
اولا: لبنان امام مرحلة جديدة قوامها استهداف الطبقة السياسية الحاكمة والممسكة بمقدرات البلاد، ساعة الخيارات الكبرى حانت كما ساعة الكشف عن الحقائق وتداعي البناء الفاسد الذي امسك برقاب اللبنانيين ومنع عنهم الاصلاح والمساعدات الدولية على قاب قوسين، وفقا لمعطيات تدرس في كواليس عواصم القرار الدولي الكبرى.
وليس بالصدفة ان تتعثر عملية تأليف الحكومة في لحظة تقاطع مصلحة الجمود وحبس الانفاس بين اللاعبين الاقليميين والدوليين بانتظار مائدة الشرق الاوسط التسووية. فلا إيران مستعدة لبذل المزيد من الجهود لتسهيل عملية التأليف ولا الولايات المتحدة في المرحلة الانتقالية مهتمة بتسريع ولادة حكومة، ولا العرب، وخصوصاً الخليجيون مستعدون لتقديم اي دعم للبنان طالما الا مؤشرات او بوادر على فك ارتباط اي تأليف بتأثيرات حزب الله وايران في المشهد اللبناني الداخلي.
وما يزيد صعوبة التأليف، ان 4 من القوى الاساسية التي تتعاطى مباشرة في التأليف (التيار الوطني الحر، وحركة امل، وتيار المردة، وحزب الله) باتت من خلال رؤسائها او رموزها مدرجة على قائمة العقوبات الأميركية، ما يقضي كليا على اي امل بإنتاج حكومة ثقة ومقنعة لجلب المساعدات المالية الدولية الى لبنان واتمام الاصلاحات الامر الذي اوصل رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الى المأزق الكبير: اما الاعتذار وبالتالي القضاء على مستقبله السياسي، واما الاستمرار بالتأليف وفق شروط حزب الله وبالتالي القضاء على المبادرة الفرنسية وادراجه هو ايضا على لائحة العقوبات الأميركية، واما رفض التأليف وفق شروط الحزب والعهد وبالتالي الاعتكاف في بيته الى حين جلاء المعادلات وتبدل المعطيات السياسية او حصول تغيير كبير في المنطقة يتأثر به لبنان ايجابا باتجاه حكومة انقاذ.
العقوبات على الوزير باسيل ضاعفت كما كان متوقعا تشدده والتصاقه بحزب الله، ما يعني على المستوى الاستراتيجي امرين اساسيين:
1 – الحاق التيار الوطني الحر نهائيا بمركب قوى 8 اذار وحزب الله في مقدمته، بعد أشهر لا بل سنوات طويلة من محاولات التيار ورئيسه التأكيد اعلاميا وسياسيا على التمايز ورفض ادراج التيار ضمن فريق 8 اذار، الامر الذي ستكون له تداعيات كبيرة على مستقبل باسيل السياسي ومستقبله ومستقبل التيار الوطني مسيحيا وشعبيا وسياديا.
2 – مزيد من ابتلاع الحزب للعهد في ثلثه الأخير، ما سيسرع من وتيرة عزل العهد دوليا وعربيا وزيادة الضغوط عليه طالما بقي في احضان حزب الله وطالما بقي الكباش الاقليمي قائما بين معسكر ايران ومعسكر الخليج والعرب. بغض النظر عن دور وموقع واشنطن وخياراتها بموضوع الاتفاق النووي نظرا للضبابية التي تسود نتائج الانتخابات الرئاسية الى الان والتي لا تسمح برسم صورة متكاملة للسياسة الاميركية بعد 3 تشرين الثاني، اقله الى حين تاريخ 20 كانون الثاني 2021 التاريخ الذي يعلن الكونغرس رسميا فوز اي من المرشحين برئاسة الولايات المتحدة بعد الاطلاع على تصويت المندوبين المتمم بتاريخ 14 كانون الاول 2020 بحسب احكام الدستور الاميركي.
ثانيا: انطلاقا من هذا الواقع المأساوي، تتحرك باريس مجددا باتجاه لبنان في ما يشبه المحاولة اليائسة الأخيرة، بعدما اعاد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تقييم المبادرة والخطوات والاخفاقات، وبعد اجراء التعديلات في الفريق الرئاسي الخاص بلبنان واحلال باتريك دوريل مكان ايمانويل بون، بهدف مد يد العون للحريري العالق بين الخيارات الصعبة المشار اليها اعلاه وانقاذ لبنان بالحد الادنى الممكن قبل هبوب عاصفة اقليمية فاصلة قد يكون لبنان اولى ضحاياها.
باريس لا تزال تراهن على امكانية فصل الملف الاقتصادي والمالي والمساعدات والاصلاحات عن الشق السياسي وتأثيراته، وفي الوقت نفسه هي متخوفة من تطورات دراماتيكية في المنطقة قد يقدم عليها الرئيس دونالد ترمب المهزوم انتخابيا ان لم تفض الطعون التي قدمها فريقه ضد نتائج ولايات اساسية الى قلب المعطى وتعيده الى البيت الأبيض. امام هذا الرجل شهران حاسمان يبقى خلالهما رئيسا للولايات المتحدة بكامل الصلاحيات التي أكد منذ ايام عليها بإقالته وزير دفاعه وتعيين اخر مقرب منه ووعد وزير الخارجية مايك بومبيو بانتقال سلس لولاية ثانية.
باريس بتحركها المتجدد تدرك ان لبنان لن يقوى بعد اليوم على انتظار مزيد من الاشهر اقتصاديا وماليا واجتماعيا ومعيشيا، وقد سجلت الارقام والمؤشرات كلها معدلات قياسية في البطالة والفقر وافلاس الشركات والمؤسسات وانهيار القطاعات الانتاجية وانهيار اخر معاقل الدولة، لذلك تعتبر ان الوضع في لبنان وصل الى الحضيض والى درجة خطورة تنبئ بسقوطه المريع في عصفورية جنونية من الانهيارات التي ستفجر السلم الاجتماعي والاهلي.
لكن السؤال الكبير يبقى، هل تستطيع باريس هذه المرة النجاح في مبادرتها المتجددة حيث فشلت المرة السابقة، بدء من امكانية المساعدة على انتاج حكومة ذات مواصفات دولية وعربية؟
الخيارات باتت ضيقة: فإما حكومة مستقلة وبعيدة عن تأثيرات حزب الله وقوى السلطة واما لا حكومة وبالتالي لا انقاذ للبنان، اي المصير الاسود وفتح الباب امام خيارات صعبة ليس اقلها استراتيجية القمع (بكسر القاف والميم)، إذ يصار الى تجميع وضرب الطبقة السياسية الحاكمة اكثر ومحاصرتها دوليا بعقوبات من القساوة بمكان تؤدي الى انفجار الاوضاع الداخلية الى ان تأتي الحلول الجذرية من بوابة الترتيبات الاقليمية ومائدة التفاوض واعادة رسم خريطة المنطقة وتوازنات المرحلة الجديدة اعتبارا من منتصف 2021 ( مع محطتي انتخابات ايران وسوريا وما سيحصل قبل واثناء وبعد من تداعيات).
مؤتمر الدول المانحة المقرر انعقاده نهاية الشهر الحالي فرصة ذهبية اخيرة عاجلة وقريبة لانتشال لبنان عبر حكومة الحد الادنى من المصداقية والثقة والا الاستعداد للعاصفة الهوجاء.
