الإقتصاد اللبناني بعد عام على الثورة

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1711

 

فيما أعلن صندوق النقد الدولي أن الركود العالمي هذه السنة لن يكون حاداً كما كان متوقعاً، شهد لبنان أقسى أزمة إقتصادية ومالية ومعيشية، لم يعرف مثيلا لها في الأعوام المئة الماضية. صحيح أن بوادر ومسببات الأزمة بدأت قبل أعوام وتفاقمت بحدّة خلال العام الماضي، إلا أن واقع الإقتصاد اللبناني في العام 2020 كان كارثيا. دخلت البلاد العام بعد ثورة شعبية واسعة أفلحت في إسقاط الحكومة، فيما كان الجميع في مأزق حيال تنامي الدين العام والعجز عن السداد، وتراجع النمو ليلامس الصفر، وهروب الرساميل والودائع، علاوة على وصول المالية العامة إلى الخط الأحمر. المؤسف وسط كل ذلك، أنه فيما المشكلة ماثلة في مكان واضح، كان ما وُصِف بالمعالجات يجري في مكان آخر، فلا يملأ خزانة ولا يوقف انهيارا. حتى المساعدات الأجنبية التي تُمثِّل حبل النجاة الوحيد، رُفضت لأنها كانت مشروطة بتحقيق إصلاحات بنيوية تضمن عدم تسرّبها إلى جيوب وحسابات الحاكمين. فأي وصف حمله الإقتصاديون لعام الجنون؟

 

في 2 أيلول 2019، وكانت مؤشرات الإقتصاد موغلة في الإنحدار، والعقوبات تشتد على كل من وما له علاقة بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إنعقد في القصر الجمهوري لقاء حواري إقتصادي تجنّب المشاركون فيه وضع الإصبع على الجرح، باستثناء رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي قدّم ورقة إصلاحية مفصّلة لحظت إجراء الإصلاحات ووقف الهدر والتهريب وضبط الإنفاق العام، ما لم يؤخذ به، وما ثَبُتت صوابيته في ما بعد. كان الوضع يومها في ذروة التأزم الإقتصادي والإحتقان الشعبي، وإلا لما انفجر الشارع في 17 تشرين الأول. وبما أن الحلول لذاك الواقع لم تكن حلولا ناجعة أو نافعة، إستمر الإنحدار ليُقفل العام 2019 على أسوأ حال إقتصادية لم يشهد لبنان مثيلا لها حتى في الحرب، وتمثلت بانهيار قيمة الليرة تجاه الدولار وفقدان السيولة واحتياطات مصرف لبنان، الأمر الذي أدى الى حجز المصارف للودائع.

 

المصارف من حل إلى مشكلة

في الفترة اللاحقة مباشرة للإحتجاجات الشعبية تذرّعت المصارف بالخوف من أن تطالها أية إعتداءات من المحتجين الغاضبين، فمددت فترة الإقفال. وتكررت بيانات جمعية مصارف لبنان التي تعلن «أن أبواب المصارف ستبقى مقفلة، في انتظار إستتباب الأوضاع العامة في البلاد. وحرصاً على أمن العملاء والموظفين وسلامتهم، ومن أجل إزالة آثار الأضرار التي أصابت بعض المراكز والفروع المصرفية». هذا الإقفال كانت له سلبيتان مؤثرتان: توقّف تمويل الإقتصاد المنهك أصلا، ودفع المودعين إلى مزيد من الخوف على أموالهم والتصميم على سحبها حالما تفتح البنوك. وشكّل هذا التصميم لدى المودعين سببا كافيا لإطالة فترة الإقفال إلى أبعد أمد ممكن.

وفيما أتاحت فترة الإقفال والبلبلة، الفرصة أمام عدد من المتمولين والسياسيين والمصرفيين والمودعين الكبار لتهريب أموالهم إلى خارج لبنان، ما أفقد المصارف كتلا مالية كبيرة هي في أمس الحاجة إليها لتلبية الطلب المتزايد على السيولة. وبعد فتحها مرغمة أمام الزبائن، وقعت المصارف أمام ضغط هائل من السحوبات حاولت التخفيف من وطأتها قدر الإمكان. لكن في النتيجة وبعد فترة غير طويلة تبيّن أن أكثر من عشر مليارات دولار قد هجرت الخزائن المصرفية لتتوزع بين البنوك الأجنبية وخزائن البيوت. ومن هناك بدأت رحلة ندرة الدولار الأميركي واستطرادا إرتفاع سعره في مقابل الليرة اللبنانية.

وفي تلقف لمزيد من التدهور، وبهدف إنقاذ حكومته من السقوط تحت ضغط الشارع، أعلن الرئيس الحريري بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء في القصر الجمهوري بتاريخ 22 تشرين الأول 2019، «أنه تمّت الموافقة على مشروع قانون موازنة بعجز 0.6 في المئة من دون أية ضرائب». وأعلن عن «حفض موازنة مجلسي الجنوب والإنماء والإعمار بنسبة 70 في المئة، وخفض رواتب الوزراء والنواب بنسبة 50 في المئة، وتأمين 160 مليون دولار لدعم القروض السكنية، وإعداد مشروع قانون لاستعادة الأموال المنهوبة، وقانون لإنشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد، والغاء وزارة الإعلام، ووضع خطة لإلغاء المؤسسات غير الضرورية، وإقرار المشاريع الأولى من سيدر لخلق فرص عمل خلال السنوات الخمسالمقبلة». لكن الجميع كان يعلم أن هذه الوعود قسم منها غير قابل للتنفيذ عمليا، وقسم آخر لن تسمح القوى الفاعلة بتنفيذه. وهذا ما حوّل تلك الوعود الفضفاضة إلى قنبلة دخانية لم تحجب رؤية الواقع عن المحتجين، فاستمروا منتفضين حتى استسلم الحريري للواقع واستقال في 29 تشرين الأول 2019.

 

الدولار شخصية العام

تحوُّل حكومة الحريري إلى تصريف الأعمال عطّل أية إمكانية مفترضة للإصلاح، وشكّل عامل ضغط إضافيًا على العملة الوطنية التي راحت قدرتها تتآكل أكثر فأكثر. ولم يبقَ من أمل إلا بحكومة إنقاذ. لكن تشكيل حكومة جديدة في مطلع العام 2020 برئاسة حسان دياب، بثوب إختصاصيين وتحت عنوان الإنقاذ، لم يمنحها حقًا هذه الصفة، فكانت حكومة اختصاصيين في الشكل غير متفلتة من سطوة حزب الله في الواقع، ما أفقدها القدرة على الإصلاح. وراحت الأزمة تزداد استفحالا: تحديد سقف السحوبات بالدولار ب 200 دولار في الأسبوع ثم بمئة حتى نفاذه، ما استدعى إصدار تعميم عن مصرف لبنان حمل الرقم 151قضى بالسماح للعميل المودعة أمواله بالدولار، بأن يسحبها بالليرة اللبنانية وفق سعر صرف المنصة الإلكترونية أي بـ3900 ليرة للدولار.على أن لا تتعدى تلك السحوبات كحد أقصى مبلغ 5000 دولار شهرياً. وكان يُفترض أن ينتهي مفعول التعميم الصادر في 21 نيسان الفائت، في 21 تشرين الأول الحالي. لذلك، أصدر مصرف لبنان في 9 تشرين الأول الحالي تعميماً يحمل الرقم 572، ويقضي بتمديد العمل بالإجراءات الإستثنائية حول السحوبات النقدية من الحسابات بالعملات الأجنبية، المرفقة بالتعميم رقم 151، وذلك لمدة 6 أشهر جديدة.

وسط هذا الترنّح الإقتصادي تكفّلت جائحة كوفيد-19 بالإطباق على ما تبقّى من نبض، فاضطرت البلاد إلى الإقفال التام بما في ذلك مطار بيروت.. فكانت رصاصة الرحمة التي أجهضت أي أمل بالتغيير، وشغلت ما للحكومة من قدرة، وهيأت الناس للهجرة التي سجّلت بعد فتح المطار أعلى نسبة منذ العام 1990 نتيجة حربي التحرير والإلغاء.في هذه الأثناء كانت الحكومة بدأت مفاوضات مع صندوق النقد الدولي تعلق عليها أمل كبير قبل أن يتبيّن أن لبنان يريد مالا ولا يريد إصلاحات.. فتوقف التفاوض وبالتالي الأمل بالمساعدات. وقال يومها وزير المال غازي وزني: «المفاوضات مع صندوق النقد الدولي معلقة بانتظار بدء لبنان تنفيذ الاصلاحات بأسرع وقت ممكن، والتوافق على مقاربة الأرقام بشكل موحّد. ولكن إلى حين استئناف جولات المفاوضات سأبقى في تشاور وتواصل مستمر مع الصندوق».وكانت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، أكدت أنه «لا يوجد سبب حتى الآن لتوقُّع حدوث انفراج للأزمة الإقتصادية في لبنان».

وزاد في عرقلة المفاوضات، الخلاف وتباين الأرقام بين وزارة المال ومصرف لبنان. وبسبب هذا الخلاف فشلت الأطراف وتم تجميد المفاوضات. وقالت كريستالينا غورغيفا «إن جوهر المشكلة هو معرفة مدى إمكان الإتفاق على أهداف مشتركة تسمح بحزمة من التدابير الصارمة والضرورية». ترافق ذلك مع استقالة اثنين من كبار المسؤولين الماليين من أعضاء الفريق المفاوض مع الصندوق، هما المستشار هنري شاوول، وألان بيفاني المدير العام لوزارة المالية على مدى السنوات العشرين الماضية. وبحسب تقرير لموقع فرنسي، زاد قلق اللبنانيين بسبب هاتين الإستقالتين.

أما اللافت والأخطر فتجسّد في عجز لبنان ولأول مرّة في تاريخه عن سداد قرض دولي بقيمة مليار و200 مليون دولار. فقد صوتت حكومة دياب بالإجماع، في آذار الماضي، على التخلف عن سداد مستحقات الديون السيادية، ما عقّد المأزق المالي للدولة، وأدّى إلى تهاوي الليرة بنحو 40 في المائة منذ مطلع العام.

 

اللبنانيون بين الفقر والهجرة

بين هذه المؤشرات السلبية والتأزّم السياسي ورواج عمليات تهريب الدولار إلى سوريا والمضاربة على الليرة اللبنانية محليا، وقع اللبنانيون ضحية كبرى بين كمّ هائل من الضحايا في كل اللقطاعات والإتجاهات. فلبنان الذي بنى مجده وأيام عزه على السياحة والخدمات وجنّة المودعين، بات بلا سياحة فأقفلت فنادق كبرى وخرجت من السوق، وبلا ودائع، فقط ينشغل قطاعه المصرفي المتداعي بتوالي السحوبات وتسكير الحسابات. حتى القطاع العقاري الذي غالبا ما كانت تُشكّل الأزمات فرصة له فينهض بعدها، لم تعد تلك الفرصة قائمة فتبع غيره من قطاعات إلى قعر الجمود. ومثله سائر القطاعات، لتنشط ظاهرة إقفال المؤسسات وشطب الوظائف ودفع آلاف العاطلين عن العمل إلى منازل تحوّلت مجرّد أمكنة للحجر والفقر لدى أكثر من من نصف اللبنانيين.

وفي محصّلة غير رسمية توقعت مؤسسات عالمية إرتفاع حجم البطالة في لبنان إلى مليون عاطل عن العمل قبل نهاية 2020. وذلك من دون بروز أي مؤشر إلى تحسن الوضع ما يخفف من حجم الكارثة. وعلى سبيل المثال كان الإعلان عن صرف نحو 850 موظفا من مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت في أيار الماضي، صدمة في المجتمع اللبناني. وذلك بعد تحذير آخر أعلنته نقابة أصحاب المستشفيات الخاصة داعية إلى الحصول على مستحقاتها من الحكومة ومهددة بالإقفال.

ووفق الدراسات والإحصاءات التي أعدتها «الدولية للمعلومات»، تم صرف أكثر من 430 ألف موظف من أعمالهم بين حزيران 2019 وحزيران 2020، بينما أغلقت نحو 15 ألف مؤسسة أبوابها من مختلف القطاعات، إضافة إلى أن عددا كبيرا من المؤسسات التي استمرت بعملها عمدت إلى تخفيض رواتب موظفيها بنسبة تراوح بين 20 في المئة و80 في المئة، وهؤلاء يقدر عددهم بـ 212 ألف شخص، وهم أيضا من المرجح أن يفقدوا أعمالهم.

 

إنفجار المرفأ رصاصة الرحمة

كل هذه المساوئ ما كان ينقصها كارثة بحجم انفجار مرفأ بيروت ليكتمل الإطباق على ما تبقّى من اقتصاد. فعندما بدأت الأرقام تتوالى عن تراجع واردات مرفأ بيروت سواء بسبب التهرّب الجمركي أو بسبب تراجع الإستهلاك وبالتالي الإستيراد، لم يكن أحد من المراقبين يتوقّع أن يصل الأمر إلى ما وصل إليه من توقّف تام للمرفأ بعد تفجير الرابع من آب. فمرفأ بيروت يصل لبنان بالعالم الخارجي عبر 300 ميناء عالمي. وبلغ إجمالي إيراداته نحو 200 مليون دولار سنة 2019 مقارنة بـ313 مليون دولار سنة 2018. وهذه الإيرادات بدأت بالتراجع اللافت منذ العام 2016. وتواصلت بالإنخفاض وما تزال.

وعلاوة على توقّف العمل في المرفأ لفترة وتضرره في شكل كبير، فهو يخسر أهميته ودوره شيئا فشيئا لصالح موانئ أخرى منافسة على المتوسط أبرزها ميناء حيفا. وكان الإنفجار في مرفأ بيروت قد تسبب بكارثة شملت آلاف الشقق السكنية والمحلات في العاصمة والضواحي. ويحتاج المرفأ والأبنية المحيطة بحسب التقديرات إلى 3.5 مليارات دولار لإعادة البناء، فيما يصل مجموع الخسائر من جراء الإنفجار إلى ما بين 11 و14 مليار دولار.

ولم تقتصر تداعيات الإنفجار الأحجية على الضحايا البشرية والخسائر المادية، بل أدت ارتدادات الزلزال إلى استقالة عدد من الوزراء بداية ثم استقالة رئيس الحكومة ومثول اللبنانيين مجددًا وخلال عام واحد أمام حكومة تصريف أعمال هي أصلا كانت عاجزة عن تصريفها حتى بصلاحياتها الكاملة.

وبهدف إحداث ثغرة في هذا الجدار، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مبادرة متكاملة تقضي بتشكل حكومة اختصاصيين محايدين وإجراء إصلاحات، يليها تقديم مساعدات عاجلة للبنان لتجنيبه السقوط القاتل. لكن حتى هذا الأمل الأخير تبدد. لم يشأ ما يُعرف بمحور الممانعة أن يُفرج عن الوطن الجريح فيتم نقله إلى غرفة العناية للمعالجة، بل يتشدد في الإحتفاظ به رهينة لاستكمال مشروعه الإقليمي. وهكذا سقطت المبادرة وسقط ما كان يؤمل أن يتأمن من مساعدات وهبات.

 

فقدان السلع يسبق وقف الدعم

أثبتت هذه الوقائع أن حكومة الرئيس دياب لم تكن حكومة الإنقاذ المرتجاة بل كانتكلاسيكية وعاجزة، ليس فقط عن مداواة الجرح بل عن مجرد الإشارة إليه. وذلك لأن أي إصلاح في لبنان يجب أن يبدأ بوقف التهريب وبالمبادرة فورا إلى إجراء إصلاحات هيكلية ومكافحة الفساد، وهذا ما لا يريده السياسيون ولا يسمح به حزب الله لأنه يمس جوهر قدرته على البقاء.

ونتيجة لكل ذلك، واصل سعر صرف الليرة الإرتفاع، مسجلا سقوفا لم يبلغها في تاريخ لبنان، حيث تم التداول بها في السوق السوداء بما يزيد على الـ9000 ليرة للدولار الواحد، لتعود إلى الإنخفاض والتأرجح قليلا بحسب مقتضيات المضاربين وأحوال السوق، من دون أية سيطرة للبنك المركزي أو الحكومة على عملية الإرتفاع. وهذا ما دفع أسعار السلع إلى الصعود في شكل فاق القدرة الشرائية للمواطنين، فانزلق المزيد منهم إلى ما دون خط الفقر. وقدّرت الدراسات أن نسبة 55 في المئة من اللبنانيين باتت تحت خط الفقر. وكشفت أن «العدد الإجمالي للفقراء أصبح يفوق 2.7 مليون شخص بحسب خط الفقر الأعلى (أي عدد الذين يعيشون على أقل من 14 دولاراً في اليوم)، وهذا يعني عملياً تآكل الطبقة الوسطى بشكل كبير، وانخفاض نسبة ذوي الدخل المتوسط إلى أقل من 40 في المئة من السكان».

وفي مثال على ذلك، أبلغ رئيس الحكومة حسان دياب صحيفة واشنطن بوست في أيار الماضي أن «كثيرا من اللبنانيين توقفوا عن شراء اللحم والفاكهة والخضار، وأنهم قد يجدون صعوبة في تأمين الخبز». وترافق ارتفاع أسعار الأغذية إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف خلال شهور قليلة مع زيادة كبيرة في تقنينالتيار الكهربائي، بسبب عجز الدولة عن تمويل استيراد الوقود المستخدم في توليد الطاقة. أو تهريب ما توفّر إلى سوريا عبر معابر غير شرعية. وفي ظاهرة مستجدة، يلجأ كثير من اللبنانيين إلى بيع مقتنياتهم وأثاث منازلهم لتأمين الطعام بسبب الأزمة الاقتصادية، ويقوم آخرون بعرض بعض الأغراض على مواقع التواصل الإجتماعي لمقايضتها بمواد غذائية. من هنا عمد مصرف لبنان إلى دعم السلع الأساسية كالوقود والأدوية وسلة من المواد الغذائية، لكن هذا الدعم لن يدوم إلى ما بعد نهاية العام بعد وصول احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية إلى حدوده  الدنيا.

 

لماذا وإلى أين؟

المعلوم أن لبنان في قائمة الدول الأكثر مديونية في العالم. وتقترب ديونه في الوقت الحاضر من 90 مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من 180 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. كما أن تقرير منظمة الشفافية الدولية الأخير صنفه من بين الدول الأكثر فساداً في العالم، إذا أحتل المرتبة 137 بين 180 دولة على مؤشر الفساد. ومنذ اندلاع الإحتجاجات، تفاقم الوضع المعيشي وأضحت البلاد أمام كارثة اقتصادية تهدد اللبنانيين بفقدان ما تبقى من وظائفهم ومستوى عيشهم.

عوامل عديدة ساهمت في هذا القصور والوهن في الاقتصاد اللبناني ما أدى إلى انفجار الأزمة. فكيف يلخصها الإقتصاديون؟

يُرجِع المتابعون لمسار الإقتصاد اللبناني هذا الإنحدار نظريا إلى عوامل عديدة أبرزها:

اعتماد لبنان على الإقتراض الخارجي للتمويل.

بناء الاقتصاد بالدرجة الأولى على قطاع الخدمات (83 في المئة من الناتج الإجمالي) والسياحة وتدفق الرساميل الخارجية.

تراجع القطاعات المنتجة كالزراعة والصناعة وكذلك التصدير.

تحول لبنان إلى دولة إستهلاكية نموذجية تمولها البنوك.

عدم إصلاح الإدارة بشكل بنيوي، إذ بقيت خاضعة للمحاصصة والمحسوبية، مما كرس الفساد.

تراكم الدَّين الداخلي والخارجي تدريجيا مع خدمة دين بفوائد مرتفعة.

زيادة العجز في المدفوعات بشكل سنوي.

أما الأسباب المباشرة التي عجّلت بتفاقم الأزمة الراهنة، فيحصرها الخبراء بالنقاط التالية:

تراجع إحتياطات البنك المركزي.

إنخفاض الودائع العربية والأجنبية.

تقلص تحويلات المغتربين.

ربط المانحين الدوليين الوفاء بالتزاماتهم بإجراء الإصلاحات.

تأثيرات قانون قيصر المفروض على سوريا.

تأثيرات أزمة كورونا منذ بداية عام 2020.

وعند سؤال «المسيرة» خبراء الإقتصاد عمّا يمكن أن يلخصوا به الوضع خلال عام على الثورة، أمكن تحديد خلاصة واحدة وهي عدم وضوح الرؤية من جهة وسيناريوهات أفضلها قاتم لمستقبل الوضع، من جهة ثانية. ويؤكد ذلك كلام غورغيفا عقب انفجار مرفأ بيروت والذي اعتبرت فيه أن «لبنان يعاني من تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة، تفاقمت بجائحة كورونا، وبشكل أكبر بفعل غياب الإرادة السياسية لتبني وتنفيذ الإصلاحات المهمة التي لطالما طالب بها الشعب اللبناني»، معتبرة أن «هذه هي اللحظة الملائمة لكي يتوحد صناع السياسات اللبنانيين لمعالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحادة».

وتابعت: «الصندوق مستعد لمضاعفة جهوده لكن نحن بحاجة إلى وحدة الهدف في لبنان – نحن بحاجة إلى أن تقف جميع المؤسسات معاً وبعزم لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة».

وفي هذا السياق يرى الإقتصاديون أنه «يتعين استعادة ملاءة الموارد العامة وصلابة النظام المالي. وما لم يكن الدين العام مستداماً، فسوف يرزح الجيل الحالي والأجيال القادمة من اللبنانيين تحت وطأة مزيد من الديون تفوق قدرتهم على السداد. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يتسم النظام المالي بالملاءة – فالذين سبق أن استفادوا من العائدات المفرطة في السابق يجب أن يتشاركوا أعباء إعادة رسملة البنوك لضمان حماية مدخرات الغالبية العظمى من المودعين اللبنانيين العاديين. كما ينبغي وضع ضمانات وقائية لتجنب استمرار خروج رؤوس الأموال ما يمكن أن يزيد من ضعف النظام المالي. وكذلك إرساء شبكة موسعة للأمان الاجتماعي من أجل حماية فئات الشعب الأكثر هشاشة. فلا تُترك هذه الفئات تتحمل تبعات الأثر المدمّر للأزمة».

ولذلك فعلى الحكومة اللبنانية وكخطوة أولى تأمين نحو 5 مليارات دولار من المساعدات والقروض لتمويل شراء القمح والوقود والأدوية والوفاء بالتزاماتها المحلية والخارجية خلال الأشهر الست المقبلة. وبالتوازي مع ذلك لا بد من البدء سريعا في  إصلاح مؤسسات القطاع العام وإطلاق قوى الإبداع والإنتاج في القطاع الخاص من أجل خلق فرص العمل التي تساعد على تقليص البطالة. هذه الخطوات ينبغي أن تحصل في إطار إصلاحات جريئة تتخللها برامج طموحة تؤسس لتخليص لبنان من الاعتماد الأعمى على الخارج والعودة إلى تطوير قواه الذاتية في الإنتاج الزراعي والصناعي والسياحة والخدمات المالية واستغلال احتياطياته من الغاز والنفط.

من جهتها، رأت وحدة الاستخبارات الاقتصادية في الـ «إيكونوميست» (EIU) أن الاقتصاد اللبناني يوغل في الإنكماش. وبالتالي سيؤدي ذلك إلى سرعة إغلاق الشركات وتتقلص الجباية على الرغم من رفع معدل الضرائب.علاوة على ذلك، سيزداد التضخم في 2020، بمتوسط 16.8 في المئة. وردّ التقرير هذا التراجع إلى انخفاض متوقع في قيمة الليرة اللبنانية، وما يترتب على ذلك من تأثير على أسعار الاستيراد. كذلك انخفضت الصادرات 7.3 بالمئة في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2020، وفقا لأحدث إحصاءات التجارة الخارجية الصادرة عن «مصلحة الجمارك اللبنانية». وهذا فضلا عن معدل نمو سلبي بلغ 5.6 في المئة في 2019 وسط توقع انكماش اقتصادي في 2020 بنسبة 25 بالمئة.

وبحسب الإقتصاديين يضع هذا الواقع لبنان في مهب ثلاث أزمات متزامنة:

الأولى، أزمة في ميزان المدفوعات والعملة، حيث يُتوقّع أن تصل الفجوة بين عرض الدولار الأميركي والطلب عليه إلى 8 مليارات دولار في العام 2020. وفي حال عدم ردم هذه الفجوة، سيواجه الاقتصاد استحالة في سداد الدين الخارجي، ونقصاً في السلع المستوردة وقد بدأ ذلك يظهر في فقدان أصناف وسلع عديدة أبرزها الدواء، ومزيد من التراجع في قيمة الليرة، وكذلك مزيد من الإنكماش الإقتصادي.

والثانية، هي أزمة في المالية العامة. إذ بعد بلوغ العجز 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2019، بدأت الإيرادات الحكومية بالإنهيار تحت وطأة الركود والأزمة المصرفية. كما يتهاوى الإنفاق بالمعدّل الحقيقي (أي الإنفاق المحسوب بعد التضخم). ويُتوقّع أن تكون البلاد أمام عجز أساسي يصل إلى 3 مليارات دولار (باستثناء مدفوعات الفوائد) في العام 2020. وفي ظل الوضع الراهن، سيصعب تمويل هذا العجز، وطبعا يستحيل الإقتراض بعد عجز الحكومة اللبنانية عن سداد الديون.

أما الثالثة، فهي أزمة النظام المصرفي الذييعاني فعلياً من عدم الملاءة والشحّ في السيولة. وعلى الرغم من الإجراءات التي وُضِعت مؤخراً لتقييد حركة الأموال والتعاملات المصرفية، تشهد المصارف إقبالاً كثيفاً على سحب الودائع. في ظلّ تجارب عالمية مشابهة، يُقدم المصرف المركزي عادةً على التدخّل وتزويد المصارف بالسيولة الضرورية. بيد أن مصرف لبنان يجد نفسه مقيّداً باحتياطيات محدودة من الدولار الأميركي، وكذلك بسبب مخاوف من فائض في السيولة بالليرة اللبنانية من شأنه إضعاف العملة المحلية أكثر.

ولذلك فستترتب عن المسار الحالي، بحسب الإقتصاديين، نتائج كارثية. إذ سيؤدي التأخير في المعالجة إلى تعاظم التفكك، وإلقاء العبء على كاهل الأشخاص الأقل قدرة على تحمّله. والمؤسف أن لا المعالجات الإقتصادية حاصلة ولا الواقع السياسي مساعد. فلبنان اليوم في خضم أزمة إقليمية وتجاذبات دولية وسط ضعف وانحلال في سلطاته الرسمية وتقييدها من قوى الأمر الواقع، ما يجعلها أضعف من أن تواجه هكذا أزمة. وعليه فالتداعيات ستكون أقسى مما نحن عليه اليوم إذا لم يظهر حل ناجع أو دعم دولي، هو معلق اليوم وبعد إفشال المبادرة الفرنسية، بين الإقدام المتعثّر والإحجام المتردد على ضوء المصالح والمتغيرات.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل