#dfp #adsense

معركة الإستقلال الثالث… من خطاب القسم إلى خطاب جهنم

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1711

كان من المفترض أن يكون عهد الرئيس ميشال عون عهد إستعادة الجمهورية، طالما أعلن أنه لا يريد رئاسة الجمهورية بل إستعادة الجمهورية. بعد أربعة أعوام على ولايته تكاد الجمهورية تضيع وتكاد الرئاسة نفسها تنهار وتفقد موقع القرار وهالة الحاكم والحكم. بدل الرجاء الذي كان يجب أن يخلقه انتخاب عون رئيسًا حلّ الخوف والإحباط والشعور بالخيبة.

لم يبدأ عهد عون في 31 تشرين الأول 2016. بدأ منذ اليوم التالي لخروج الرئيس ميشال سليمان من قصر بعبدا، وأكثر من ذلك بدأ ربما منذ ما قبل إنتهاء ولاية سليمان بشهرين وهو الموعد الدستوري لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. بدأ عهد عون منذ تم تعطيل الإنتخابات الرئاسية في العام 2014 ومنذ تمسك به «حزب الله» مرشحًا وحيدًا وتم تعطيل النصاب النيابي، ومنذ انتصرت السلبية على المسار الدستوري للجمهورية اللبنانية. عندما ارتضى عون إعتماد هذا المسار كان يهز عرش الشرعية الدستورية وموقع الرئاسة التي كان هدفه الأساسي أن يتبوأها. من هناك طغى هدف إستعادة قصر بعبدا على هدف إستعادة الجمهورية. لأن الجمهورية ليست مجرد مقر ولأن الرئاسة ليست مجرد موقع وتوقيع.

لم يصبح عون رئيسًا فعلاً إلا بعد تفاهم معراب مع «القوات اللبنانية». قبل هذا التفاهم لم يكن من المعروف إذا ما كان «حزب الله» يعطل الإنتخابات الرئاسية من أجل أن يصل عون أم من أجل أن تطير الرئاسة والجمهورية معًا. خطوة تأييد «القوات» ترشيح عون لم تنتقل إلى التنفيذ إلا بعد إعلان الرئيس سعد الحريري سيره في هذا الخيار. كان من المفترض أن تؤدي هذه التسوية الرئاسية المتوازنة إلى استعادة حضور موقع رئاسة الجمهورية واستعادة التوازن داخل المؤسسات وتأكيد التوازن السياسي، ولكن عون الرئيس لم يكن على قدر تلك المسؤولية بسبب الأجواء التي أحاطت به، وبسبب الطاقم الذي دخل معه إلى القصر ليجعل من الرئاسة موقعًا للمشاركة في السلطة وليس موقعًا لاستعادة السيادة والجمهورية.

كان العهد قويًا في بدايته عندما كان يمشي بزخم تفاهم معراب الذي أعطى أملاً للمسيحيين بشكل خاص واللبنانيين بشكل عام بأنه من الممكن أن يتحقق التوازن في الحكم وأن يعود النشاط الإيجابي إلى مؤسسات الدولة وينتهي عهد الفساد والمحسوبيات والهدر. وكان من الطبيعي مثلاً أن يكون سعد الحريري بحكم التسوية التي حصلت رئيس حكومة العهد الأولى وأن يكون شريكاً في مسؤولية تحقيق التوازن واستعادة القرار والتأسيس للعهد الجديد الذي يمكن أن يشكل بداية جيدة لوقف التدهور الإقتصادي. ولكن الأمور إتجهت نحو الهاوية أكثر.

بدل أن يستمر التفاهم بين عون و»القوات اللبنانية» عمل رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل على إغتيال هذا التفاهم مؤسسًا لوراثة العماد عون سياسيًا ورئاسيًا بعدما أمن وراثته في الحزب الذي أسسه. إعتبر باسيل أن عهد عون ليس إلا محطة زمنية للتحضير لعهده هو. ولذلك أراد أن يضحي بالعهد من أجل عهده الموعود. ولكن في النتيجة وبعد أربعة أعوام طار العهد الأول وطار الوعد بالعهد التالي.

رئيس الحكومة سعد الحريري وبدل أن يسعى إلى تحقيق توازن فعلي مؤسساتي من داخل مجلس الوزراء ذهب إلى عقد تسوية مع باسيل تحت سقف التسوية الرئاسية. ولذلك حاول أن يضحي بكل تحالفات 14 آذار من أجل أن ينجح في صفقته مع صديقه جبران. هذا الثنائي كان يجد كماله مع «حزب الله» الذي شكل العامود الثالث من الصفقة الثنائية. لقد كان بدأ سلوك هذا الطريق بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان عندما ذهب يبحث عن صفقة مع رئيس للجمهورية من خارج 14 آذار، بدأ مع العماد ميشال عون ثم مع رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية قبل أن يعود إلى خيار عون مصوّرًا الأمر وكأنه مرغم عليه.

كان من المفترض أن يكون عهد عون عهد إستعادة الإستقلال وأن تكون حكومة الحريري حكومة إستقلال. عمليًا كان يمكن أن يشكل تفاهم رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع مع عون رافعة للعهد وقوة أساسية له تجعله متحررًا من أي وصاية عليه أو أي دين أو أي تفاهم آخر. وكان يمكن أن يشكل وجود سعد الحريري على رأس الحكومة التي ضمت للمرة الأولى تمثيلاً مسيحيًا فاعلاً وقويًا ضمانة تكمل تفاهم عون وجعجع من أجل تحرير الجمهورية وقرارها من سيطرة «حزب الله». ولكن الرهان على عون سقط والرهان على الحريري سقط. عمليًا بدا عون مستسلمًا للتفاهم مع «حزب الله» على حساب أي تفاهم آخر وحتى على حساب هدف إستعادة هيبة الحكم على الأقل إذا لم يكن من الممكن إستعادة الجمهورية التي طالما نادى بها. في خطاب القسم أعطى عون أملاً باهتاً بأنه سيعمل على تحقيق السيادة والأمن والأمان ولكن الوعد كان مجرد حبر على ورق.

إستمر هذا المسار حتى 17 تشرين 2019. كان قانون الانتخابات ربما الإنجاز الأهم الذي تحقق مع عون. ولكن بدلاً أن يتم تعزيز هذا القانون بالنتائج التي كان يجب أن تترتب عنه تم إستغلاله من أجل الإنقلاب على «القوات اللبنانية» والعودة إلى مربع الصفقة بين باسيل والحريري و»حزب الله». هذا الأمر كان واضحًا من خلال التحالفات الإنتخابية التي ساهم من خلالها الحريري في إيصال غالبية نيابية من تحالف «حزب الله» والتيار الوطني الحر، على رغم أن هذه الإنتخابات أظهرت حجم «القوات اللبنانية» الرئيسي من خلال مضاعفة عدد نوابها. ولذلك جرت محاولة لإخراج «القوات» من الحكم والحكومة بعد هذه الإنتخابات ومع عملية تشكيل الحكومة الثانية التي ترأسها أيضًا سعد الحريري. لماذا حصل ذلك؟ لأن «القوات» ما كانت تقبل أن يتم تسيير أمور الصفقات المتفق عليها سلفاً بدل أن تكون الصفقة الأساسية هي مسؤولية بناء الدولة على أسس صحيحة. هذا المسار أوصل إلى نتيجة 17 تشرين ونزول الناس إلى الشوارع. لم تكن تلك الثورة إلا ردًا على مسار تقاسم السلطة منافع سياسية ومالية. ولذلك كان سقوط حكومة الرئيس سعد الحريري حتميًا عندما أعلن إستقالته مرغمًا وعلى عكس ما كان يريده عون وباسيل و»حزب الله» ورئيس مجلس النواب نبيه بري.

كل المحاولات التي جرت بعد 17 تشرين من أجل إستيلاد حكومة جديدة لم تكن إلا على سبيل إهدار الوقت وانتظار الفرص، ربما من أجل أن يعود الحريري إلى السراي. في الأساس لم تكن هناك رغبة لدى تحالف باسيل ـ «حزب الله» ـ بري بخروجه لأنه كان يمكن أن يشكل خط المواجهة مع ثورة 17 تشرين بدل أن يضع هذا الثلاثي في الواجهة. ولكنه اختار الإنكفاء في انتظار إستعادة الفرصة.

فشل العهد و»حزب الله» في تأمين البديل مع حكومة الرئيس حسان دياب، على رغم أنها كانت حكومة «حزب الله» وحكومة اللون الواحد إلا أنها لم تستطع أن توقف الإنهيار. إنفجار العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت في 4 آب كان أكبر مما يمكن أن يتحمّله هذا التحالف ففضل أن يضحي بالحكومة.

بعد الكارثة التي حلّت ببيروت فتح الرئيس الفرنسي كوة في جدار الأزمة. ولكن المحاولة فشلت مع فشل خيار تكليف السفير مصطفى أديب تشكيل حكومة مستقلة فعلاً. قبول الحريري بشروط الثنائي الشيعي بأن تكون لهم وزراة المالية وأن يسمّوا الوزراء الشيعة أخرج أديب من اللعبة التي عادت إلى ما كانت عليه قبل 17 تشرين 2019 ربما إعتقادا من هذا التحالف بأن ثورة 17 تشرين قد إنتهت وبأنه من الممكن العودة إلى مربع ما قبل تلك الثورة. في ظل هذه العودة تراجع حضور رئاسة الجمهورية والجمهورية. ومن وعود الأمل في خطاب القسم إنتهى خطاب قصر بعبدا إلى الوعود بالذهاب إلى جهنم.

المسألة أكبر من المطالبة بحكومة مستقلين. والمهمة أكبر من مجرد نزول إلى الشارع حتى لو فاق عدد المتظاهرين المليون. ثمة طريق واحد للخلاص وهو الإعلان أن المطلوب اليوم حكومة إستقلال. حكومة المستقلين يمكن أن تؤمن بعض التمويل ولكنها لا توقف الإتجاه نحو الهاوية ولا يمكنها أن تخرج لبنان من أزمته التي هي في الأساس أزمة سلاح «حزب الله» وأزمة ضياع سيادة الدولة وأزمة البحث المستمر علن الجمهورية.

ربما يمكن أن تكون انتخابات العام 2022 النيابية هي الطريق نحو تكوين أكثرية نيابية سيادية إصلاحية يمكن على أساسها أن تكون هناك حكومة إستقلال فعلية ورئيس جمهورية مستقل فعليًا. ولكن في ظل تمسك هذا التحالف الثلاثي بالسلطة هل يمكن أن يمنع حصول الإنتخابات النيابية في موعدها؟ وهل يمكن أن يمنع الإنتخابات الرئاسية؟ وهل تكون إستحقاقات سنة 2022 موعدًا لزوال الجمهورية بدل إستعادتها واستعادة السيادة؟ المسألة لا تتوقف على خيارات اللبنانيين وحدهم ولا على خيارات السلطة الحاكمة على خلفية أنها تملك الأكثرية النيابية، بل على التطورات الحاصلة في المنطقة التي تغيّر وجهها وصورتها وتوازناتها. فهل ستشمل عاصفة التغيير لبنان أيضًا نظامًا ورئاسة وتوازنات؟

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل