بالفيديو والصور: العوافي… كيف موسم الزيتون البركة؟

في السياسة، لعنات الدنيا تلحق بنا. هنا ملفى الفساد، وهنا ملفى الاحتلال البشع، وهنا ملفى سياسيين فقدوا كل معالم الانسانية، فجعلوا من السياسة فن السرقة والنهب واضطهاد الشعب واغتياله كأبشع ابشع ما يكون. لن يكتب تاريخ الدنيا أبشع وافظع ما حصل ويحصل في لبنان منذ نحو عشرة اعوام حتى اللحظة. سنكون في التاريخ تاريخا مذيلا بالعار، عار الطبقة السياسية الحاكمة وعار عملاء الاحتلال الايراني البغيض للبنان.

لكن في ملفى آخر، بعيد بعيد جدا، ثمة تاريخ لم يُكتب منذ خمسة الاف عام، الا بحبر الخير والبركة وعرق الجبين والاعتزاز. هذه ارض للخيرات منبعا. هذه ارض المواسم وهو موسم الزيتون والزيت اللبناني الطيب العريق.

هذه شجرة تقطر بركة، شجرة المسيح. وهنا ضيعة من قرى لبنان المفلوشة في سهل البقاع، كما في سهول شماله المترامية، تضحك للزيتون والزيتون يتغاوى تحت قطرات المطر، لمعانا وبركة. “قبل ما تغفلنا الشتوة، قطفنا اول قسم من الموسم وهلا عم نكفّي القسم التاني وبدنا يومين تلاتة ومنخلص، الموسم بِرِك السنة الحمدلله” يقول ابو نبيل من بستانه في سهل البقاع.

نهارات الزيت صبّحت مسّيت، يقول اهل الضيعة، اذ يغدون مع شروق الشمس الى البساتين ولا يعودون الى البيت من المعصرة قبل آخر الليل “بلشنا قطاف 7 الصبح خلصنا من المعصرة 9  بالليل. شو هالشجرة البِركة. شو هالخير المعبا فيها. اسما شجرة المسيح كيف ما بدها تطرح هالقد بركة؟” يقول ابو نبيل.

كل البقاع في بساتين الزيتون، انتظر الفلاحون اول شتوة ليبدأوا القطاف بعد الصحو، لماذا؟ “لان الشتي بيعبي الزيتون بركة اكتر، بيكون هيك عطشان ودبلان ومنشّف شوي وربنا بيبعت النعمة والنعمة بتضحلكنا”. شو هالحكي المليان من بركة الخيرات، وعبق المواسم، وتلك الارض التي لا تعرف الا ان تطرح البركة، وضحكة المواسم التي يقصدها ابو نبيل، هي المزيد من كميات الزيت التي ينتظرها الفلاحون من سنة لاخرى لبيع مواسمهم وجني ثمار تعبهم.

الغلال تلال تلال، اكياس الزيتون صف عسكر متراصف ينتظر اللحظة المنشودة و”الزيت الطيب من الشجر للحجر”، يقول اهل الضيعة، اي انه يعصر مباشرة على ذاك الحجر الضخم المخيف، وليس اوتوماتيكيا مع انها وسيلة اسرع توفّر الانتظار الطويل في المعصرة “لاه لاه عمي بيسواش معنا الزيت ع الاوتوماتيك، منعصر ع الحجر تـ تبقى روح الزيت بالزيتون”، وهل للزيتون روح؟ “وكيف لكن، هيدي شجرة ربنا وربنا ما بيبعت الا الخير والخير مليان منو”. يا الله، يا الله اي كلام بعد اجمل من عبق كلام فلاح معتّق لا يفوح الا ببركة الارض وترابها؟

ندخل المعصرة. عالم آخر مختلف. كل ينتظر دوره، وشوالات الزيتون تتراصف متأهبة في انتظار مصيرها الجميل. انا بنت الضيعة ولم افهم حتى اللحظة دورة الزيتون تلك، وكلما اتيت المعصرة لاجني مواسمي، اقف مدهوشة امام المشهد اياه. ذاك الحجر الضخم الذي يملأ المكان ضجيجا، والزيتون بعد غسله وتنظيفه من الاوراق يُمعس سعيدا من تحته ويضحك لمصيره الاتي في غالونات الزيت المرصوفة.

هنا في المعصرة مواسم السهل كلها تضحك لفلاح يأكله هم تصريف انتاجه، ومع ذلك ومع كل عصرة اضافية وغالون جديد يبتسم للنعمة “ليكي هالمنظر وهاللون الزيتي لـ بيضحك لـ الله” يقول بو جان سعيدا بانتاجه لهذه السنة “30 تنكة السنة الحمدلله ع النعمة” يقول، وين القهوة يا معلم بشارة بدنا نحتفل” ويهرع المعلم بشارة صاحب المعصرة المبتسم دائما لزبائنه، وبابور الحطب يوقد المكان المزيد من الدفء وحرارة اللقاء “يمّي عجلي بالقهوة والشاي الناس بدها تدفى”…

صار منتصف الليل، امتلات الخوابي من عرق الفلاح، بركة يا ايدين فلاح تعب وعرق وكبّر حتى صارت شجرة ربنا شلال نعمة، بركة يا ربنا بركة، كل مواسمك بركة. “خبزي وزيتي عمارة بيتي” يردد الفلاحون بالضيعة هذا المثل العتيق. نترك المعصرة، رائحة البركة تأبى ان تنفض حالها عنا، “شو عملتِ غلة فيرا؟” عشر تنكات الحمدلله، فرح ابو نبيل بغلته، اترك المعصرة ولا يتركني الموسم ولا اريد ان يفعل، احب ان يقولوا عني بنت الارض، يا ويلي، يا ويلي ريحتي شو زيت!

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل