أربع سنوات من الكوارث والفوضى والأزمات

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1711

من حرب الجرود إلى ترسيم الحدود

أربع سنوات من الكوارث والفوضى والأزمات

 

غالبًا ما يقتصر عمر العهود في لبنان على السنوات الأربع أو الخمس الأولى، باعتبارالسنتين الأخيرتين من العهد تقتصران تقليديًا على تصريف الأعمال. هذا في الغالب، أما العهد الحالي فقد كبّلته الأزمات بحيث أمكن وصف سنواته بأنها اقتصرت على عددٍ محدودٍ من المشاريع والمحطات، وأن السنتين المتبقيتين منه ربما تكونان الأكثر شللًا، نظرًا لاستفحال الأزمات وتراكم التعقيدات وتداخلها، وسط غيابٍ تامّ للحلول الناجعة. صحيح أن العهد أتى على وقع أزمات متراكمة، وورث كمًّا هائلًا من التعقيدات، لكنّ الصحيحَ أيضًا أن شعاره قبل انطلاقه كان «الإصلاح والتغيير» و»حاسبوني عندما أصل إلى الحكم». حتى أن أزمة الفراغ الرئاسي بين العامين 2014 و2016، كان هو أبرز أركانها وأحد المستفيدين منها، باعتبار أن أطرافًا أخرى وفي طليعتها حزب الله جنت كثيرًا من ثمار تلك الأزمات. فحفلت السنوات الأربع بتأخير ولادة الحكومات وسرعة سقوطها، وبالتحركات الشعبية المتقطعة والمتنامية على خلفية تردي الوضع المعيشي، إلى أن انفجرت ثورةً عارمةً في منتصف العهد، فقصمته. وإن وُصفت الإنتخابات النيابية على القانون النسبي بأنه نقطة مضيئة، إلا أنها ظلت من غير وهجٍ وسط سطوة قوّة الأمر الواقع وتعطيل المؤسسات…

 

بعد انتهاء عهد الرئيس ميشال سليمان امتد الفراغ الرئاسي لأكثر من سنتين، فشكّل بحد ذاته أزمة دستورية ناتجة عن أزمات سياسية، مولِّدة لمجموعة أزمات مالية واقتصادية ومعيشية. يومها كانت العقوبات تشتد ضيقًا على المصارف والتحويلات، والأعمال بدأت تتعثّر وتتراجع. شكّل هذا الواقع الضاغط، مع تقاطعاتٍ إقليمية ودولية، نقطة التقاء ودفع باتجاه إنهاء الفراغ، فكان التوافق-التسوية على انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية، مع تحديد نقاطٍ لبرنامجٍ إنقاذي، أقله في ما تضمّنه اتفاق معراب. لكن حسابات حقل التسوية لم تنطبق على واقع بيدر الحكم، فكان ما كان من السنوات العجاف.

 

2016: رئاسة ووعود

في 31 تشرين الأول من العام 2016، تم انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية في جلسة ثانية حضرها 127 نائبًا من أصل 128، بأكثرية 83 نائبا مقابل 36 ورقة بيضاء وثمانية أصوات ملغاة. الجنرال الذي بات رئيسا، خرج إلى الناس بخطاب قَسَم ضمّنه وعودا زاهية وثقة عالية بتحقيق الأمنيات وتأكيد التوقعات. ولكن بعد التجربة، تبيّن كم أن الوعود كانت بعيدة عن التطبيق. كانت المصاعب كبيرة، زادت نسبة الهجرة والجريمة، تراجع حجم المال والأعمال، وانهار الاقتصاد وبقيت السيادة مفقودة ونزل الناس الى الشارع في ثورة لم تنجح في إسقاط السلطة.

في كانون الأول من العام 2016 وكان العهد لم يُقلع بعد، والحكومة لم تباشر العمل، تعرّض الجيش اللبناني لاعتداء في بقاعصفرين من مجموعات مسلحة. وبغض النظر عن حجم الإعتداء إلا أنه كان مؤشرا لاضطراب الوضع العام ولثقل المهمّة، ما يتطلّب جهدا إستثنائيا للنجاح بها وقيادة السفينة فعلا إلى بر الأمان. وبعد ولادة حكومة الرئيس سعد الحريري ونيلها الثقة، عادت موجة الإعتداء على المصارف، والتي استمرت لسنوات، في صراع تداخلت فيه القضايا الحياتية بالمصالح السياسية. ومع أن هذه الحكومة كانت من ضمن ما اتُفِق عليه في التسوية الرئاسية، إلا أن الرئيس عون قال إنها ليست حكومة العهد الأولى، باعتبارها نالت الثقة من مجلس نيابي مُمدَّد له ومطعون في شرعيته. (المجلس نفسه الذي انتخب العماد عون رئيسا). ولذلك فقد بدت تلك الحكومة متقبّلة واقع أنها انتقالية لحين إجراء انتخابات نيابية تفرز مجلسا جديدا وحكومة قادرة.

 

2017: المنطلق المتعثّر

ما ميّز العام 2017، هو إقرار مجلس النواب قانون الإنتخاب على قاعدة النسبية في 15 دائرة ومع صوت تفضيلي واحد، وهو ما اعتُبر مكسبا للمسيحيين ونجاحا للتعاون في ما بينهم في القضايا الوطنية والوجودية الكبرى. فانطلق التحضير للإنتخابات، ليَليها بالأهمية إقرار الموازنة بعد 12 عاما من الإنفاق على القاعدة الإثني عشرية، وإقرار سلسلة الرتب والرواتب لموظفي القطاع العام. وإثر ذلك تقدّم عشرة نواب بالطعن بقانون الضرائب لتمويل السلسلة. وحصلت تحركات مطلبية تزامنا مع الجلسة التشريعية لمجلس النواب. وارتفع صوت الإقتصاديين محذّرين… اليوم يُذَكِّر هؤلاء بما نددوا به يومها، سواء لناحية انعكاس إقرار السلسلة من دون ضوابط، على المالية العامة والإقتصاد، أو لناحية إعداد موازنة لا تلحظ ضبط النفقات ووقف الهدر وفرملة تنامي الدين العام. ويضيفون: لو تم الأخذ بذلك يومها لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من كوارث وانزلاقات نحو المجهول.

هذه المؤشرات المقلقة قذفت لبنان إلى المرتبة 136 على مؤشر الفساد من أصل 176 دولة لحظها التقييم في صيف العام 2017. طلائع الوهن بدأت من هنا، فتفشّى الفساد أكثر بدل أن ينحسر. ومع أنه توغّل في كل مؤسسة ومرفق ودائرة، إلا أنه كان أكثر بروزًا وحدّةً في ملف الكهرباء. هذا الملف الذي كلف الخزينة وحده أكثر من 40 مليار دولار خلال عقدين، أي أقل بقليل من نصف الدين العام. من هنا كان تركيز وزراء «القوات اللبنانية» عليه بقوّة، ولمّا لم يلقَ سعيهم التجاوب المطلوب، عقدوا مؤتمرا صحفيا تطرقوا فيه الى مسألة البواخر وما دار حول كلفتها وحول خطة الكهرباء من لغط ظهرت حقائقه في ما بعد.

أما الحدث المفاجئ الكاسر لنمطية الأحداث خلال العام، فكان إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري، في تشرين الثاني، استقالته من المملكة العربية السعودية. مع ما رافق ذلك من مواقف متضاربة، وصولا إلى عودته إلى لبنان وتريثه، ثم العودة عنها، من غير أن تنجلي علانية أسباب وظروف تلك الخطوة وما أحاط بها.

في تلك الفترة زمنيا، وفي المملكة السعودية مكانيا، برز حدث آخر لافت في معانيه وأبعاده، هو الزيارة التاريخية للبطريرك مار بشاره بطرس الراعي إلى أرضالحرمين الشريفين ولقاء الملك سلمان بن عبد العزيز. وقد حملت الزيارة الكثير من الدلالات لناحية العلاقة بين المملكة ولبنان، أو لناحية التطورات الداخلية فيها.

وفي ذلك العام أيضا وافق مجلس الوزراء على التجديد لرياض سلامة حاكما لمصرف لبنان بالاجماع. وتم إنجاز الإتفاق على قانون انتخاب جديد يقوم على النظام النسبي. كما تم تمديد ولاية البرلمان 11 شهرا.

ولم تقتصر الأحداث الجسام على السياسة والإقتصاد. فالأمن الذي لطالما كان مهتزّا على خلفية الإضطرابات في سوريا ومشاركة «حزب الله» فيها مع ما يستجلب ذلك من تداعيات على الداخل اللبناني، اهتز بقوة في صيف العام 2017 بعد سلسلة عمليات أمنية لحركات أصولية انتشرت على الحدود اللبنانية الشرقية مع سوريا. وفي 19 آب بدأ الجيش اللبناني عملية عسكرية في منطقة الجرود القريبة من الحدود تلك، لإخراج تنظيم «الدولة الإسلامية» من الأراضي اللبنانية بعد استهدافه مواقع التنظيم المتطرف بالمدفعية الثقيلة والطائرات… حقق الجيش إنتصارًا على تلك الجماعات، لكنه لم ينتصر في الإبقاء على احتفاله بالنصر، فاضطر بعد تدخلات إلى إلغاء الإحتفال الذي كان مقررًا في ساحة الشهداء.

ومن خارج الحدود، برز صدور بيان عن إجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب في القاهرة، يصف «حزب الله» بالإرهابي. وقد اعتُبِر ذلك موقفاً متقدماً من الحزب وسلاحه، إذ كانت الدول العربية تتجنّب أو تتريّث في إعلان تصنيف «حزب الله» بأنه إرهابي.

 

2018: إنتخابات و… كوارث

نجم العام 2018 كان إجراء الإنتخابات النيابية التي حصلت في 6 أيار. ويعتبر المراقبون أن هذا الإنجاز ربما يكون الوحيد للعهد، وسط كمٍّ هائل من ممارسات التشتّت والتردّد وسوء الأداء. ويلفتون إلى أن ذلك ليس ذمّا أو تجنيا، بل توصيف لواقع أثبتت الأيام والسنوات اللاحقة أنه صحيح. أجريت الإنتخابات النيابية تلك بعد انقطاع قسري دام تسع سنوات، تم خلالها التمديد للمجلس النيابي ثلاث مرات في الأعوام 2013 و2014 و2017، وقد أجريت في كل المحافظات في يوم واحد على أساس القانون النسبي واحتساب الصوت التفضيلي. فكانت المرة الأولى التي يُعتمد فيها القانون النسبي في الإنتخابات النيابية في لبنان. ووُصِفت تلك الإنتخابات بأنها كانت الحدث السياسي الأبرز الذي طبع العام 2018، بالاضافة إلى ما لحق بها من تكليف الرئيس سعد الحريري تأليف الحكومة والتي طال أمد تشكيلها بسبب إرتفاع وتيرة المحاصصة والتجاذب على الحقائب الدسمة. ولكن، هل كانت هذه حكومة العهد الأولى؟ في الشكل نعم، يقول المراقبون، إنما في الواقع لا. فقد توالت الحكومات حتى اعتذار مصطفى أديب ولم تتجسّد في واحدة منها المواصفات التي أعطيت لتلك الحكومة الموعودة.

سياسيا أيضا، وفي سلسلة المصالحات التي قام بها رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع شهدت سنة 2018 مصالحة «تاريخية» بينه وبين رئيس تيار «المرده» سليمان فرنجية. وقد ساهمت هي الأخرى في تبريد الأجواء في المناطق المسيحية كما على المستوى الوطني. ويعلّق سياسيون اليوم بأن هذه المصالحة وعلى الرغم من أنها لم تتضمّن اتفاقات مكتوبة وموقّعة، أبدت ثباتا وحرصًا جليلًا من الطرفين على احترام مبادئ الإختلاف وتنظيم الخلاف وحصره في الإطار السياسي من دون نزوله إلى الشارع.

على صعيد آخر، وبعد قرار مجلس وزراء الخارجية العرب في العام 2017، اعتبرت المملكة العربية السعودية «حزب الله» منظمة إرهابية عالمية بجناحيه العسكري والسياسي. وصدور عقوبات أميركية وخليجية على الأمين العام للحزب حسن نصرالله ونائبه نعيم قاسم و8 قياديين آخرين.

أما مرسوم التجنيس الذي وقّعه رئيس الجمهورية ميشال عون وتبيّن أن فيه أسماء لغير مستحقين وفيه صفقات مشبوهة وشوائب وثغرات، فقد اعتبرهالبطريرك الماروني بشاره الراعي مخالفا للدستور في مقدمته، وطالب بتصحيحه وعدم السير به كما هو. لكنه طوي في العلن ومشى في السر.

إقتصاديا، تميّزالعام بانعقاد مؤتمر روما 2  لدعم الجيش اللبناني والأجهزة اللبنانية. ومؤتمر «سيدر» في باريس. وفاق مجموع القروض الموعودة في المؤتمر لدعم لبنان، الـ11 مليار دولار. وبما أن الدول المانحة والمقرضة اشترطت إجراء إصلاحات في هيكلية الدولة المترهلة بحيث تتضمّن قبل كل شيء وقف الهدر والتهريب والتوظيف العشوائي والصفقات على حساب المالية العامة، فإن قروض مؤتمر «سيدر» لم تُصرف بعد ولم يستفد لبنان منها بدولار واحد. حتى الفرصة التي لاحت مع مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الشهر الماضي، والتي تضمّنت تشكيل «حكومة مهمة» تقوم بالإصلاحات، لم يُكتب لها النجاح.

هذا الشلل أو الفشل في السياسة الإقتصادية، وتراكم الأزمات وضيق الحال، أدّت مجتمعة إلى ما يمكن وصفه بكارثة إجتماعية، وهي توقُّف القروض السكنية بسبب شح الموارد وعجز المصرف المركزي عن تلبية الطلب المتزايد. أهمية هذا الأمر أن تداعياته لا تطال فقط طالبي القروض من الشباب المقبلين على تأسيس عائلات، إنما القطاع العقاري والمعروف في الأوساط الإقتصادية أنه يُشغِّل معه أكثر من ثلاثين قطاعا ومهنة. وقد دقّ توقُّف القروض الإسكانية المسمار الأكبر في نعش القطاع العقاري الإسكاني في لبنان، واستطرادا الوضع الإقتصادي. وهو الذي كان بدأ يُسرِع في التهاوي من دون التفاتة للفرملة من المعنيين.

ومَن خطرَ في باله اجتراح الحلول، راح يظهّرها حاسمة في إجبار أصحاب المولدات الكهربائية الخاصة على تركيب العدادات. حيث تمت مصادرة مولدات لم يلتزم أصحابها قرار وزير الإقتصاد في حكومة تصريف الأعمال يومها رائد خوري، مع توقيف عدد من المخالفين. وقد لاقت هذه الخطوة انتقادات بدل الثناء، باعتبارها راحت لتشرّع الموقّت والإستثنائي بدل تأمين الكهرباء 24 على 24 ساعة وإنهاء هذه الحالة الشاذّة التي تزيد أعباء المعيشة على المواطنين. ووزارة الطاقة والمياه المعنية بهذا الأمر، والتي دارت حول أدائها نقاط استفهام عديدة، حاولت تغطية التقصير بتسجيل انتصارات عبر الإيحاء بقرب استخراج النفط والغاز. وتم في شباط 2018 تسليم اتفاقيتي التنقيب، إلى ممثلي شركات توتال الفرنسية وإيني الإيطالية ونوفاتيك الروسية. وفي إشارة واضحة إلى سوء الأداء في إدارة هذا القطاع، علّق مجلس الوزراء طلب بواخر توليد الكهرباء الى حين البت بالطعون الوزارية فيها.

 

2019: بوادر قلق و… زلازل

أحداث كثيرة شهدها لبنان في 2019. اللافت فيها أن العام بدأ بإضراب عام وشامل في 4 كانون الثاني لإطلاق صرخة بعنوان «تشكيل حكومة لإنقاذ الشعب اللبناني»، وانتهى بتظاهرات أكبر تطالب باستقالتها… حتى استقالت. في نهاية كانون الثاني تم الإعلان عن تشكيل الحكومة وفي 16 شباط نالت ثقة مجلس النواب. وفي 29 تشرين الأول إستقالت.

في 17 نيسان أقرت الحكومة موازنة هي الأكثر تقشفا في تاريخ لبنان، وأُقِر في 27 أيار مشروع الموازنة العامة لسنة 2019 بعجز حدّدت نسبته بـ 7,59 في المئة. وهي النسبة التي كانت حددتها الدول المانحة كشرط لتقديم المساعدات. لكن لا الحكومة التزمت بسقف العجز هذا ولا أفرجت الدول المانحة عن الأموال.

في 19 كانون الثاني انعقدت القمة العربية الإقتصادية، فأعطت انطباعا عن أن لبنان ما زال مقصدا عربيا ودوليا ومحور النشاط الإقتصادي في المنطقة. لكن غياب الملوك والأمراء والرؤساء العرب، نسفها. ومن الدول من تقصدت تمثيلها بمستوى متدنٍ، وذلك لإيصال رسالة إلى من يعنيهم الأمر أنها غير راضية عن السياسات المتّبعة في لبنان، وانصياع الحكم إلى إرادة «حزب الله» الذي ينفّذ أعمالا مخالفة للقانون، ويتدخل في شؤون تلك الدول، ويشكل خلايا سرّية فيها. واختلفت الدول العربية بشأن الملف السوري والنزاعات الداخلية في لبنان.

والحكومة التي كان يفترض أن تتنكّب مسؤوليات كبيرة وتحقق إنجازات ملحّة، تعطلت عن الإجتماعات لفترة طويلة بسبب حادثة أمنية حصلت في بلدة قبرشمون في قضاء عاليه. في تلك الحادثة في 30 حزيران، قُتِل إثنان من مرافقي وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب، في إطلاق نار على موكبه، بعد اشتباك مسلح مع مناصرين للحزب التقدمي الاشتراكي، على خلفية زيارة الوزير جبران باسيل إلى الجبل، واعتبار الحزب الإشتراكي أنها إستفزازية. فشهدت المنطقة توترات واحتجاجات وقطع طرقات من قبل مناصري «الإشتراكي»، الذين رفضوا دخول باسيل إلى منطقة كفرمتى، وقطعوا الطريق أمام موكبه. الحادثة عطلت اجتماعات الحكومة على خلفية إحالة الملف إلى المجلس العدلي وهو أعلى سلطة قضائية في لبنان.

وتوالت النكبات إذ أعلنت الحكومة الأميركية، في 29 آب فرض عقوبات على مصرف «جمال ترست بنك». وصنفت واشنطن المصرف بأنه منظمة «إرهابية» بسبب تقديمه خدمات مالية ومصرفية إلى المجلس التنفيذي ل»حزب الله». فسقط البنك وخرج من السوق. وبعدها نفّذ قطاع المحروقات، في 18 أيلول إضراباً تحذيريا، شمل شركات الإستيراد والتوزيع والصهاريج والمحطات، فأقفلت معظم المحطات أبوابها، وامتنعت عن تسليم المحروقات للمواطنين، احتجاجاً على الخسائر التي تطال هذا القطاع والناجمة عن الشراء بالدولار الأميركي والبيع بالليرة اللبنانية. ثم جاء في 15 تشرين الثاني تخفيض «ستاندرد آند بورز» تصنيف لبنان الإئتماني إلى CCC/C، بفعل تزايد المخاطر المالية والنقدية، مع نظرة مستقبلية سلبية.ولم يكن التصنيف من عبث، بل مستندا إلى وقائع ومؤشرات. وفي كانون الأولوصل سعر صرف الدولار مقابل الليرة في السوق السوداء إلى 2100 ليرة.

ومن الإقتصاد إلى البيئة، وفي سياق سوء الإدارة وسوء الطالع نفسه، كانت اندلعت في تشرين الأول حرائق ضخمة لم يسبق لها مثيل التهمت مساحات واسعة من الأراضي الحرجية لبلدات لبنان من شماله إلى جنوبه.

هذا الوضع المتردي استدعى انعقاد طاولة حوار إقتصادي في بعبدا تحت عنوان البحث عن حلول إقتصادية إنقاذية. وفي 2 أيلول التقى القادة إلى جانب خبراء ومختصين وتقدم الدكتور سمير جعجع بورقة متكاملة لحظت الإصلاحات واعتبرت أن هذا البرنامج يلزمه رحيل الحكومة وتشكيل حكومة إختصاصيين تتمتع بالإرادة والقدرة على تنفيذه، وإلا فإن الشعب لن يبقى صامتا على خنقه… لم يؤخذ بتلك الورقة يومها، ولم يؤخذ بسواها ليتبيّن أن السلطة تشتري الوقت، وهي لا تريد أو لا تستطيع فعل أي شيء.

 

بركان على مساحة الوطن

عدم تدارك الوضع والمسارعة إلى إجراء الإصلاحات، وارتفاع حدة الفساد والفوضى وتراجع الأعمال، كلها عوامل تجمعت باحتقان، وما كان ينقصها إلا شرارة لتشعل ثورة. هذه الشرارة كانت فرض رسم 6 سنتات على الواتساب في مشروع موازنة العام 2019 ومراقبة المكالمات بغية تحديد الرسم، ما أدى إلى الإنفجار الكبير في 17 تشرين الأول. فعمّت الإحتجاجات والتظاهرات العديد من المناطق اللبنانية. وعلى الرغم من تراجع الحكومة عن فرض تلك الضريبة، إلا أن قرار العودة عنها لم يخفف من حدة التظاهرات التي استمرّت متأججة لأشهر، وسقط لها شهداء وإصابات، سواء من اعتداءات عناصر «حزب الله» و»أمل»، أو من قمع الجيش والقوى الأمنية المبالغ فيه.

وعملا بما كانت دعت إليه «القوات» سابقا من إصلاحات، وانسجاما مع قناعاتها، بادرت في 19 تشرين الأول 2019 إلى الإستقالة من الحكومة لتقف إلى جانب الناس في هذه المطالب المحقة. وفي 29 تشرين الأول وتحت ضغط الشارع قدم رئيس الوزراء سعد الحريري استقالته على خلفية احتجاجات استمرت لمدة 13 يوما. وفي 19 كانون الأول تم تكليف الدكتور حسان دياب بتشكيل الحكومة. وشدد دياب على أن الهدف تشكيل حكومة اختصاصيين سريعاً تتفرغ لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد.

 

2020: إنفجار بدل الإنفراج

إذا كانت ثورة 17 تشرين نجم العام 2019 بلا منازع، فإن انتشار فيروس كورونا المستجد وانفجار مرفأ بيروت، شكلا أبرز حدثين في العام 2020.فعلاوة على الأزمة الإقتصادية الخانقة والتراخي السياسي والتفلّت الأمني، انتقل الفيروس إلى لبنان وبدأ الإنتشار والتوسع، مما اضطر الحكومة إلى اتخاذ إجراءات للحد من خطره، وصلت إلى إقفال المطار والمؤسسات الرسمية والخاصة والطلب إلى المواطنين التزام منازلهم إلا لحال الضرورة. ومع ذلك واصلت الإصابات ارتفاعها، وبعد أشهر قليلة بدأت المستشفيات تمتلئ وتعطي الأفضلية للحالات الحرجة،لعدم توفّر أسرّة العناية المركزة. وبالتوازي بدأت أصناف عديدة من الأدوية تنفقد من السوق، إما بسبب احتكارها أو بسبب تهريبها إلى سوريا. حتى أن مستشفيات آلت إلى الإقفال، وبدأ الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي يحذّر من أنه لن يكون قادرا بعد فترة على تلبية طلبات المضمونين. وقد أدى الإنتشار المتزايد لكورونا إلى شل ما تبقى من نبض في الإقتصاد. كما راج التهريب خصوصا مادتي البنزين والمازوت، فعادت طوابير السيارات لتصطف أمام محطات الوقود. كما شهد العام 2020 أكبر عملية تهريب للدولار إلى سوريا، وبالإضافة إلى تراجع التحويلات من الخارج وغياب السياحة والإستثمارات، فقد عرف السوق شحا كبيرا في العملة الخضراء، وامتنعت المصارف عن الدفع بها حتى لأصحاب الودائع الدولارية. ولذلك فقد بات الدولار عرضة لقانون السوق وانطلق صعودا حتى لامس الـ9 آلاف ليرة.

وسط كل هذه الأزمات حصل انفجار العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت،وقد كان يحتوي على 2700 طن من نيترات الأمونيوم المتفجّر. فأودى بحياة أكثر من 200 شخص و6 آلاف بين إصابات بالغة وطفيفة، وتضرر 80 ألف شقة سكنية جزئيا أو كلّيا في المناطق التي شملها عصف الإنفجار. وفي الخامس من آب، أي في اليوم الذي تلى الإنفجار، حددت الحكومة خمسة أيام لكشف الفاعلين وتعهدت بمعاقبتهم وبمساعدة المتضررين. وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على الكارثة، لم يكشف التحقيق المحلي لا السبب ولا المسبب.

هذا الإنفجار، أدى في ما أدى من تداعيات، إلى سقوط حكومة حسان دياب التي كان يُفترض أن تقود مفاوضات علمية مع صندوق النقد الدولي، وتُجري إصلاحات أساسية وضرورية لإنقاذ البلد من الإفلاس. غير أن سيطرة «حزب الله» عليها ورفضه التخلي عن مشروعه الذي يتعارض مع قيام الدولة، أفشل مهمتها وبالتالي أية مفاوضات دولية. وبدل أن تقود البلد إلى انفراج قذفها الإنفجار إلى خارج الحلبة. ولأنه كان لا بد من مبادرة إنقاذ، حضر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت حيث استكشف مكان الإنفجار والأضرار الناجمة عنه وحتى مطالب الناس الذين جال بينهم في الشوارع الأكثر تضررا. كما التقى المسؤولين طارحا مبادرة حل متكاملة تقضي بتشكيل حكومة جديدة وإجراء إصلاحات على أن تعمل فرنسا مع أصدقائها في العالم لتأمين المساعدات وإخراج لبنان من الدرك الذي هو فيه. فتمت تسمية السفير مصطفى أديب لتشكيل حكومة جديدة. لكن مهمته أُجهضت وأجهضت معها المبادرة الفرنسية… فاعتذر أديب وغادر.

ومن خارج السياق، وبعد توقيع دولة الإمارات اتفاقية سلام مع إسرائيل وبدء مملكة البحرين مفاوضات مماثلة، بدأ لبنان مفاوضات ترسيم الحدود البحرية معها في الناقورة بواسطة الأمم المتحدة وبإشراف أميركي. وقد أحيطت هذه المفاوضات بكثير من التساؤلات والتكهنات.

 

بين الحلم الجميل والواقع المر

ثمّة ملاحظتان يشدد المراقبون عليهما في أي تقييم لانطلاقة عهد الرئيس ميشال عون ومساره هما: أولا وصوله إلى الرئاسة من خلال إتفاق الطائف الذي لطالما رفض الإعتراف به وطالب بنسفه. ثم بعد الرئاسة أقسم اليمين على تنفيذه، وهو الذي رفض الإعتراف بشرعية الرئيس الياس الهراوي لأنه انتخب بموجب هذا الإتفاق. وثانيا اعتبار أول حكومة تشكلت في عهده أنها ليست حكومة العهد الأولى لأنها نالت الثقة من مجلس نيابي فاقد الشرعية، هو المجلس نفسه الذي أوصل العماد إلى الرئاسة.

وثمة مَن يشيرمن المراقبين إلى أن لبنان لم يسبق أن مرّ بهذا المستوى المتدني من الحضور الدولي في تاريخه المعاصر، فعدا عن التراجع غير المسبوق لعلاقاته مع عمقه العربي، أخذت السياسة الخارجية تخرج رويداً رويداً عن مطلب النأي بالنفس. وصار الخطاب الرسمي اللبناني الذي يعبّر عنه رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، أكثر تماهيامع موقف فريق من اللبنانيين يكنّ العداء لدول لطالما شكلت سندا للبنان في أزماته وأوقات ضيقه. حتى في السياسة الداخلية تم ضرب أهم ركيزتين للإقتصاد اللبناني وهما: السياحة، والقطاع المصرفي. فأدى انقياد العهد أو تقيّده بتلك السياسات، إلى ضرب هاتين الركيزتين وحجب الدعمين العربي والدولي. وهذا ما يفسر ما نحن فيه اليوم من أزمات وانهيارات.

حتى الإستراتيجية الدفاعية التي وعد الرئيس عون بدرسها بعد إنجاز الانتخابات النيابية (2018)، وبلوغ النتائج المرتجاة منها، لم تُبحث. وأكثر من ذلك، تساءل رئيس الجمهورية في أحد مواقفه لاحقا عن جدوى وضع خطة دفاعية؟! وفي هذا الإطار يشدد المراقبون على أن ثمة مسؤولية كبرى على العهد، تتمثّل بألا يسمح بتحويل لبنان مجدّداً ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية أو أن يدفع هذا البلد الصغير أثماناً لا علاقة له بها.

كذلك، فإن الإصلاح الذي كان شعارا، تبيّن أنه اختنق غرقا تحت محركات بواخر الكهرباء، ورفض آلية التوظيف بحسب الكفاءة في الإدارات العامة، ورد التشكيلات القضائية، وغيرها من الوقائع التي تناقض الشعارات. ويقول مراقبون «لا بد من الإقرار بأن سلوك مسار التغيير يتطلب نسج تفاهمات وطنية تتيح هذا الأمر وبناء مناخ من الشفافية والتعفّف، ورفض الدخول في الصفقات والسمسرات. وهذا أيضاً، لم يحصل، إذ ارتبطت أسماء بعض المحيطين بالعهد بالعديد من الملفات التي تثار حولها علامات استفهام كبيرة…»

هذه العوامل بأكملها، الداخلية منها والخارجية، مهّدت لسلسلة الأزمات الخانقة التي شهدتها السنوات الأربع من عمر العهد. حتى مناخ الحريات ميزة لبنان، تم الإنقضاض عليه فاشتدت الاستدعاءات على خلفية الرأي والتدوين، وهو ما اعتُبِر استهدافاً للحريات في لبنان. كل ذلك أدى إلى ثورة الناس في النفوس قبل أن تتفجّر في الشوارع. الأكيد أن اللبنانيين، بمن فيهم خصوم الرئيس عون وتياره، كانوا يتمنون نجاح العهد، لأن فيه مكسبا وراحة وبحبوحة لهم. غير أنهم لا ينتظرون في السنتين المتبقيتين تغييرا إيجابيا، إستنادا إلى ما مَرّ من تجارب وهو مُرّ، وإن كان الأمل يبقى كبيرا عند المؤمنين.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل