.jpg)
عبق اول شتوة. رائحة التراب عطر لا يضاهيها افخم العطور الباريسية العريقة. لا احد، لا احد يستطيع ان يقارب تلك الرائحة العجائبية لأنها من مزيج الرب. خليط ساحر لا يتقنه الا من يمسك ابرة من سماء ويطرّز فيها اعاجيب الارض. امممم رائحة اول شتوة وذاك التشرين المنهمر اوراقا صفراء حمراء بنفسجية صارت على آخر نفس، تعلن بدايات رحيلها المدوي من صيفها الطائش.
اول شتوة عبق من عبق تشرين، عبق الشجن السعيد وذاك الحنين الموجع الى كل شيء، تشرين الهاشل بزواريب الضيعة، العابث في مزاج عاشقة ارض لا تريد الا ان تعيش قربها من خيرها من عبقها، تشرين ذاك الطمّيع الذي لا يزال يجتاح بنهم وانانية مطلقة زواريب الضيعة ومزاجها، ومزاجها ليس الا ان نغلّ في الدفء والبركة و… التناسي حتى النكران ان شتوة تشرين التي حلّت نعمة فوق ارض الخيرات، ومواسم الزيتون التي تنتظر نعمة الطبيعة، حلّت نقمة فوق البيوت التي ما عادت بيوتا، بعدما دمرها امونيوم الارهاب في مرفأ بيروت. لا خير مطلق في لبنان، دائما مزغول بين بين، انما الشر هو المطلق في لبنان، الشر عندنا صافي في كل الاتجاهات، لان مصدره واحد، سلطة الاحتلال والفساد.
قال السلطة الان مشغولة مشغولة تتعارك تتصارع مع ذاتها! خير شو في؟! عركت بين السيادية والخدماتية وطلعت الثانوية الطش!! يتعارك الشباب على تصنيف الوزارات التي سيغنمون بها، وعلقت على اولوية تلك المصطلحات، من هي الوزارة التي تحظى بلقب “سيادية”، ومن تملك امتياز “الخدماتية”، ومن المسكينة البائسة التي لم تنل سوى لقب “الثانوية” مثل وزارة الصناعة او السياحة او الثقافة مثلا؟!
“الممتع في التصنيف هو وضع وزارة العدل في قائمة الوزارات الخدماتية، اما المتعة الخالصة فهي اعتبار كل ما يحتاجه لبنان فعلا، وزارات ثانوية، مثل السياحة والصناعة والبيئة وخصوصا الثقافة”، كتب النائب جورج عقيص!! ومع الصراع على التصنيف قال عم يختاروا على مهل الشباب، وبتفكير عميق جدا، اي وزارة يقطفون من باقة الوزارات المعروضة عليهم، واي منها تتناسب اكثر وطموحاتهم المذهبية، والاهم طبعا، طموحاتهم الدولاراتية والانتخابية كما يظنون. خدوا وقتكن فلبنان بخير، ونحن نملك الكثير بعد من ترف الوقت، وهيك تضييع الوقت من وقت لآخر لأجل اوقاتكم السعيدة، وكي ترتاحوا في الاختيار على مهل من دون شيطان العجلة والتسرّع!
وبينما تتصارع السيادية مع الخدماتية ضد الثانوية، يحتل كورونا كل الساحات والمدن والقرى، ويتربّع على عرش الصراعات. صراع بين وزير الداخلية والقطاعات الاقتصادية كافة على قرار الاقفال التام للقطاع السياحي ام لا. هو يريد وهم لا يريدون اذ يعتبرون ان قرار الاقفال التام سيقضي على آخر ما تبقى لديهم من مقدرات الصمود.
صراع بين وزير التربية والاهالي على الاقفال التام للمدارس ام لا. هو يريد ان تفتح المدارس ابوابها والاهل مرتعبون من فكرة العودة في ظل تفشي الوباء ويصرون على التعليم عبر الانترنيت. والنتيجة ان مدارس فتحت واخرى لا!
صراع بين اللبنانيين ووزارة الصحة والصيدليات على انقطاع ادوية الامراض المستعصية، والمحصّلة ان نصف الادوية مفقودة، ولا اجوبة مطمئنة من الوزارة عن امكان تأمينها سريعا وعدم انقطاعها مرة اخرى لاحقا.
وبينما تتواصل الصراعات في الاتجاهات كافة، تصرخ بكركي “تخلصوا من المحاصصة واوقفوا اقتسام الحصص، وألّفوا الحكومة وأنقذوا الناس”، ويرتد صراخها اليها، اذ لا احد يريد ان يسمع، لانهم اخذوا قرارا نهائيا بصم اذانهم عن عويل الناس، عويل لبنان في وادي دموعه السحيق، في قعر سلطة تظن انها تملك صك ملكية بالوزارات وبالأرزاق وبهذه الارض، صك عبودية بكرامات الناس، هم الذين لا يعرفون الكرامة ولا الشرف ولا الخير، سلطة لا تجيد الا ابتداع الشر المطلق للبنان. وهكذا ينهمر تشرين علينا.
