قد يكون انتظار نتائج الانتخابات الاميركية من اجل بت موضوع تاليف الحكومة اللبنانية من اكثر الامور تعبيرا في هذه المرحلة عن واقع ارتباط لبنان كساحة تجاذب وكورقة بايران واستخدامه من جانبها في حساباتها مع الانتخابات ومن سيأتي الى البيت الابيض المرشح الديموقراطي جو بايدن الذي تراهن ايران بقوة على وصوله او عودة الرئيس الحالي دونالد ترامب لولاية ثانية. فمن حيث المبدأ تسعى ايران الى ان تطمئن الى ما يمكن ان يحصل في هذه الانتخابات تحت طائل رهن لبنان ككل اكان تأليف الحكومة من اجل انقاذ البلد من المزيد من الانهيار او ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل والذي يعني الولايات المتحدة من زوايا عدة وذلك من اجل الاحتفاظ بقدرتها على توظيف هذه الاوراق المؤثرة في كباشها مع ترامب اذا عاد باعتبار ان بايدن لن يتسلم الرئاسة قبل كانون الثاني المقبل ولكن ايران ستكون اكثر ارتياحا. وهذا المؤشر خطير بالنسبة الى لبنان الذي تتسارع اموره اكثر نحو الانهيار فيما ينبغي ان يؤلف حكومة فاعلة من دون تلكوء .
فهو بادائه المستغرب بالنسبة الى الخارج وليس الى الداخل الذي بات معتادا على صلف الطبقة السياسية واستهتارها او لامبالاتها بما يعانيه اللبنانيون يعطي مؤشرات خطيرة الى الدول التي ابتعدت عن لبنان نتيجة لخضوعه للنفوذ الايراني كما هي حال الدول الخليجية بان الامور لم ولن تتغير في وقت قريب في الوقت الذي تبقي ايران لبنان ساحة للتجاذب والتوظيف وحتى المقايضة مع الولايات المتحدة الاميركية. اذ لم يطرأ في الايام الاخيرة وبين التوقعات التي سادت بسرعة تأليف الحكومة نهاية الاسبوع الماضي وهذا الاسبوع ما فرض الابطاء المتعمد او العرقلة في مسار التأليف باستثناء ان هناك الاعيب يخرجها اصحابها من اكمامهم من اجل التأخير في ظل اقتناع يصعب دحضه ان الامر يتصل ضمنا بالحسابات لدى طرف يتمتع بامتداد اقليمي وان حلفاءه يستندون الى ذلك من اجل العرقلة تحت شعار مطالبهم واطماعهم. ولو كان الامر معاكسا او انه لا يخضع لهذا الاعتبار لكانت الامور سلكت مسلكا اخر وبسرعة بعيدا عن الاستنزاف الحالي المفتعل بكل مستوياته.
ويبدو الامر بالنسبة الى مراقبين كثر كمن يتعلق بحبال الهواء بالنسبة الى الافرقاء الداخليين الذين يواجهون مأزقا خاصا بكل منهم بمن فيهم رئيس الجمهورية وتياره وكذلك بالنسبة الى الحزب حليفه ، لكن هذا لا يمنع عرقلة مسار محاولة اخراج لبنان من واقعه الانهياري لان الخضوع او اخضاع لبنان لمنطق ربطه بحسابات ايران وما تتوقعه تبعا لذلك يكشف مرة اخرى مدى الاستتباع الاقليمي لهذا العهد وعدم قدرته على الخروج من اطاره. وعليه فان اسئلة كبيرة تحوط بامكان تأليف الحكومة التي تواجه بحسب مصادر عليمة محاولات تشويه متعمدة من عدد من الافرقاء للمسار الذي يعتمده رئيس الحكومة المكلف على خلفية سعيه الى تأمين اعتبارين اساسيين: الاول ما يتصل بحصوله على رد فعل ايجابي من الرأي العام اللبناني لا سيما الشباب منهم او على الاقل رد فعل انتظاري يعطي فرصة للحكومة الجديدة التي يحتاج اليها لبنان بقوة .
والاعتبار الاخر هو الحصول على رد فعل ايجابي من المجتمعين العربي والدولي من خلال ملاقاة نصائحهما وتمنياتهما بالاصلاح بتركيبة وزارية ملائمة. لكن هناك كم من المتضررين الذين يستبقون الحكومة بتوقعات سلبية جدا من حيث اشاعة ان التأليف يتم على خلفية المحاصصة والتوافقات تحت الطاولة وتكرار الحكومات السابقة بحيث يبقى الموضوع رهنا صمود رئيس الحكومة المكلف ازاء التعقيدات التي يثيرها البعض والشائعات من جهة اخرى تحطيما في الحكومة قبل تأليفها . اذ يثير الاستغراب سعي من لم يسم الحريري لتأليف الحكومة ومن رفض تسميته وعمل على تعطيل ذلك ان يطالب بحصة وزارية في انفصام كلي لا سيما بالنسبة الى التيار العوني على خلفية ان الحكومة حكومة مهمة يريدها رئيس الحكومة المكلف ولا تمثيل حزبيا فيها فيما ان محاولة التمييز بين حصة رئيس الجمهورية وحصة تياره باتت مملة بعدما تماهى رئيس الجمهورية كليا مع مواقف تياره في السنة الاخيرة بعيدا عن رؤية شاملة مفترضة للبلد وكل افرقائه.
كما ان الاسئلة باتت تثار في موضوع متابعة المفاوضات حول ترسيم الحدود على خلفية ان التوقيت لاطلاق هذه المفاوضات والذي ارتبط بضوء اخضر ايراني ربطا للنزاع مع ترامب في حال اعادة انتخابه قد يشهد بدوره عرقلة عبر ما يراه كثر زرعا لمسمار التعطيل عبر رفع لبنان مطالبه الى حد يمكن ان يهدد هذه المفاوضات. فما دام لبنان مهددا بالفوضى والانهيار فان هناك مجالا للعب على هذه النقطة من اجل التوظيف او الاستثمار في واقع دفعه عن حافة الهاوية تحت وطأة حصول ايران على ما تريده من ضمن ابتزاز واشنطن او مقايضتها من اجل الحصول على مطالبها. ومع ان هذه النقطة ستكون قاتلة بالنسبة الى لبنان على صعيد اقفال الابواب امام استثمار ثروته النفطية وحصول اسرائيل على براءة ذمة دولية ازاء مقاربتها لكل ما يتعلق بلبنان ، غني عن القول ان لبنان سينحدر بقوة الى وضع يمكن ان يكون مخيفا على كل المستويات. ولا مجال في هذا السياق الرهان على القيمين على الامور باعتبار ان كل ما نالهم او نال معظمهم منذ انطلاق الانتفاضة في 17 تشرين الاول 2019 وصولا الى الكلام التوبيخي القاسي للرئيس الفرنسي امانويل ماكرون وكذلك الكلام التوبيخي للديبلوماسيين الاميركيين الكبار في الاطار نفسه لم يغير قيد انملة في مقارباتهم التقليدية للوضع في البلد.