
اشتداد وطأة الأزمة المالية والنقدية وبلوغها مندرجات خطرة مع التراجع المضطرد لاحتياطي مصرف لبنان بالعملات الصعبة، خصوصاً الدولار، يدفع العلاقة بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف، أكثر فأكثر، إلى دائرة التوتر والتشنج والتصعيد. فمنسوب فقدان الثقة بين الطرفين يزداد، وصولاً ربما إلى مواجهة غير محسومة المعالم حتى الساعة.
قد تكون من المرات النادرة التي يتوجه فيها سلامة إلى المصارف بلغة حازمة، تحمل تهديداً مبطناً، بدا واضحاً في إعلانه الأخير، الذي أكد فيه أن “على المصارف أن تطبق بدقة التعاميم، وحان الوقت لتتحمل المصارف والمساهمون مسؤولياتهم بإعادة تكوين التزاماتهم، وزيادة رساميلهم بنسبة 20% وإعادة الأموال المحوّلة بنسبة 15 الى 30%، وإعادة تكوين نسبة 3% في حساباتهم لدى البنوك المراسلة، وتلك التي ستفشل سيستحوذ عليها مصرف لبنان، فالمصرف المركزي وضع القوانين والتعاميم لتطبق بدقة وليس لوضعها في الأدراج”.
في انتظار رد جمعية المصارف، المتريثة حتى الساعة، يؤكد رئيس مؤسسة “جوستيسيا” المحامي بول مرقص، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “حاكم البنك المركزي صاحب الصلاحية التنظيمية بإصدار التعاميم الملزمة للمصارف بموجب قانون النقد والتسليف. بالتالي من حق الحاكم الطلب إلى المصارف بزيادة رأسمالها بنسبة 20% وعليها التنفيذ. أما المصرف الذي قد لا يلتزم لأسباب خاصة أو لعدم القدرة، فيتيح القانون ذاته للحاكم إيجاد الحلول المناسبة لوضعيته”.
ويشير مرقص، إلى أن “مصرف لبنان يشدد على إعادة تكوين المصارف لسيولة بنسبة 3% في حساباتها لدى البنوك المراسلة في الخارج، لأن هذه البنوك ترفض فتح اعتمادات لاستيراد السلع الضرورية وتفرض تأمين سيولة نقدية بالدولار والعملات الصعبة في حسابات المصارف الخارجية. وكذلك لإجراء الحد الأدنى الضروري من التحاويل إلى الخارج من قبل المودعين لحاجات ضرورية”.
ويشدد، على أن “ما تقدم به حاكم مصرف لبنان يقع من ضمن صلاحياته، ما عدا المسألة المتعلقة بإعادة الأموال المحوّلة إلى الخارج بنسبة 15 الى 30%”، موضحاً أن “هذه النقطة تبقى في إطار حث أصحاب المصارف والمساهمين الكبار، انطلاقاً من مسؤولياتهم تجاه مؤسساتهم المصرفية المتعثرة، لكنها ليست زجرية بمعنى الفرض”.
ويلفت، إلى أن “النظام الاقتصادي اللبناني الحر وقانون النقد والتسليف يتيحان حرية حركة الأموال وتنقلها، في الداخل والخارج تحت سقف القانون. وهي نقطة بمثابة ضغط معنوي على المصارف وعملائها والمساهمين الكبار تصب في الإطار العام للسعي إلى إعادة بعض الأموال المحوّلة”.
من جهته، يعلّق الخبير المالي والاقتصادي في الأسواق المالية العالمية، دان قزي، على ” تقديرات سلامة حول وجود 10 مليارات دولار مخزنة داخل البيوت، مما يستوجب وضع آلية تنظيمية جديدة لإعادة الثقة بالمصارف”.
ويوضح قزي، لموقع “القوات”، أن “مصرف لبنان يملك داتا المعلومات حول حجم الأموال المسحوبة بالدولار من المصارف، قبل الأزمة الأخيرة. لكن يجب لفت الانتباه إلى أن الدولار المسحوب من المصارف من قبل المتمولين الكبار والأغنياء هو غير الدولار المسحوب من قبل صغار المودعين”.
ويضيف، “الغني يمكنه الاحتفاظ بمليون ومليوني دولار وأكثر في خزنة داخل منزله. أما متوسطو الحال وطبقة الموظفين والعمال، يسحبون دولاراتهم للاستفادة من بعض الحوافز أو لتأمين حاجياتهم الاستهلاكية الأساسية والضرورية. مثلاً، قبل تقييد حركة سحب الأموال بالدولار، وحين كان تقريباً بحدود 3000 ليرة لبنانية، قام الكثير من صغار المودعين بسحب دولاراتهم لتسديد قروضهم المصرفية على دولار 1507 ل.ل، بالتالي هذه دولارات تم تدويرها في الاقتصاد والأسواق ولم تُخزَّن في البيوت”.
ويشير قزي، إلى أن “هناك جزءاً آخر من هذه الأموال تم تحويلها عشية أو غداة ثوة 17 تشرين إلى خارج لبنان، من قبل بعض الذين يتمتعون بـ(سوبر واسطة)، إذ قاموا بإنشاء حسابات Fresh money وحولوا دولاراتهم إلى الخارج”، مضيفاً أن “رقم 10 مليارات دولار ربما يكون صحيحاً تقنياً، بمعنى خرج من المصارف ومن الـATM قبل وقف السحب، لكنه عملياً لا يقترب من الواقع وقد يكون مبالغاً به. وبرأيي، الدولارات الموجودة في المنازل لا تتخطى المليارين”.
أما إعلان سلامة عن إعداده لمشروع عملة لبنانية رقمية خلال سنة 2021، تساعد على تطبيق SYSTEM CASHLESS، مما يتيح تحريك سوق النقد محلياً وخارجياً، في إطار استعادة الثقة بالمصارف، فيلفت قزي إلى أن “أموالنا كلها باتت رقمية. فهل يستطيع من يملك حساباً بالدولار، أن يسحب دولاراته؟ الجواب طبعاً معروف، لا. بالتالي أموالنا سبق وتحولت إلى عملة رقمية، بل أكثر، عملة وهمية”.
ويعتبر، أن “العملة الرقمية باتت واقعاً قائماً منذ ما بعد 17 تشرين، ولا داعي لننتظر إطلاق عملة لبنانية رقمية في العام 2021. وهذه العملة الوهمية الرقمية، كما أطلقتُ التسمية عليها منذ سنة تقريباً، تسمَّى “Lollar” ويُرمز إليها بـ”lol”. فالمودع الذي يملك حساباً وهمياً بالدولار بمبلغ محدد بالأرقام، بات بعد 17 تشرين يملك حساباً وهمياً رقمياً باللولار”.
ويلفت قزي، إلى أن “الليرة في طريقها للسير على خطى الدولار ـ اللولار لتصبح (Bira)، أي (Bank Lira). فحين لم يعد بإمكان المودعين سحب ودائعهم بالليرة اللبنانية من المصارف مع تقييد السحوبات بسقوف محددة، يعني أنها تحوّلت فعلياً إلى عملة رقمية نسمّيها (Bira). وهذه العملة الرقمية قيمتها الفعلية أقل من العملة الحقيقية”، إذ إن الـ(Bira) تساوي حالياً أقل بـ7% من قيمة الليرة الحقيقية”.
ويوضح، أن “من يملك حساباً مصرفياً بمليار ل.ل مثلاً ويحتاج إلى سحبها بالكامل، لا يمكنه ذلك بسبب تقييد السحوبات بالليرة أيضاً، فماذا يفعل؟ يلجأ إلى تحرير شيك مصرفي بمليار ل.ل لأشخاص بوضعية مرتاحة يتاجرون بالشيكات، فيشترونه ويودعونه في حساباتهم، لكنهم يدفعون نقداً لصاحب الشيك ـ المودِع 93% من قيمته. وذلك على غرار ما نعرفه بالنسبة إلى الدولار ـ اللولار، إذ وصل الحسم من قيمة الشيكات بالدولار عند دفعها نقداً لمن يحتاج سيولة بالدولار إلى 65% من قيمتها الفعلية”.
ويرى قزي، أن “حاكم مصرف لبنان يتعمد تقنين حجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، لأنها ستتحوّل عملياً، عاجلاً أم آجلاً، إلى دولار، وليس بالضرورة بشكل مباشر عبر تهافت من يملك مبالغ بالليرة لشراء الدولار لانعدام الثقة بالمستقبل، لكن بمختلف الطرق غير المباشرة. فمن يدفع بالليرة مثلاً في المطعم أو السوبرماركت أو للميكانيكي وكل ما عدا ذلك، ستتحول لاحقاً حكماً إلى دولار لشراء المواد الأولية والسلع والقطع الكهربائية وغيرها عبر استيرادها من الخارج، نظراً لكون لبنان يستورد بما يفوق الـ90% من حاجاته الاستهلاكية”.
