
لا جواب شافياً من قصر بعبدا وبيت الوسط، حول سر “الإيجابية” الطافية على سطح الاتصالات المسرَّبة حول تشكيل الحكومة الجديدة. ويبدو، بحسب مصادر برلمانية مطلعة، أن “الرئيس المكلف سعد الحريري قرر اعتماد الحديث النبوي الشريف (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود)، محاولاً أن يعبر بتشكيلته الحكومية بحر ألغام الشهيات المفتوحة على الوزارات والمحاصصات، بعدما صُرف النظر عن حكومة الاختصاصيين المستقلين واستبدالها باختصاصيين يتم التوافق عليهم مع القوى السياسية التي سمَّته”.
وترى المصادر ذاتها، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “الإيجابية المفترضة الموحى بها لا تتناسق مع المصاعب التي تواجه الحريري، بعدما بتنا عملياً أمام حكومة سياسية مشكَّلة من اختصاصيين، خصوصاً في ما يتعلق بمسألة المداورة في الوزارات التي يصر عليها رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه، وذلك بعد تسليم الحريري باحتفاظ الثنائي الشيعي، وتحديداً حركة أمل، بوزارة المال ولو لمرة واحدة، وتسمية وزرائهم. بالتالي، من الصعب أن يمرِّر عون المداورة في باقي الوزارات بسهولة، خصوصاً وزارة الطاقة”.
وتعتبر المصادر، أنه “كلما دخلت مشاورات التشكيل في تفاصيل توزيع الحقائب ستخرج الشياطين من جحورها، كما يقال. والخلاف حول وزارة الصحة التي يريدها الحزب التقدمي الاشتراكي ويصر حزب الله على الاحتفاظ بها، عيّنة إضافية على أن الإيجابية المروَّج لها قد لا تصف الوضع القائم على صعيد ملف التأليف بدقة. اللهم إلا إذا كان المقصود نوايا الحريري الذي لا شك يرغب ويبادر نحو إضفاء جو إيجابي ويعمل في هذا الإطار، ويحرص على عدم توتير العلاقة مع عون خصوصاً. لكن هل يلاقيه الآخرون بالنوايا ذاتها؟ وماذا لو كان (الجمل بنيّة والجمّال بنيّة والحمل بنيّة)؟”.
وتتأسف المصادر البرلمانية، “لأن ما تفيد به التسريبات، هو التأكيد على ارتفاع منسوب المحاصصة السياسية المموَّهة باختصاصيين في مشاورات التأليف”، مشيرة إلى أن “هذا يعني أن مساحة الحركة تضيق لدى الحريري. بالتالي لا سبيل لولادة الحكومة هذا الأسبوع، إلا في حال وافق الحريري على تلبية شروط المطالبين بحصتهم على غرار الثنائي الشيعي. لكن في حال تم ذلك، ماذا يبقى من المبادرة الفرنسية وحكومة الاختصاصيين المستقلين التي عليها التفرغ لتنفيذ إصلاحات جذرية إنقاذية خلال 6 أشهر؟”.
وتلفت، إلى أن “الأجواء المرافقة للتشكيل توحي أن الحكومة ستُشكل سياسياً بامتياز، والاختصاصيين سيكونون عملياً واجهة للقوى السياسية. على الرغم من إمكان تمتع بعض الأسماء المتداولة بخبرة وحيثية، لكن نموذج حكومة حسان دياب المستعاد نسبياً بحسب التسريبات، لا يدعو إلى التفاؤل بحكومة (رح تشيل الزير من البير)”.
والأخطر، وفقاً للمصادر البرلمانية عينها، ما “يصدر عن أوساط الثنائي الشيعي حول وضع حواجز مسبقة أمام حكومة الحريري المرتجاة. فمنذ الآن يعلن حزب الله عن أن لا توقيع على بياض يُمنح للحريري للاتفاق مع صندوق النقد الدولي حول برنامج المساعدات. والثنائي يؤكد أنه لن يقبل المس بموظفي القطاع العام، أو برفع الدعم عن بعض السلع والمواد الأساسية. بالتالي كيف سيتم الاتفاق على ترشيق الإدارة والاستغناء عن جيش الموظفين الذين تم حشوهم في الإدارة العامة على مدى سنوات، فيما هم لا يقومون بأي عمل ويثقلون كاهل الخزينة العامة؟”.
وتضيف، “صحيح أن الحريري يتكئ على الدعم الفرنسي، لكن عامل الوقت لا يعمل لصالحه، وقد يفقد المومنتوم وقوة الدفع التي نالها لحظة التكليف إن طالت عملية تشكيل الحكومة. وبالتوازي، إن وافق على تشكيلة حكومية معرضة للتناتش الداخلي وتحمل بذور انفجارها في أي لحظة كما يظهر من مواقف عدد من القوى الأساسية فيها من الملفات الإصلاحية المطروحة، على الرغم من رغبته بأن تكون حكومة فريق عمل متجانس ينكب على إقرار وتنفيذ الإصلاحات فوراً”.
وتخشى المصادر، من أن “أي تشكيلة حكومية تكون عملياً نسخة منقَّحة عن سابقاتها، تعني أننا لا نزال في الدوامة ذاتها، بل في عنق الإعصار الذي يشدّنا إلى مركزه المدمِّر”. وتؤكد على “ما سمعه جميع المسؤولين، ومن ضمنهم الحريري، بأن أي تذاكٍ أو محاولة تلاعب على المجتمع الدولي والدول المانحة، لم يعد يمر. والمطلوب إصلاحات جذرية جدية حقيقية ومكافحة الفساد بكل شفافية وإعادة هيكلة للقطاع العام والقطاع المصرفي، بالإضافة إلى ضبط التهريب والتهرب الجمركي، واستقلالية القضاء، وسائر الإصلاحات الباقية، وإلا لا دولارات ولا مساعدات”.
وترى، أن “ما يمكن أن يقدمه المجتمع الدولي هو مجرد مساعدات إغاثية في إطار النجدة لا غير. وهذه (لا تُغني ولا تُسمن من جوع) ولا تحل الأزمة الاقتصادية والمالية وشح الدولار”. وتلفت، إلى أن “دول الخليج حاسمة لجهة عدم دعم أي حكومة يشارك فيها حزب الله، صراحة أو تورية، في حين يواصل تهديد أمن المملكة العربية السعودية. وعلى ضوء كل ذلك، يبدو أننا لا نزال بعيدين عن بلوغ نهاية النفق حتى ولو تشكَّلت حكومة الحريري، ما دامت بمواصفات سابقاتها بنسبة كبيرة. والأيام المقبلة وحدها ستحكم”.
