فهمي: المافيات ناشطة

هل يعلم المسؤولون انه كلما تأخر تأليف الحكومة اتسعت مساحة دوائر الفساد والهدر في مؤسسات الدولة في غياب اجهزة الرقابة والقضاء التي لا تعمل كما يجب، من دون تعميم بالطبع على كل الادارات. ولا تخلو اكثر الوزارات والمؤسسات من سيطرة مزاريب الفساد والرشى التي تنتشر كالفطر. وفي جعبة وزير الداخلية والبلديات محمد فهمي الكثير من الوقائع التي تثبت ذلك. ويبقى الوجه الايجابي في اداء المؤسسات هو ما تقوم به الاجهزة الامنية مجتمعة في حفظ الامن وضبطه في بيروت والمناطق. وقد خاضت هذه الاجهزة امتحاناً صعباً ضد مجموعة ارهابية عقب جريمة كفتون في الكورة. وكان واضحاً اهتمام سفراء اميركا وفرنسا وبريطانيا واكثر الدول الاوروبية بطلب الاستفسار من وزارة الداخلية عن طبيعة تحرك المجموعات الارهابية في لبنان مع اشادتهم باداء الاجهزة الامنية والمهمات التي تؤديها في جبه الارهابيين والقضاء عليهم. في حين كان مستغرباً عدم تكبّد اي سفير عربي عناء سؤال الداخلية، ولو من باب الاستئناس وجمع المعلومات، عن حصيلة ما نفذه الارهابيون في الشمال اخيرا، ولم يقدموا على هذا الفعل قبل المواجهات الاخيرة ايضاً.

ويبقى ان الوضع الامني لا يقلق الوزير فهمي، لكنه حذر بالامس في اجتماع في السرايا من “ثورة جياع” اذا استمرت الاوضاع على هذا المنوال جراء التدهور على المستوى المعيشي مع ارتفاع معدل عمليات النشل في الطرق وسرقة السيارات (991 سيارة استعيد منها 209 في السنة الجارية). مع الاشارة الى ارتفاع معدل محاولات الانتحار والخطف مقابل فدية مالية. وبلغ عدد الموقوفين هذه السنة 13396، فيما وصل عدد حوادث السير الى 2436 أدت الى سقوط 345 ضحية و3090 جريحا. ولذلك فهو يقرع جرس الانذار من خطورة “التفلت الاقتصادي” وحصول ردود فعل في الشارع لا يمكن ضبطها اذا لم تسوَّ الامور عاجلاً. ويسجَّل للاسلاك العسكرية نجاحها في الأمن الاستباقي، وان وجود حكومة فاعلة، في رأيه، يساعد اكثر في اتمام المهمات المطلوبة، و”ليعجّلوا في تأليفها قبل فوات الأوان”.

وفي واحد من الامثلة على عدم احترام القوانين وفقدان هيبة الدولة، حضر صاحب مقلع كبير في احدى المناطق الجبلية الى مكتب فهمي للحصول على تسهيلات من الوزارة ليستمر في نهش الصخور والرمال من دون اي تقيّد بالشروط البيئية. ويخاطب الوزير من دون مقدمات: “أطلب ما شئت. ونحن في خدمتك”. وكان يريد بكل بساطة السكوت عن جرافاته في استخراج المزيد من الصخور والبحص وتشويه مناظر تلك المنطقة. وكان جواب فهمي: “اذهب من حيث دخلت. ومن دون قهوة. وصلت الى العنوان الخطأ. وسجل عندك أنني لا أخالف القانون ولا اطبق إلا ما يصدر عن وزارة البيئة في هذا الخصوص”.

ينتظر فهمي واكثر الوزراء وعلى رأسهم الرئيس حسان دياب الخروج من “سجن السرايا الحكومية” وهم يتفرجون على حال المأساة التي وصلت اليها مؤسسات الدولة التي تبدو في الشكل أشبه بعروس جميلة لكن سرطان الفساد نخر عظامها ولم تعد قادرة على الصمود أكثر، ولا سيما اذا تأخر المعنيون في تأليف الحكومة وانطلاقتها. وبات في حكم المؤكد ان حكومة تصريف الاعمال غير قادرة على العمل نتيجة وجود جملة من الضغوط والتحديات. وهي لم تتفق على رؤية واحدة في التعاطي مع كابوس كورونا نتيجة التخبط الحاصل بين اكثر من وزارة معنية اذا كان هناك توجه الى تطبيق اقفال عام في البلاد. لا يعترض فهمي على مثل هذه الخطوة شرط ان يلتزم الجميع الاجراءات المعروفة، ولا سيما في المطاعم والمؤسسات الكبيرة. في خلاصة تجربته في الوزارة بعد نحو اربعة عقود امضاها في الجيش، يقول ان مجموعة من المافيات تتحكم بالبلد ومؤسساته، من صرافين غير شرعيين وغيرهم، والشرعيون لا يعملون كما يجب. ولا يمنعه ضميره العسكري وديبلوماسيته من القول ان نوابا وقضاة وضباطا متقاعدين ورؤساء بلديات يخالفون القانون. يروي انه عمل على إقفال مطعم بالشمع الاحمر في بيروت بسبب عدم التزام اصحابه قواعد مواجهة كورونا، وتلقّى هاتفه 61 اتصالا من قضاة ونواب وشخصيات لاعادة فتح ابواب هذا المطعم الذي عاد الى العمل بعد تدخل قاض كبير تصدى لقرار الداخلية!

واذا كانت عيناه تركزان على خطورة كورونا جراء التجمعات البشرية، فإنه يركز على الحد من انتشار الجائحة في السجون حيث بلغ عدد المصابين 389 سجيناً جرى وضعهم في اماكن خاصة تحسباً لانتشار العدوى في صفوف السجناء. وحصل تواصل اخيرا بواسطة محامين مع سعاة خير دفعوا الرسوم المالية المطلوبة لاخراج سجناء انهوا محكوميتهم وعددهم 30.

ويسجل فهمي للرؤساء الثلاثة أنهم لم يطلبوا منه اي امر مخالف للقانون. وعندما اشتكاه موظف في احدى الدوائر التابعة له في عين التينة تلقّى ردا قاسيا من الرئيس نبيه بري: “الوزير فهمي من الاوادم ولا يخالف القانون”. ثمة عشرات الطلبات تلقاها وهي مخالفة للقانون، منها إقدام مستشار كبير في السرايا على بناء خيمة كبيرة على شرفة منزله في قلب العاصمة، فعمد الى الطلب من اللواء عماد عثمان تفكيكها وهذا ما حصل. يقول: “بالنسبة الي سجلّي صفر مخالفات”. ولا يتساهل مع أقرب مقربيه.

يعمل ابنه علي في قطاع البناء، وقد قدَّم طلباً الى وزارة الطاقة لحفر بئر في بشامون، ولم يتدخل والده لدى الوزير ريمون غجر. ويتلقى اتصالات يومية من “القوات اللبنانية” الى “حزب الله” وسواهما، ولا يستجيب إلا لمن تنطبق عليه القوانين من دون التساهل والتراخي مع أحد، و”سأخرج من الوزارة كما دخلت”.

المصدر:
النهار

خبر عاجل