إستقلال ثالث أم حلم مئة عام؟

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1711

تحل ذكرى الإستقلال هذا العام في ظل حالة جدلية غير مسبوقة لا تقتصر على الإستقلال بحد ذاته شكلاً ومضموناً، بل تنسحب على جملة عناوين ترتبط بشكل أو بآخر بالإستقلال، من قبيل الحياد والنظام والثورة، وكأن هذا الإستقلال بات واقعًا منقوصًا أو معتورًا إذا لم يقترن بأكثر من تغيير، سواء كان جذريًا أو سياسيًا في تركيبة النظام أو في تموضع لبنان حيال الخارج، أو عبر نسف المشهد السياسي برمته وصولاً إلى دولة مدنية علمانية بالكامل.

ثمة تساؤلات كبيرة حول مشروعية، أو على الأقل، حول  صدقية الإحتفال بالإستقلال، لأن الإستقلال يعني بكل بساطة دولة مكتملة السيادة لا ترتبط بأي محور خارجي ولا تكون رهينة أي فئة داخلية تستقوي بالسلاح، علمًا أن لا إستقلال فعليًا لأي دولة عندما تعاني أزمات مالية واقتصادية واجتماعية خانقة، تضطرها للخضوع أو لمجاراة أو لمداراة الدول والصناديق المانحة، أو تلجأ السلطة فيها إلى بازارات سياسية مع دول أو جهات أو محاور خارجية لتعويم نفسها بحجة الحفاظ على البلاد وإنقاذها من السقوط.

 

اليوم يواجه لبنان سلسلة تحديات بعضها كياني، فالمسألة لم تعد محصورة بعنوان الإستقلال وهو عنوان يغشاه الضباب والتساؤلات، بل باتت تتصل بحوهر وجود لبنان وعلة هذا الوجود، وبمغزى الميثاق الوطني الذي يسعى البعض إلى تحويله مجرد شماعة أو قميص عثمان «عالطالع والنازل» وبشكل إستنسابي فاضح، على غرار إعتبار إعتراض الثنائي الشيعي على قرار معيّن مسّاً بالميثاقية، أو على غرار إعتبار المقاومة بندًا ميثاقيًا، أو على غرار إعتبار مقاطعة التيار الوطني للحر لاستشارات التكليف ثغرة ميثاقية.

لا يمكن فهم إستقلال لبنان بمعزل عن الميثاق الوطني الذي يمثل التجلي الثابت لعقد الشراكة التاريخي بين المسيحيين والمسلمين، والذي قدم الطرفان فيه تنازلات معبّرة إن بالنسبة للمسيحيين الذين تخلوا عن لبنان الصغير المتمثل بمتصرفية جبل لبنان ذات الغالبية المسيحية الساحقة، لمصلحة لبنان الكبير الذي ضم مناطق ذات أغلبية إسلامية ساحقة، وإن بالنسبة للمسلمين الذين تخلوا عن خيار الوحدة العربية. وفي ذلك إسقاط لمنطق العدد وحسابات الغلبة بالأرقام، لمصلحة التنوّع والتوازن على قاعدة المناصفة واحترام العيش معاً بمعزل عن الحسابات ومعادلة الأكثربة والأقلية. فما كان يجوز زمن الغالبية المسيحية حتى مع تأسيس لبنان الكبير بدفع من البطريرك الماروني الياس الحويك، يجب أن يبقى جائزًا وقائمًا ومقبولا زمن إنتقال الغالبية عددا للمسلمين. وهذا ما يميّز لبنان عن سواه، لا سيما وأن سيد بكركي آنذاك لم يمتثل للنصائح الفرنسية بالإكتفاء بلبنان الصغير كي يبقى وطناً بطابع مسيحي لا تهدده العوامل الديموغرافية لمصلحة المسلمين، بل إنه أصر أيضًا على تكريس لبنان كدولة مدنية من خلال الدستور، وهو ما حصل بنسبة كبيرة، فقد رفض أن تكون الكنيسة كمؤسسة في إطار الدولة حتى ولو من خلال إعتبار الكهنة موظفين على أن لا تتدخل الدولة في أي تعيينات أو قرارات إدارية، فيما أصر بعض الشخصيات المسلمة، وعارضهم بذلك بعض آخر، على اعتبار الإفتاء والمحاكم الإسلامية على اختلافها من ضمن القطاع العام.

 

إن جوهر الميثاق الوطني يضم في طياته مبدأ الحياد ولو أن هذا المبدأ لم يُذكر بالإسم ولم يثبت في الدستور وفي وثيقة الوفاق الوطني. فعندما قال اللبنانيون لا شرق ولا غرب، متخلين بالتوازي عن الإنتداب الفرنسي وحماية الأم الحنون وعن الوحدة مع سوريا، فإنهم بذلك أكدوا على مبدأ الحياد، بما يكفل للوطن النموذج فرصة الإستقرار والتطور تحت مظلة الوحدة الوطنية وأولوية المواطنة.

وحتى في الحروب العربية ـ الإسرائيلية، تجنب لبنان خوضها عسكريًا، لكنه تضامن على مختلف المستويات الأخرى مع أشقائه العرب وكان مستعدًا للدفاع عن سيادته في وجه أي إعتداء، ولم يكن الموقف  في حينه حيادًا، بل حماية للبنان الذي كان وحده من دول الطوق الذي لم تحتل إسرائيل أرضه إلا لاحقا وردا على العمليات الفدائية الفلسطينية التي حوّلت الجنوب الى أرض مقاومة لا سيما بعد تكريس بعض منها تحت مسمّى فتح لاند.

ولعل ما يعزز مبدأ الحياد هو تكريس لبنان في متن الدستور وطناً نهائياً لجميع اللبنانيين، وهذه العبارة لم تكن عبثاً، بل جاءت ردًا صريحًا ولو غير مباشر على محاولات ضم لبنان الى دول أخرى أو إعتباره إقليما أو جزءًا من كل، أو تغليب بعض اللبنانيين ولاءهم لدولة أخرى على ولائهم للبنان، وهذا في جوهره أحد أعمدة الحياد.

 

أما في موضوع الدعوات إلى تغيير النظام تحت عناوين أو شعارات مختلفة كالمؤتمر التأسيسي و تعديل الميثاق والدستور واعتماد المثالثة بدلاً من المناصفة ولو ضمناً، فهي كلها تندرج في إطار ضرب إستقلال لبنان وعلة وجوده كوطن متمايز عن أقرانه في المنطقة، لا سيما وأن أبرز الدعاة إلى هذه التغييرات الأقرب إلى البدع، هم من ينتمون إلى محور الممانعة ويريدون إبقاء لبنان ساحة للمشروع الإيراني، علمًا أن «حزب الله» يرتبط عمليًا ووجوديًا بالجمهورية الإسلامية كما اعترف بذلك جهارًا أمينه العام، فضلاً عن إرتباطه على مستوى العقيدة الدينية بولاية الفقيه وما تعنيه بخلفيتها السياسية ربطاً بمشروع الدولة الإسلامية بقيادة الولي الفقيه.

إن الإستقلال اللبناني هو اليوم في مخاض جديد، وقد ينتج الإستقلال الثالث في رأي البعض، بعد الأستقلال الأول عن الإنتداب الفرنسي، والإستقلال الثاني عن الوصاية السورية، لكن الأكيد أن المسيرة شاقة جدًا، لأن «الثالثة ينبغي أن تكون الثابتة»، إذ لم يعد في وسع اللبنانيين أن يتحمّلوا المزيد من التجارب المؤلمة والخيبات المريرة، بعد حرب ال75 وما سبقها مع السلاح الفلسطيني، وبعد مرحلة السلم الأهلي المفخخ في ظل الوصاية السورية والنظام الأمني المشترك الذي كرّس التمييز وحاول إهماد شعلة الحرية والإستقلال في النفوس، ورسّخ مفهوم المحسوبية والفساد، وأورث البلاد وصاية بديلة هي وصاية السلاح بحجة المقاومة، علمًا أن مبررات المقاومة إنتفت عمليًا بعد 20 أيار 2000، الأمر الذي شجع البطريرك مار نصرالله بطرس صفير على إطلاق النداء الشهير في 20 أيلول 2020، وليدخل التاريخ كبطريرك الإستقلال الثاني. فعسى يكون تحرير الشرعية والحياد الذي طالب به البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، في نداء 5 تموز 2020، الوجه المشع للإستقلال الثالث أو تكريسا للإستقلال الثاني بأبعاده الوطنية والإقليمية والدولية الناجزة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل