“مسافات ضوئية” بين الـ”Fromagistes” وحكومة المهمة

بعد ثلاثة أيام، يختم الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري شهره الأول في “سدة التكليف”، من دون إشارات مطمئنة إلى قرب إنجاز المهمة وخروج الحكومة العتيدة إلى الضوء من نفق التعطيل والعرقلة على خلفية المحاصصة وتناتش الوزارات لأهداف سلطوية، حالية ومستقبلية.

القاصي والداني يعلمان أن البلاد في طور الانحلال والتفكك، والدولة تتلاشى، والانهيارات الاقتصادية والاجتماعية تتدحرج من دون حواجز تفرمل أو على الأقل تُبطئ من سرعتها، وسط أوضاع صحية واستشفائية متفاقمة سوءاً وتخطت الخط الأحمر مع تفشي كورونا.

في المقابل، من يُفترض أنهم مسؤولون عن البلاد والعباد يتصارعون في “حلبة جبنة السلطة العفنة”، ويهشمّون بعضهم للظفر بما تبقى من فتاتها. وبات اللعب على المكشوف من دون خجل أو وجل، بل بانعدام مذهل لروح وواجب المسؤولية بين المسمّين “زوراً وبهتاناً” مسؤولين. فيما في الواقع والحقيقة، ومن دون أي افتراء أو مبالغة، تفصل بين هؤلاء وبين أقل قدر من أي حسّ بالمسؤولية الوطنية “مسافات ضوئية”.

“أكلة الجبنة” ليسوا “جنساً” طارئاً على الحياة السياسية في لبنان، والتاريخ الحيّ حاضر ليخبر عن تقديم رئيس الجمهورية الراحل فؤاد شهاب استقالته في 20 تموز العام 1960، بعد انقضاء نحو سنتين من ولايته الرئاسية، معلِّلاً بزوال الظروف الاستثنائية التي سبّبت أزمة ١٩٥٨، وحصول انتخابات نيابية جديدة، وعودة الاستقرار وتوازن العلاقات العربية – اللبنانية. إنما في الواقع، شهاب تقدَّم باستقالته لأنه لم يعد بإمكانه التعايش مع الـ”Fromagistes”، كما سمّاهم. لكنه عاد عن استقالته لاحقاً، بعدما تعهَّد “صقور” الطبقة السياسية في تلك الفترة بالكفّ عن “أكل الجبنة” طيلة سنوات عهده المتبقية.

وما أشبه اليوم بالأمس، حين يتشدَّق ويتعهَّد الورثة الجدد لطبقة الـ”Fromagistes” بمحاربة الفساد والمحاصصة والتنفيعات والتلزيمات والكوميسيونات، ورفع شعارات الشفافية والحكم الرشيد والإصلاح والتغيير. عبارات أفرغوها من مضمونها وأنزلوا بها ما لم يُنزل من تشويه وتحريف. فكيف لطبقة حاكمة بهذه المواصفات، تعجز عن تشكيل حكومة بأبسط معايير المصداقية على الرغم من الانهيارات المتدحرجة على مختلف الصعد إلى حد انحلال الدولة، أن تقنع اللبنانيين والعالم أن الإصلاح والإنقاذ ممكن على يدها؟

لا تخفي مصادر سياسية معنية بتشكيل الحكومة، “تشاؤمها مما ينتظر لبنان في المرحلة المقبلة”، معتبرة أن “المعطيات المتوافرة لا توحي بأن من بيدهم الأمر والقرار، حسموا أمرهم وقرروا التنازل، كلّاً من طرفه، عن بعض طموحاتهم الحكومية”.

وتضيف المصادر ذاتها، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “الأمور لا تزال عالقة عند العُقد إياها حول توزيع الوزارات وإسقاط الأسماء عليها. فبينما لا يزال الحريري صامداً عند حكومة مهمة بموجب المبادرة الفرنسية من اختصاصيين لا يرهنون قرارهم لأحزاب الفريق الحاكم، يرفض رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه، خصوصاً النائب جبران باسيل، هذه المقاربة، ويصرّ على مبدأ تسمية وزرائه أسوة بالأطراف الآخرين، والمقصود الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله)”.

لكن المصادر تشدد في الوقت ذاته، على أنه “يجب الإشارة إلى أن الثنائي لا يساعد الحريري أيضاً، وإن كانت الأنظار غير مسلطة عليه لناحية العرقلة. فإبقاء وزارة المال خارج منطق المداورة في الحقائب الوزارية يصعّب المهمة، بالإضافة إلى شبه الموافقة، سواء بالرضى أو على مضض، على تسمية وزراء يتم اختيارهم من ضمن سلة أسماء تقدَّم للحريري”.

ومع اعتبارها أن “كل هذه العراقيل يمكن تخطيها وإيجاد مخارج مقبولة، لو كانت النوايا صافية، ولو كنا فعلاً إزاء مسؤولين مترفّعين همّهم المصلحة العامة لا المصالح الخاصة”، تسأل، “ما العمل إذا ابتُلينا بهكذا حكام؟”.

وتشير المصادر، إلى أن الإحاطة التي قدّمها المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش الى مجلس الأمن حول الوضع في لبنان، وقوله إنه يعاني من أزمة وجودية متفاقمة، تشرح خطورة الأوضاع. لكن الأخطر، الرسالة التي نقلها عن المجلس إلى المسؤولين اللبنانيين، بوجوب تشكيل حكومة فعالة وقادرة على الإصلاح والتغيير، تعمل ضد الفساد ومن أجل العدالة والشفافية والمساءلة، ليختم متسائلاً، هل سيصغون؟. ما يعني فقدان الأمل من الطبقة المتحكمة”.

وتعرب المصادر عينها، عن تخوفها من أن “فترة المراوحة ستطول، وربما إلى ما بعد تسلم الإدارة الأميركية الجديدة في كانون الثاني المقبل. فهذا الاستهتار لا يمكن أن يعني إلا أن المسؤولين يعلكون الوقت إلى ذلك الموعد، بعدما تخلوا عن المبادرة للملمة الحد الأدنى من الوضع المنهار، اللهم ما عدا محاولات يبذلها بخجل الرئيس المكلف. ومن يدري، ربما يقدم الحريري في فترة قريبة على هزّ الطاولة ووضع عون والآخرين أمام اتخاذ قرار، يا أبيض يا أسود، ويقدم تشكيلة مقبولة، لتصبح الطابة في ملعبهم”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل