
على الرغم من حرص رئيسي الجمهورية ميشال عون والمكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري، على سريان المشاورات المتعلقة بالتشكيل تحت جنح “السرّية” والتكتم، انطلاقاً من أن تجارب التسريب والردود المتقابلة عليها خلال تشكيل الحكومات السابقة لطالما ساهمت بتشنيج الأجواء وعرقلة تأليفها لأشهر، كما توافقا، غير أن ما بات لا يمكن إخفاؤه هو أن عملية تأليف الحكومة تحصل عملياً في أجواء ملبدة بغيوم كثيفة، مشبَّعة بأمطار المحاصصات وتناتش المواقع الوزارية المؤثرة في الاستحقاقات الدستورية المقبلة، المفصلية في رسم السياسات والتوجهات، وموقع لبنان إقليمياً ودولياً في المرحلة الآتية.
المحلل السياسي علي حمادة، يعتبر، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “الأمور تتغير من يوم إلى آخر. لكن ما يحصل الآن ويُجمع عليه العارفون والمعنيون في الشأن الحكومي، أن محركات تأليف الحكومة توقفت”، لافتاً إلى أن “الأسباب الظاهرية معروفة، وهي غرق كل الأطراف وإغراقهم عملية التأليف بلعبة المحاصصة”.
ويرى حمادة، أننا “عدنا إلى النمط القديم ذاته لتأليف الحكومات. ومعطوف على ذلك، مستجد يتعلق بالمبادرة الفرنسية التي فقدت الكثير من زخمها الذي كانت عليه قبل شهرين، على ضوء التعامل اللبناني معها ولبننتها وإغراقها بزواريب اللعبة السياسية اللبنانية التقليدية ونظام المحاصصة والزبائنية، ما قزَّم المبادرة التي كان يفترض أن تكون مختلفة عن ذلك”.
ويلفت، إلى أننا “دخلنا في تشرين الثاني، الشهر الموعود لانعقاد المؤتمر الدولي لمساعدة لبنان وإعادة إعمار بيروت بعد تفجير المرفأ، والذي كان وعد ماكرون بتنظيمه وعقده في باريس منتصف هذا الشهر. وفي ظل الوضع الحالي، لا معلومات حتى الآن تؤشر إلى أنه سوف يحصل”.
ويشير المحلل السياسي ذاته، إلى “سبب آخر مضمر لعرقلة التشكيل، وهو أن أحد الأطراف الرئيسيين، وتحديداً حزب الله، ما عاد مستعجلاً على تأليف حكومة قبل أن يتلمس المرحلة المقبلة أميركياً، واتضاح الصورة حول نتائج الانتخابات الرئاسية والمرحلة التي تليها”، لافتاً إلى أن “الدليل على ذلك، التعثر الذي حصل في مفاوضات الناقورة حول ترسيم الحدود الجنوبية، عندما أدخل الوفد اللبناني خرائط جديدة لم يكن هناك توافق عليها”.
ويضيف، “فوجئ الأميركيون والإسرائيليون بإدخال الوفد اللبناني خريطة خيالية وغير واقعية تطالب بنحو 2000 كيلومتر، ولا صلة لها بأي من الخرائط التي طُرحت في السابق سواء من الجانب اللبناني أو من الجانب الإسرائيلي، وتصل إلى مقابل جوار حيفا، وتأخذ في طريقها الحقول الإسرائيلية التي يقوم الإسرائيليون باستغلالها حالياً. بالتالي، هذا مؤشر واضح بأن طرح هذه الخريطة غير الواقعية يهدف إلى عرقلة المفاوضات. بمعنى، لا عجلة، لماذا نعطي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حال كان راحلاً عن البيت الأبيض؟ لننتظر نتائج الانتخابات الأميركية، وفي حال بقائه لولاية ثانية نعود لاحقاً ونقلع في المفاوضات على ضوء ذلك”.
