الضمير والوجدان. زاهي، ذكرى نظيفة، شبهُ سرية، حميمة، لا تَشوبُها بهرجة! خلف الأضواء، ومن دون ضوضاء، خدم زاهي القضية.
حين فاوَضَ، وحيث توسَّطَ، وأينما انغمَسَ، استمرَّ زاهي مُمسِكاً بناصية المبادئ. انخرط في السياسة، وجَعلَ الأحداث تدورُ حوله، لا أن تدورَ به الأحداث. قضيتنا، قضية نبيلة، لأنها اجتذبت أسماء من قماشة زاهي. جميلة “قواتنا اللبنانية”، لأن زاهي أسهم في زَهوِها، وفي مسيرتها. زاهي علَّمني، أصعب الدروس، في ظروف صعبة.
علَّمني “رجل المعلومات”، أن ليس كل ما يُعلم، يُقال. أما أصعب درسٍ كان، ترويضي على مبدأ “الحذر والحذر والحذر، حتى في مَنامك”. كان زاهي مُتمكِّناً من اللُّعبة في بَلَدٍ ومَشْرِقٍ مَطبوعَين على العُنفِ والمؤامرات. وعمل دائماً على منع العنف، وعلى وَصْلِ ما يَنْقَطِع، من دون أي مساومة على المبادئ. نُسِبَتْ إليه أفعالٌ لم يفعلْها. ويده البيضاء بقيت مجهولة في استحقاقات سياسية كثيرة.
وما أغدقه من خير وإحسان، لم تعرف يُسراه ما فعلتْ يُمناه. مهمات كثيرة، كانت تنتظره، ولكن غدر المرض العُضال، رسم طريقاً آخر. الرحيل المأسوي للعزيزة زينة ابنته، واجهه هذا الرجل الطويل، ورفيقة العمر هيام، بحزن فيه من الرُقي، ما يجعله حزناً نبيلاً وعميقاً بلا نهاية. من معتقله أرسل “الحكيم” لزاهي وهيام، وقد طحنهما الحزن:
When Bad Things Happen to Good People.
مُترفعاً كان زاهي. ومن دون موعظة، علَّمني التَّرفُّع. يكفي أن أسمعَ ما قال، وأعرفَ ما فعل، حتى أُصحِّح رماياتي! هذا الرجل النبيل، لم يحقد على الأيام ولا على أحد، رغم أنه لم يحصد من السياسة إلا مرارتها. أيام الفرح كانت قليلة جداً. لم يُرِدْ منصباً، ولم يقبل مديحاً، وعلى الرغم من سيل التجني الذي لاحقه، كان يكتفي بالقهقهة، أو “بتفكيك” الدوافع المستورة. هذا المُحترَم. هذا المُبتسِم. البارع في التفاصيل، والخبايا، و”البوانتاج”، وتفسير مواد الدستور والقوانين. كان يُشعرني بأنني على قدم المساواة معه.
واتفقنا على نوع من المُقايضة. يفتح لي ملفات قديمة، ويُخبرني “ماضي الأيام الآتية”، على ما كتب أنسي الحاج، وأخبره تاريخ الانقسام بين علي ومعاوية! كان يُطالبني بالأحداث التاريخية التي تخرج عن الاعتقادات السائدة.
استوقفه أن قسطنطين الكبير، الذي أعلن المسيحية ديناً رسمياً للإمبراطورية البيزنطية، لم يصبح مسيحياً إلا على فراش الموت، ووصف الخلافات حول طبيعة المسيح في مجمع نيقية المسكوني بأنها “شيء تافه ولا يستحق مثل هذا النزاع الشرس”! وانه اقتبل سر العماد على يد أسقف آريوسي النزعة!
وصفن ملياً عندما ذكرتُ له أن طانيوس شاهين ويوسف بك كرم كانا على خصام شديد…الخ. بعدما حُلَّ حزب القوات اللبنانية، وذهب الدكتور جعجع الى المعتقل، كان زاهي ملجأَ المعنويات، لي ولكثرة. نصيحته كانت “دير بالك ع شغلك، وخليك ع تواصل مع ستريدا، وما تخلي بعض الشباب يشطحوا”! في زمن ما، شاءت الأقدار، أن احتل مكتب زاهي، الملاصق لـ “مكتب الحكيم”. كان زاهي كثير السفر والتنقل. “احتلال” مكتبه، كان على طريقة “ضروري وشرعي وموقت”.
وكيف لملتزم، ولكن بخلفية صحافية، أن يتأقلمَ بطقوس المَكتَبَين؟ وبين المَكتَبَين استقام وعيي السياسي، ولم تكن النتيجة مُرضية لي! “مكتب الحكيم”؟ وهل هو مكتب؟ قل هو غرفة عمليات للجراحة. المزاح؟ ليس هنا مكانه. “تركيب المقلة”؟ ليس هنا زمانه. في صغري كنت تلميذاً داخلياً في دير، وكم حاولتُ أن أتفلَّتَ من النظام “الديري” الجديد. كان رفاقي يأخذون عليَّ عقلانيتي الزائدة، فإذا بي في “مكتب الحكيم”، أكافح كي لا تتطاير شرارات المَشاعر، ولا أفقد حس الفطرة السياسية.
كنت أريد أن يكون قائد القوات اللبنانية، بطلاً هوليوودياً في فيلم كاوبوي، فإذا بي في حضرة “ماكينة عمل”. رجل على كتفيه 1400 سنة من الوجدان، وعليه أن يتقي 1400 سهم مسموم! سمير جعجع القيادة عنده، واجب وظيفي. كل اجتماع هو مصيري، يُشَرِّحُ فيه الاحتمالات والنتائج، بحماسة. رجل، منذ أن ترك كلية الطب يعيش في حالة “تدبير رقم 3″… بهدوء.
ورغم روح الدعابة عنده المدعومة برشقات متتابعة من التعليقات الطريفة والمضحكة، فجأة ينتهي وقت المزاح. كأن ريموت كونترول نَقَلَكَ من “كوسبي شو” الى “ناشيونال جيوغرافيك”. لا تتقبل، وأنت ابن الخامسة والعشرين، أن القضية ستكون “على المحك” إذا ذهبت الى سهرة. لا عمري، ولا مرتبتي كانا يتيحان لي، أن أتجاوز “هيبة القائد”، رغم أنه عاملني كأنه “أخي الكبير”.
وليست نزهة أن تكون الى جانب رجل كأنه “في جفن الردى وهو نائم”. أحياناً كنت أشعر بأن الطاولة والكراسي تتملكها عقدة الذنب، مخافة أن يعتقد “الحكيم” أنها لا تتفاعل، ولا تأخذ بالجدية اللازمة، ما يقول وما يفعل! في مكتب زاهي الملاصق، كان “الأخ الكبير الثاني”، يستنبش لواعج نفسي، وكانت تتلاطم الآراء والأفكار، والبوح، وكنت أُطلق العنان، للنكات المكبوتة، والتعليقات اللاذعة على ما حصل في “قاعة الامتحانات” الملاصقة.
وكانت ساعات طويلة مع زاهي. بين المكتبين تعلمت فضيلة الصمت! قَهَرَ الصمتُ ذلك الصحافي في داخلي. “الحكيم” أوجب صمتي، وزاهي زيّن لي منافعه، الى أن اكتشفت كم اختزنتُ من زاد الحياة السياسية، بين ذراعَي الظل والصمت. في كل حال، وأثناء مجريات تلك الأحوال، يا لها من خيبة لشاب وقع بين مَكتَبَين لشخصين لا يؤمنان “بالمجد الباطل” لبطل الكاوبوي!