بات تشكيل الحكومة كحفر جبل بإبرة، في ظل الصعوبات التي تواجه عملية التأليف، وهذه العقد أضحت سمة العهد والصهر جبران باسيل المتمرس في الفرملة والتعقيدات وصولاً إلى الحصول على ما يريد، من دون أن يتعظ هو أو سواه مما حصل في الشارع من انكشاف المستور والتنديد بأدائهم السياسي وكل الارتكابات التي قاموا بها، ولكن “على من تقرأ مزاميرك يا داود”. وهنا يقول أحد القياديين السابقين المخضرمين في تيار سياسي بارز، وفي مجلس خاص، إنّ الحديث عن حصول أي تفاهم أو تناغم بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري وتحقيق إنجازات وانتشال البلد من كبواته، هو بمثابة النكتة السمجة نظراً إلى التجارب السابقة الفاشلة، والآتي لن يكون أفضل مما جرى في المرحلة الماضية، لأنّ السباق على تناتش الحقائب السيادية دليل على نية لتحجيم الرئيس الحريري وتقييده إزاء الدور الذي سيقوم به، وتالياً فإنّ تفكير رئيس “التيار الوطني الحر” يندرج في كيفية الوصول إلى رئاسة الجمهورية، وأقلّه إمساكه بالتيار محصَّنًا خالياً من الثغرات، منعاً لسقوطه أمام ما يحيط به من أزمات وقيادات برتقالية “تنتظر على الكوع”. ويضيف القيادي السابق: “يجب ألا يتوهّم أي طرف في حصول لبنان على مساعدات كبيرة من المجتمع الدولي وخصوصاً من الخليجيين وحتى من سائر الدول المانحة، وقد قال الموفد الأميركي ديفيد شنكر في لقاء خاص إنّه إذا تشكلت حكومة إصلاحية تحت مراقبتنا وبمتابعة لصيقة من مستشاري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فلن يحصل لبنان على أكثر من أربعة مليارات دولار، لأنّ الوضع السياسي ودور حزب الله وتدخّل إيران وإمساكها إلى حدّ كبير بالملف اللبناني من خلال الحزب، يعني عدم المغامرة لا من الإدارة الأميركية أياً يكن الرئيس، ترامب أو بايدن، بفتح الطريق لوسائل الدعم للحكومة اللبنانية، قبل تيقّننا أنّ الإصلاح يسير بخطى ثابتة وأنّ الأمور السياسية في لبنان تتجه نحو الأفضل، بمعنى الوصول إلى الاستراتيجية الدفاعية والانتهاء من الترسيم، وبالتالي الترسيم يعني أنّنا لم نعد بحاجة إلى سلاح حزب الله، وعليه، يقول شنكر، من المبكر الخوض في هذه الأمور قبل الربيع المقبل”.
وعَود على بدء، فإنّ الأجواء التشاؤمية التي خيّمت على مسار التأليف في الساعات الأخيرة، قد تتبدد إذا ما نجحت الاتصالات بين بعبدا و”بيت الوسط”، وأيضاً وفق معلومات وثيقة في حال دخول الرئيس نبيه بري على خط المساعدة، ولا سيما إزاء ما يسمى “العقدة الدرزية” كونه خبيرا وحليفا وصديقا للقيادات الدرزية وفي طليعتها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.
وفي السياق، تقول مصادر سياسية مطلعة لـ”النهار”، إنّ جلسة مفاوضات الترسيم الأخيرة شهدت مداً وجزراً، فتوقف التأليف، وبمعنى أوضح أن “حزب الله” لن يساعد في ولادة الحكومة إلا وفق ما يريد، كي يُبقي في حوزته ورقة ثمينة ليناور ويجبه بها المجتمع الدولي، إذ لا يمكنه ان يقبل بحكومة من 18 وزيراً فيها درزي واحد إذا استقال تفقد الحكومة الميثاقية وتسقط، وهو أيضاً يرفع سقف شروطه على خط الترسيم ليساعد في التأليف. وتبيّن كذلك بشكل واضح، كما أشارت “النهار” قبل أسبوعين، أن لا خلافات ولا قطيعة بين حارة حريك وبعبدا وميرنا الشالوحي، بل توزيع أدوار مدروس، إن في السياسة أو على صعيد ما جرى في التكليف، وصولاً إلى الواقع الراهن في التأليف، فالحزب سيُرضي حلفاءه ليكونوا له سنداً على الساحة المسيحية أو عند الطرف الدرزي الآخر المناهض لجنبلاط، وأيضاً لمواجهة المجتمع الدولي في خضم ما يتعرض له الحزب من عقوبات تنامت في الآونة الأخيرة، إذ يسعى إلى إملاء شروطه على خط التأليف وبالتالي حماية إيران في مواجهتها للمجتمع الدولي.
وتشير المصادر إلى وجود أكثر من عامل يتحكم بخط التأليف، وبالتالي فإن ما قيل عن اعتذار الرئيس المكلف تنفيه الدائرة الضيقة المحيطة به، في حين بات من الواضح أنّ الزخم الفرنسي خفت في الأيام الأخيرة على خلفية ما يجري من أعمال إرهابية في بعض المدن الفرنسية وانشغال المسؤولين الفرنسيين بمتابعة هذه الأجواء، لكنّ الاتصالات مع بعض المرجعيات اللبنانية مستمرة بغية تسهيل ولادة الحكومة خوفاً من تفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية في لبنان وتدحرج أوضاعه نحو الهاوية أمام ما يحيط به من أزمات، وهذا ما ينسحب أيضاً على الأميركيين وإن كانت لهم رؤيتهم ونظرتهم الى مسار التأليف خلافاً للفرنسيين، أي انّهم لا يستسيغون مشاركة “حزب الله” في الحكومة.
