
منذ عام تقريباً وقبله بسنوات طويلة، كان اللبنانيون ينفقون على أناقتهم أكثر من 15% من مدخولهم الشهري. غير أن الأوضاع المعيشية والاقتصادية التي عصفت بالبلاد قلبت الموازين رأساً على عقب، وبات التسوق على الرغم من منافعه النفسية، آخر ما يفكر به الناس. فالسوبر ماركت والدواء والبنزين والأموال المحجوزة في المصارف، شغلهم الشاغل، وقد تحولت طريقة عيشهم بين ليلة وضحاها من مجتمع مستهلك الى آخر يحاول ادخار بعض الدولارات للأيام الأكثر سواداً، وتأمين لقمة العيش على افضل تقدير.
على الرغم من كل هذا التحول والاقتصاد في المصروف، تبقى الثياب من المستلزمات الأساسية. لكن الصدمة الحقيقية تقع عند معرفة أسعار الصناعة المحلية التي تضاهي أو تتفوق على أسعار الماركات المستوردة، في أزمة اقتصادية هي الاسوأ في تاريخنا المعاصر.
جولة سريعة على محلات ألبسة الأطفال، بعضها صناعتها محلية وأخرى مستوردة، كانت كفيلة بإحداث الصدمة السلبية. فنلاحظ من أسعار ملبوسات موقّعة بختم الصناعة المحلية في أكثر من محل “لبناني”، أن T-shirt قطنية بـ225 الف ليرة، وكنزة بـ450 الف، وبنطالون بـ300 الف، وجاكيت بـ700 الف… هل يعقل، وعلى الرغم من جودة هذا الإنتاج، أن تكون أسعار الصناعة الوطنية موازية لأسعار المحلات المستوردة؟ أما آن الأوان لهذا الجشع أن ينتهي؟
صحيح ان 90% من المواد الأولية الصناعية مستوردة، لكن الصحيح أيضاً أن فوضى الاسواق وغياب الجهات الرقابية عن أداء مهامها، شوّها صورة هذا القطاع ووضعاه امام محك الثقة. وفي حين كان اللبنانيون يعولون على مصانعهم الداخلية كي يسدوا التهاب اسعار الماركات العالمية، فإذ بهم يحتاجون الى إطفائي جيوب يخمد لهيب اسعارهم “المحلية”.
يتأسف الصناعي سارو نرسيسيان، وهو شريك في أحد أكبر المصانع اللبنانية، لـ”اعتماد عدد كبير من تجار الألبسة أسعاراً مرتفعة الى هذا الحد”، مشيراً الى أن “هناك من يستغل الأزمة بعدما تبيّن ان الناس باتوا يلجؤون إلى الصناعة المحلية كبديل عن البضاعة المستوردة، فعمد بعض التجار الى تسعير الصناعة المحلية كأنها مستوردة، ظناً منهم أن المستهلك سيضطر الى شراء ما يحتاج اليه ويدفع ثمنه، حتى لو كان يعرف أن السعر غير مستحق لأن لا بدائل لديه اليوم”.
ويؤكد، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “المواد الاولية في الصناعة المحلية بأغلبيتها مستوردة”، مشدداً على “ضرورة أن تكون أسعارها أرخص مما هي عليه اليوم”. وإذ يلفت الى أن “تكاليف الصناعة باستثناء المواد الأولوية، لم ترتفع، إذ لا تزال الفواتير ذاتها واليد العاملة كذلك”، يشير في المقابل إلى أن “هذا الأمر لن يستمر طويلاً، لا سيما ان العمالة لم تعد ترضى بتسعيرة الـ1500 ليرة لبنانية للدولار وهي تطالب برفع الأجور”.
ويوضح، أنه قبل الأزمة كانت أسعار الصناعة المحلية قريبة جداً من اسعار الماركات المستوردة، وكان البلد يعيش فوضى التهريب من سوريا واجتياح البضائع الصينية والتركية المنافسة، لا سيما في الألبسة الجاهزة”، لافتاً الى أن “الأزمة شجعت كثيرين ممن كانوا ابتعدوا عن القطاع أو حددوا انتاجهم فيه، الى الدخول مجدداً بطريقة مختلفة في الصناعات المحلية”.
ويشدد نارسيسيان، على “ضرورة أن تكون هذه الفترة فرصة للصناعة اللبنانية لكي تحسن نفسها، فيزيد الطلب عليها، لأنه لا بديل عنها”. ويتابع، “إذا كانت الصناعة جيدة وسُعِّرت بطريقة منطقية، ستُسوَّق وتُباع، وعلى الرغم من أن لا قدرة شرائية للبناني، غير ان هناك طلباً على البضاعة المحلية وعلى كل ما هو بأسعار منطقية”.
ويوضح أنه “لا توجد قاعدة للتسعير في هذه الفترة، فهذا يسعِّر على 2000 ل.ل للدولار وذاك على 5000 ل.ل وآخر على سعر الصرف الفعلي”، مبدياً أسفه لأن “الفوضى تجتاح السوق، وسط تخبط وضياع من الطريقة التي تباع بها البضائع”.
ويضيف، “هناك من يستطيع ان يبيع بأسعار مقبولة أو متدنية، لكن المشكلة التي يواجهها تكمن في كيفية شراء المواد الأولية التي تتم عادة على سعر السوق السوداء، ويكون بذلك خسر ربحه ورأسماله”.
