هل نحن أحرار أم عبيد؟

بقلم الطبيب الاختصاصي في الأمراض العقلية والنفسية الدكتور أنطوان سعد

ما رأي العلم بما يجري في وطن منهك بالتبعية الطائفية والحزبية… حرية انتماء أم عبودية تبعية… هل أنت أيها المواطن “الإنسان” صاحب القرار؟

يصف العالِم ” أبراهام ماسلو ” الحاجات الانسانية التي تساعد الكائن البشري على النمو، منذ الولادة حتى النضوج الكامل من خلال خمسة مستويات، ابتداء من الحاجات الغرائزية الجسدية والمادية العابرة للبقاء على قيد الحياة، وصولا الى تحقيق الذات عبر الوجود اللامادي المستمر متخطيا بُعدَي الزمان والمكان.

ما يستوقفني بعد المرحلة الثانية المعروفة بالحاجة الى الحماية والأمان، هي المرحلة الثالثة المعروفة بحاجة الانتماء والحب (تحديدا). أما الانتماء فهو من الحاجات الأساسية للوصول الى هوية ذاتية لدى المراهق بشكل مرحلي لمساعدته في متابعة طريق حياته، وصولا الى المرحلة الرابعة المتعلقة بالقيمة الذاتية . فهذه الأخيرة مرتبطة بشكل جذري بسابقتها أي بمرحلة الانتماء، فتكون إما سُفلية المستوى أوعُلوية، بحسب المرجع المصدّر لها. إذا صدرت من الخارج كانت سفلية أما اذا كان مرجعها من الداخل فكانت عُلوية. فما هو العنصر الأساسي الذي يميز بينها؟ إنّه “الوعي”.

“الوعي” المترافق مع تجارب الحياة يؤدي بصاحبه الى ادراك الوجود، انطلاقا من الذات، كمصدر للحدث مما يمكّن الانسان من المعرفة بأنّ له جانبًا من المسؤولية في ما يجري من حوله في هذا العالم، وبالتالي تأثير واضح له (أي الإنسان) على مجرى الأحداث، فيستعمل حينها معظم طاقاته الذاتية لصناعة قدرة التغيير من أجل عالم أفضل. هذا ما يُعرف بتقدير الذات العلوي. (وهؤلاء هم الأقلية).

أما غياب الوعي فيؤدي بصاحبه الى الاعتقاد من خلال تجارب الحياة المختلفة الى إدراك الوجود عبر النظرة الى الاحداث الخارجية كمسبّب، وهو في ذاته كنتيجة، فيصبح مصيره مرتبط بالآخرين (اي الخارج)، ما يجعل من الآخر المرجع الوحيد لاستمرارية وجوده. فيفقد حريته ويسلك طريق العبودية من حيث لا يدري. فيجعله مشاركًا غير مباشر في دمار ذاته. هذا ما يُعرف بتقدير الذات السفلي المرتبط بالتبعية الوجودية وصولا الى الادمان والتعلق الاعمى بمرجعه الخارجي، وبالتالي فقدان أي قدرة على محاسبة المرجع الخاطئ كونه جزء لا يتجزأ منه. (وهؤلاء هم الأكثرية لقلة الوعي في معرفة الذات)، وفي هذه الحالة يحدث التسيّب والفلتان لغياب المحاسبة. فيستشري الفساد بأشكاله المتنوّعة. وهذه من أبرز الحالات التي نواجهها في مجتمعنا اللبناني اليوم.

للانتماء حدود هي حرية الفكر المقدسة للفرد التي تحميه من الاستسلام الذهني الكامل للخارج والمعروف بالعبودية العمياء. العبودية في السياسة هي تبعية عمياء تصل بصاحبها (أي التابع) الى عدم تمكنه من رؤية الأخطاء المُرتكبة من قبل المتبوع حتى ولو كانت واضحة وجليّة للعيان… لماذا؟ لأننا نرى عبر البرمجة الفكرية للدماغ (غسل الدماغ) وليس عبر النظر الحسي للعين. فإذا أدركت يوما عبر الوعي أنّك مصاب بمرض العبودية العمياء لمرجع ما، ما حجب عنك رؤية الحقيقة فعليك أخذ أحد الخيارين الآتيين من أجل تغيير واقعك المتأزم:
1 – السعي لتغيير المسار العام للمجموعة التي تنتمي اليها انطلاقا من القاعدة حتى رأس الهرم، أو تغيير القيادة عبر الانتخابات إذا أمكن.

2 – أما الخيار الثاني والأسهل فهو تغيير الذات من الداخل عبر التحرر من الشبكة العصبية المبرمجة والموجّهة لسلوكك العاطفي فترى الحقيقة كما هي، فتصبح أنت المدخل الأساسي للتغيير المنشود من حولك لأن الحقيقة تتناغم مع قيمك ومبادئك الوطنية لما فيه مصلحة الشعب بأكمله.

أخيرا، العصفور لا يبني عشّا في القفص حتى لا يورث أبناءه العبودية، فلمَ معظم البشر تختار العبودية؟ أمن أجل الشعور فقط بالانتماء والهوية؟ ألَستَ أنت أيّها المواطن أعظم من عصافير السماء جميعها!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل