من يتابع استطلاعات الرأي للسباق الرئاسي في الولايات المتحدة الأميركية يصبح على قناعة تامة باستحالة فوزالرئيس #ترامب بولاية جديدة، إذ لا يزال نائب الرئيس الأسبق جو #بايدن يتقدم عليه بنسبة 8.1%، حيث يتصدر بايدن السباق بنسبة تأييد 50.2% مقابل 42.7% لترامب حسب متوسط مجموع استطلاعات الرأي لموقع ريل كلير بوليتكس المتخصص بالاستطلاعات السياسية.
غير أن الرئيس غير العادي قد نجح في السابق بقلب جميع الموازين وذلك بالرغم من خسارته لمعظم استطلاعات الرأي للعام 2016، إذ تمكن ترامب من كسب جميع الولايات التي تميل تاريخياً إلى الجمهوريين، وكذلك الولايات المتأرجحة المعروفة بالـ”Swing States” مثل ولايتيّ أوهايو وفلوريدا، وأكمل لينتزع من الديمقراطيين 3 ولايات أُخرى لم تعط أصواتها للجمهوريين منذ ثمانينيات القرن الماضي وهي ويسكونسن، بنسلفانيا، وميشيغان.
انتصار ترامب المدوي عام 2016 تحقق بالرغم من انحياز شبه كامل للإعلام الأميركي ضده، وبالرغم من أن هيلاري كلينتون استطاعت جمع ضعف التبرعات التي كان قد جمعها ترامب والتي وصل مجموعها إلى مليار ومئة وواحد وتسعين مليون دولار أميركي. الوضع اليوم يشبه إلى حدٍّ كبير الوضع عام 2016 من حيث التبرعات المالية ودعم الإعلام وعمالقة التواصل الإجتماعي تويتر وفيسبوك للمعسكر المناهض لترامب، وحيث لا يزال ترامب يخسر معظم استطلاعات الرأي ونحن على بعد أيام فقط من الانتخابات الأكثر أهمية في التاريخ الحديث للولايات المتحدة والتي ستحدد مستقبل البلاد والاتجاه الذي ستتخذه لسنوات عديدة مقبلة. ولكن بالرغم من كل ذلك هناك بعض المؤشرات التي قد تشكل دلالات جدية على حقيقة توجُّه الناخب الأميركي الذي يبدو أنه لم يعد على استعداد للبوح بآرائه السياسية علناً، إن كان من مؤيدي الرئيس ترامب تحديداً، الأمر الذي أدى إلى استطلاعات غير دقيقة في السابق أوصلت ترامب إلى سدة الرئاسة.
أولاً، استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب للبحوث الإحصائية في تشرين الأول 2020 وجدت فيه أن 56٪ من الناخبين المسجلين يعتقدون أن أوضاعهم الحالية اليوم أفضل مما كانت عليه عام 2016في آخر سنة من عهد الرئيس أوباما، وذلك بالرغم من انتشار وباء الكورونا، والأوضاع الاقتصادية المتأزمة. إن التفسير المنطقي الوحيد لذلك الاستطلاع يعني أن أكثرية الأميركيين راضون عن مسار البلاد حالياً ولا يسعون للتغيير. ولعل ردة فعل بايدن الانفعالية أمام كاميرات الإعلام لدى سؤاله عن الموضوع قائلاً: “الأجدى لأولئك ألاّ يصوتوا لي،” دلالة أخرى لجدية ذلك الاستطلاع.
مؤشر آخر هو شراء أكثر من ٥ ملايين مواطن أميركي للأسلحة النارية لأول مرة وذلك لعدة أسباب أهمها تردي الأوضاع الأمنية في العديد من المدن بعد صيف حار مليء بالعنف غداة حادثة مقتل الأميركي الإفريقي جورج فلويد اختناقاً على يد الشرطة. وتُظهر إحصاءات مركز بيو ريسيرش أن أكثرية مالكي الأسلحة النارية يناصرون الحزب الجمهوري بنسبة ثلاثة اضعاف للذين يوالون الحزب الديمقراطي، إذ يسعى الديمقراطيون عادةً إلى وضع القيود على شراء الاسلحة، وقد وصل الأمر بالعديد منهم إلى المطالبة بمنع بيع الأسلحة ومصادرتها من بين أيدي المواطنين. بالطبع، ليس معروفاً تماماً إن كان الخمسة ملايين أولئك هم من مؤيدي ترامب أم لا، لكن من غير المرجح أن يدعم الديمقراطيين من اشترى السلاح حرصاً على سلامته، خاصةً وأن الديمقراطيين متهمون بعدم تعاملهم مع المشاغبين بصرامة حيث ظهر بعضهم وكأنهم يشجعون تلك الأعمال، في حين طالب آخرون بوقف تمويل الشرطة، ما أدى إلى دعم عدد من نقابات الشرطة للحملة الانتخابية لترامب الذي بدوره تبنى شعار “القانون والنظام”. وفي وقت فاز ترامب عام 2016 في العديد من الولايات بفارق ضئيل جداً وصل في بعضها إلى بضعة آلاف من الأصوات، قد تشكل ظاهرة الملايين الذين اشتروا الأسلحة للمرة الأولى دليلاً حقيقياً إلى احتمال نجاح ترامب، تحديداً، في الولايات المتأرجحة!
ثالثاً، أصوات الأقليات العرقية، الأميركيون من أصل أفريقي بشكلٍ خاص، وهم الذين لطالما أعطوا أصواتهم للديمقراطيين تاريخياً بأكثريةٍ ساحقة بحيث وصلت نسبة تأييدهم للرئيس السابق أوباما إلى ٩٥% عام 2008، في حين أن ترامب لم يحصل إلا على 8٪ من أصواتهم عام 2016. لكن يبدو أن ذلك النمط قد يتغير بعد أن عمل ترامب جاهداً على استقطاب تأييدهم من خلال نجاحه (قبل انتشار فيروس الكورونا) في تقليص أعداد العاطلين عن العمل ونسبة الفقر بينهم بأرقام قياسية لم تشهدها مجتمعات الإفريقيين الأميركيين منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ويكمل ترامب حملته لاستقطاب السود الأميركيين من خلال إطلاق مشاريع لدعم مجتمعاتهم مثل مشروع بلاتينوم بلان (Platinum Plan) الذي يدعولاستثمار 500 مليار دولار في التنمية الاقتصادية، والتشدد في التعامل مع منظمات البيض العنصرية مثل الكوكلوكس كلان (KKK)، وجعل مناسبة Juneteenth وهو يوم تحرير السود من العبودية، عطلة فدرالية. ويبدو أن حملة ترامب تلقى نجاحاً لدى الأفارقة الأميركيين إذ تلقى الرئيس دعم عددٍ من المشاهير والمغنين السود مثل كانيي وست، فيفتي سنتس وآيس كيوب، وأظهر استطلاع أجراه مركز راسميوسن (Rasmussen Poll) منذ أيام بأن 46% من الأفارقة الأميركيين راضون عن أداء ترامب في إدارة البلاد، ما يشكل زلزالاً في عالم الانتخابات الأميركية في حال صح الخبر، بحيث يكون ترامب قد نجح في إعادة خلط الخريطة الانتخابية العرقية للحزبين الجمهوري والديمقراطي بعد فشل تاريخي للجمهوريين في استقطاب أغلبية أصوات الأقليات.
أما المؤشر الأخير فهو طريف، إذ قد نجح مخبز في ولاية بنسلفانيا من التكهن بهوية الرئيس في الانتخابات الثلاثة الأخيرة من خلال بيع الكعكة الرئاسية. والكعكة هي نوعان، كل منهما تحمل اسم أحد المرشحيَن، والكعكة التي تباع بكميات أكبر يكون صاحبها الناجح في الانتخابات. وبعد بيع الآلاف منها، يبدو أن ترامب هو صاحب الحظ الأوفر هذه السنة إذ تسجل كعكته مبيعاً قياسياً مقارنة بكعكة بايدن، وقد بيعت أكثر بثلاثة أضعاف.
في الخلاصة، لا تزال النتائج المتوقعة للانتخابات الرئاسية الأميركية مبهمة بالرغم من جميع الاستطلاعات والدراسات، ويعتبر أشهر منظمي استطلاعات الرأي فرانك لونتز بأنه في حال فاز ترامب بالسباق الرئاسي هذه السنة فهو سيكون قد قضى نهائياً على مهنة استطلاعات الرأي، بحيث يكون قد أثبت أنها لم تعد تجدي نفعاً حين تكون الأجواء مشحونة بالتطرف ويخشى عدد كبير من المواطنين الإفصاح عن رأيهم السياسي علناً خوفاً من اعتبارهم عنصريين أو داعين للكراهية كما هو شائع حالياً. والملفت هذه السنة أن النتائج لن تُعرف ليلة الانتخابات كما كان معهوداً في السنوات الماضية بسبب الملايين من الأصوات التي أدليت قبل افتتاح مراكز الانتخابات في الثالث من كانون الأول إما من خلال التصويت المبكر أو من خلال التصويت عبر البريد. وإذا جاءت أرقام الأصوات متقاربة كما هو متوقع، وحصل خلاف حول إعادة عد الاصوات مثلما حدث في الانتخابات الرئاسية عام 2000 في فلوريدا، فقد يؤدي ذلك إلى تحويل القضية إلى المحكمة العليا، الأمر الذي يزيد من تأخير إعلان النتائج. والجدير بالذكر أنه أصبح للجمهوريين أكثرية بين القضاة التسعة في المحكمة العليا بعد وفاة القاضية الليبرالية روث بيدرغينسبرج الشهرالماضي وتعيين الكاثوليكية المحافظة أيمي كوني باريت مكانها.