ويوضح، أن “الخطأ الذي ارتكب من قبل كل الأطراف، هو أن الجميع قالوا إنهم يؤيدون المبادرة الفرنسية، لكن عملياً جميعهم ساروا بتشكيل الحكومة على طريقة مغايرة لما قاله ماكرون والتزموا به، أي حكومة اختصاصيين مستقلين من خارج الأحزاب، غير معادين للأحزاب لكن ألا تكون من يسيِّرهم داخل الحكومة. بينما ما يحصل اليوم، عملية تأليف تقليدية لحكومة تكنوقراط اختصاصيين إنما يعملون وفقاً لأجندات الأحزاب، وهذه ليست المبادرة الفرنسية وما يجري يؤدي إلى تراجعها”.
ويعتبر حمادة، أن “الحريري أمام مجموعة خيارات، أولها الخيار الذي ندعو إليه، وربما بعد الانتخابات الأميركية إذ يمكنه الانتظار بضعة أيام، لكن في حال لم تتحلحل الأمور بسرعة بعد ذلك ويتغير نمط التأليف والتعامل مع الرئيس المكلف، عليه أن يسارع إلى تقديم تشكيلة معقولة لرئيس الجمهورية ويرمي الكرة في ملعب عون الذي له أن يقبلها أو يرفضها”.
وإذ يلفت إلى أنه “في الحالة الثانية، يكون عون المسؤول عن التسويف والمماطلة”، يعرب حمادة عن اعتقاده أن “الحريري سيكون عندها أمام خيارين: إما الاعتذار أو إعادة الكرّة مرة ثانية. وباعتقادي أن الحريري لن يعتذر، لأنه لا يزال يعتبر أنه يعمل ضمن مهلة معقولة للتأليف إذ لم يمضِ شهر بعد على تكليفه. علماً أنه في حال ماطل رئيس الجمهورية كثيراً يصبح هو أمام تحد كبير، لأنه لم يعد هناك متسع من الوقت كافٍ من ولايته الرئاسية كي يعيد تأهيل عهده المتهالك”.
وثمة نقطة إضافية، يشير إليها حمادة، إذ “هناك مراقبون يرون أن ما يجري كناية عن انتخابات رئاسية مسبقة والمعركة بدأت، بالإضافة إلى معركة التمديد لمجلس النواب الحالي، وباعتقادي لا انتخابات نيابية بموعدها في أيار العام 2022. فمن الواضح أن عون يخوض معركة توريث النائب جبران باسيل، وكل الأطراف تعيد تموضعها على قاعدة أن الحكومة المقبلة ليست حكومة 6 أشهر، إنما حكومة قد تصبح انتقالية بانتهاء ولاية عون وعدم انتخاب رئيس جمهورية جديد. وكذلك، في أي انتخابات نيابية يرجَّح أن يخسر التيار الوطني الحر نصف مقاعده، أما حزب الله فمصلحته تكمن بالحفاظ على الأكثرية التي يتمتع بها في مجلس النواب بنحو 75 نائباً كي يبقى متحكماً”.
ويرى حمادة، أنه “بمجرد حصول الثنائي الشيعي على ما يطلبه بالشروط التي يريدها، عادت اللعبة إلى المربع الأول، أي لعبة التقاسم والتحاصص”، لافتاً إلى أن “الحل ربما يكون بالعودة إلى روح المبادرة الفرنسية التي فصَّلها ماكرون في اجتماع 01/09/2020، عندما طلب من جميع الأحزاب اللبنانية بأن تقف جانباً وأن تفسح في المجال أمام حكومة مهمة مؤلفة من اختصاصيين لمدة محددة، وعبارة الوقوف جانباً تعني عملياً حكومة مستقلين. وبغير ذلك، حتى وإن تشكلت الحكومة ستكون عادية”.
ويشدد، على أن “العودة إلى روح المبادرة الفرنسية يشمل كل الحكومة والحقائب الوزارية من دون استثناءات، ما يقفل باب المحاصصات السياسية والحزبية واحتكار وزارات لأطراف بعينهم، ويسقط كل الحجج والذرائع التي تعيق تشكيل الحكومة”.
