لماذا؟

لا يزال المراقبون السياسيون حتى هذه اللحظة حائرين بما طالبت به القوات في 2 أيلول 2019 من قصر بعبدا يوم أعلنها بكل صراحة رئيس الحزب سمير جعجع أن المطلوب في هذه المرحلة “حكومة اختصاصيين مستقلين” لتستطيع انتشال لبنان من أزمته الاقتصادية. مع العلم أن القوات كانت جزء أساسيا من السلطة السياسية آنذاك، إذ كانت ممثلة في الحكومة. وما هي إلا أيام حتى قامت ثورة 17 تشرين، وانسجامًا من القوات مع قناعاتها ومبادئها، تقدم الوزراء القواتيون باستقالاتهم من الحكومة لتستقيل حكومة الحريري بعد استقالاتهم استجابة لمطالب الناس.

والمفارقة في هذه الواقعة، أن الناس التي ثارت طالبت بما طالبت به القوات قبلها، أي حكومة اختصاصيين مستقلين بعيداً من الطبقة السياسية الفاسدة التي أوصلت البلاد حيثما وصلت إليه اقتصاديا ونقديا واجتماعيا وحتى سياسيا. لتعود بعد سنة من انطلاقة الثورة، الوجوه ذاتها، التي طالبتها الناس بالتنحي، إلى المشهد السياسي. ما لم يُفْهَم حتى هذه اللحظة بعد هو هذا اللهث واللهف وراء السلطة من بعضهم في حين أن القوات كانت في صلب هذه السلطة وتخلت عنها. لماذا لا تسمع هذه الطغمة أصوات الناس؟ لماذا لم تستجب مع مطالبها منذ سنة حتى اليوم؟

الإجابات بسيطة حول هذه التساؤلات المشروعة. حب السلطة للسلطة هو أساس قاعدة عمل بعضهم. فالسلطة هي مسؤولية، والمسؤولية ليست للوجاهة بل للخدمة. وهذه هي قاعدة العمل القواتية، وكل مَن يلاقي القوات للعمل وفق هذه القاعدة فهو مرحب به. أما مَن يريد من القوات أن تعمل وفق شروط وقناعات لا تتوافق مع قناعات وشروط الناس فبكل بساطة لن يلاقي أي استجابة. وما مِن مصالحة مع الذات القواتية أكثر من قاعدة العمل وفق “القطعة”، إذ عارضت القوات حيث وجب وأثنَت حيث كان العمل استجابة لمطالب الناس. ليس لشيء، إلا لأن القوات هي من صلب هذه الناس، وهي ثورتهم إن كانوا في الشارع، وثورتهم في المؤسسات متى أرادوا لصوتهم أن يعلو من داخل هذه المؤسسات الدستورية.

أما بالنسبة إلى مطلب الانتخابات النيابية المبكرة، فهذا المطلب لم يأتِ استجابة لمصالح خاصة نادت بها القوات، إنما استجابة لواقع شعبي جارف تجلى في 17 تشرين، وحتى قبل هذا التاريخ لحظة الامتعاض الذي بدأ الناس بالتعبير عنه في الشوارع والساحات، حتى ولو أتى هذا التعبير بشكل مواقف فردية. فالأصيل هو الناس والوكيل هم مَن انتخبوهم ليتولوا إدارة شؤونهم. فهذا هو المبدأ الطبيعي للديمقراطية التمثيلية. إلا أن الطبقة السياسية اللبنانية، ونتيجة لوهج السلاح غير الشرعي الذي يملكه فريق السلطة ابتدعت الديمقراطية التعطيلية لتعطيل المؤسسات وبقوة الدستور.

والأكثر من ذلك، الوقاحة التي تطالعنا بها هذه السلطة من خلال رفض مطالب الناس أولا بعدم تأليف حكومة اختصاصيين مستقلين، وثانيًا بعدم تحقيق الانتخابات النيابية المبكرة بعدما سحب الأصيل أي الشعب، الوكالة من البديل أي النواب. والأدهى يكمن في الأخطر بعد، إذ نشطت التسريبات عن مشاريع تمديد للمجلس النيابي عوض تقصير ولايته. وهذا يعني الانقلاب الكلي على الديمقراطية وبفعل قوة امتلاك الأكثرية بالقانون والدستور.

لذلك كله، المطلوب اليوم واحد، وهو عودة جبهة السيادة والحرية والاستقلال على أعتاب الاحتفال بالاستقلال السابع والسبعين لتستعيد مبادرة زمام تحرير الديمقراطية الحقيقية واستعادتها من تحت وهج السلاح غير الشرعي ومفاعيله الذي تُرجِم أكثرية نيابية باتت هي الأخرى غير شرعية مثل السلاح الذي أنتجها بفعل قوة إرادة الناس الحقيقية. وخطأ أحلاف انتخابات 2018 يجب تصحيحه وليس تعديل القانون، ليستطيع الاستجابة لمطالب الناس الحقيقية. وأي التفاف على هذه المبادئ الدستورية سيأخذ البلد إلى المجهول، في ظل قوانين دولية ملحوظ فيها البند السابع، وتحت وطأة عقوبات تفرض على الفاسدين بتهم واضحة نتيجة لممارساتهم، وليس كنتيجة سياسية كما يدعون. ولن نسمح باغتصاب الوطن من هؤلاء كلهم مهما كان الثمن الذي سندفعه كأحرار لأن الحرية أغلى من الروح.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل