طهران إلى حضن واشنطن

أولا، بين 11 أيلول 2001 وتشرين الثاني 2020، دخل النظام العالمي والشرق أوسطي في مرحلة تقلبات ناجمة عن أحداث برجي التجارة العالمية في نيويورك، والتي أنبأت بمرحلة عالمية من الصراعات لإعادة تشكل خرائط التحالفات والتكتلات العالمية والإقليمية، سواء في أوروبا أو في الشرق الأوسط أو في آسيا أو في إفريقيا وأميركا اللاتينية.

هذه الحقبة شهدت تبدلات وتغييرات دراماتكية كبيرة، أسقطت أنظمة وأقامت ثورات، وشهدت أعنف مواجهات عسكرية وسياسية وديبلوماسية واقتصادية وأعمال حصار، لقلب موازين القوى التي كانت تتحكم بمشهد عالمي عمره من عمر انتهاء الحرب العالمية الثانية.

واليوم نعيش مرحلة انتقالية بين الإرغام وبين نتائجه وتداعياته، خصوصاً على الساحة الشرق أوسطية، حيث وصلت المخططات إلى لحظة حسم الترسيمات وتثبيت النظام الإقليمي الجديد، في أدق حقبة انتقالية فيها من المحاذير ما يمكن أن يتسبب بأضرار كبيرة للدول غير السيادية كلبنان وسوريا والعراق.

ثانيا، مع حلول نهاية هذا العام، ينتهي تقريباً العقد الأكثر دموية وتقلبات، والذي بدأ مع بداية العام 2011 في المنطقة على امتداد الساحات العربية والشرق أوسطية. فارتسمت الى الآن بعض المؤشرات وفق الاتي:

1 ـ لا يمكن لأي مرشح يفوز في الانتخابات الرئاسية الأميركية العودة إلى نفس الاتفاق النووي الإيراني الذي كان مع الرئيس باراك أوباما، لأن إيران اليوم ضعفت وأُنهكت ولم تعد تلك التي كانت تهدد الأمن القومي العربي والأميركي والإسرائيلي، وانعكس ضعفها نتيجة سياسة العقوبات الصارمة ضعف تأثيرها في الدول التي كانت تدعم أذرعها كما في اليمن والعراق وسوريا.

يضاف الى ذلك، أن أي إحياء لاتفاق نووي مع طهران سيأخذ بالاعتبار القوة العربية الصاعدة مع محور مصر والسعودية والإمارات والبحرين، والذي ازداد تأثيراً وقوة مع التطبيع الذي دفع به الرئيس دونالد ترمب ومخططات إنشاء المنطقة العربية الإسرائيلية المشتركة.

2 ـ لا يمكن لأي مرشح فائز في البيت الأبيض أن يتخلى عن سياسة العقوبات والعصى والجزرة، ولا التخلي عن الصلح العربي ـ الإسرائيلي، ولا أميركا ولا الصين يمكنهما التعاون مع الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف بعد اليوم.

فإيران في مرحلة تلقِّي كرة النار في داخلها، وتتجه نحو تغيير نظامها تغييراً شاملاً، ولن يتعامل الأميركيون إلا مع نظام منتخب في طهران لأن مهمة النظام الإيراني الحالي انتهت وأدَّت مخدوميتها.

لا أميركا ولا إيران هما نفسيهما ما قبل وما بعد تشرين الثاني 2020. فإن عاد ترمب إلى البيت الأبيض، السنوات الأربع المقبلة ستكون الأكثر حسماً وإقفالاً للملفات الإقليمية وإعادة ترتيب خريطة المنطقة في ضوء التوازنات الحالية والمستجدة.

المهم، أنه أياً كان الرئيس الأميركي المنتخب، الشرق الأوسط اعتباراً من الآن، مقبل على طاولة دولية تجلس إليها دول لاعبة، وتُقدَّم عليها مجموعة من الأطعمة ( تقرير مصير دول وجماعات وكيانات ومشاريع ومنظومات تتشكل)، ومن يتحكم بهذه المائدة: دول صاعدة دوليا كالصين، دول حاكمة دولياً كالولايات المتحدة الأميركية، دول صاعدة إقليميا كإسرائيل والمملكة العربية السعودية، ودول حاكمة إقليميا كإيران، والتي تتحول بعد أشهر من الآن إلى دولة محكومة.

3 ـ إيران كانت السبب في نشوء الحرب الباردة بين الصين وأميركا بعد الحرب العالمية الثانية. وإيران حالياً تتجه نحو التحول إلى ساحة صراع دولي بين الصين وأميركا فتصبح ساحة صراع بعدما كانت لاعبة، من هنا توقعات بسقوط نظام الملالي.

حظوظ الحرب بين أميركا والصين كما التسوية بينهما متساوية حتى اللحظة، فلطالما كانت الصين التهديد الأساسي لواشنطن في المنطقة وآسيا. لذا ممنوع على الإيرانيين الاستعانة بالصين، كما ممنوع على الروس التحالف مع الصين ضد أميركا.

من هنا، فقد التوازن الإيراني حالياً، ما أرغم طهران على القبول بالهدنة في العراق لتهدئة الموقف ووقف الهجمات على الوجود الأميركي، إذ سهّلت التوصل الى اتفاق سنجار وطلبت من ميليشياتها وقف قصف السفارات. كما سهلت طهران انعقاد جولات التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي لترسيم الحدود البحرية، ولم تعرقل، على الرغم من تصاريح مسؤوليها وإعلامهم الغوغائي والمزايد، التطبيع العربي ـ الإسرائيلي.

ثالثاً، يُحكى ديبلوماسياً عن وجود محاولات غير معلنة لتفاوض حكومة الكاظمي مع إسرائيل، وأمام المنطقة قطارين: قطار التسويات المعلنة بين العرب وإسرائيل برعاية أميركية، وقطار تسوية غير معلنة بين العرب وإيران، أيضا برعاية أميركية.

فاذا دخل المرشح جو بايدن البيت الأبيض ستتشكل منظومة أمن وتعاون إقليمي تكون إيران جزءاً منها، وتلحق بها إسرائيل بعد حين. أما إذا بقي ترمب، فإن المنظومة ذاتها تبقى، لكن تنضم إيران إليها بعد حين. وركيزة المنظومة الإقليمية المقبلة اقتصادية، فإذا رفضت إيران التسوية ينفجر صاعق الداخل لديها، وإذا قبلت بالتسوية تتحول من نظام ديني عقائدي إلى نظام مدني من جديد.

في فلسطين، لن يكون هناك دولة ثانية، فأقصى ما سيحصل عليه الفلسطينيون إسرائيل دولة فدرالية بحكم ذاتي للفلسطينيين، وبدل حل الدولتين سيكون الحل دولة واحدة بجناحين. وحتى جو بايدن لن يستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء من خلال طرح حل الدولتين، وقد سبقه التطبيع العربي الإسرائيلي وسبقه مشروع السوق الاقتصادي المشترك.

الخريطة في المنطقة متغيرة وقد دخلنا مرحلة التغييرات النهائية، تماما كما التاريخ متغير. فهناك خيار بين المكروه الممكن والمرغوب غير الممكن. وستنتهي طاولة التسوية إلى لوزان 1923 جديد مع إيران، كما كانت التسوية مع العثمانيين، يومها أنشأت تلك التسوية الجمهورية التركية مع مصطفى كمال أتاتورك، وهكذا ستصبح إيران جمهورية إيرانية غير دينية تعترف باستقلال الدول المحيطة بها وسيادتها.

رابعاً، إذاً، المرحلة المقبلة مرحلة استعادة واشنطن لإيران لصالحها، كما كانت أيام الشاه، لإقفال الملف الإيراني نهائياً وانتقال الاهتمام الأميركي الى آسيا وبحر الصين. فالصين هي تحدي أميركا الأول، وواشنطن أعدَّت مخططات لمنعها من الصعود دولياً للسنوات العشر المقبلة، أقله لا كقوة حاكمة في المنطقة ولا كقوة مخربة للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

فواشنطن ومن خلال منظومة التعاون الاقليمي ستسعى الى تكريس المبادىء الآتية: احترام سيادة الدول بعد اليوم، والامتناع النهائي عن استخدام الدول، وحرمة الحدود الدولية، واسقاط منطق الساحات وحدود المواجهة المفتوحة والموحدة، وحق تقرير المصير.

من المتعارف عليه في علم السياسة الدولية، أن كل دولة تسعى إلى الإخلال بتوازن القوى، فالتوازن يكون بنية الصراع والصراع في نفس الوقت يكون من أجل تحقيق التوازن. من هنا فإن تغيير ميزان القوى في المنطقة سيغير نظام توازن القوى في العالم. والقطب الذي يحقق انتصارات إقليمية هو الذي يقلب التوازنات الدولية لصالحه، أي الولايات المتحدة الأميركية. لذلك، وكما تحقق حلم سقوط جدار برلين، سيتحقق حلم انهيار النظام الإيراني.

خامساً، من مؤشرات الجيو سياسة الإقليمية أيضاً، في المرحلة المقبلة الحاسمة، عودة ريادية للمملكة العربية السعودية التي أثبتت في مرحلة سابقة قدرتها على التأثير العالمي، وبالتالي حفظت مكاناً لها في خريطة المصالح الإقليمية والدولية المقبلة. فيكفي التذكير أنها انتقلت من “أوبك” الى “أوبك بلاس”، فضربت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الرافض لتخفيض انتاج النفط، ما أدى إلى رفع الانتاج وتدهور سعر برميل النفط الروسي والأميركي.

وكل التعويل اليوم هو على الثنائي إسرائيل ـ السعودية، للامساك بالمنطقة وإسقاط إيران وتركيا في المنطقة لصالح أميركا وضد الصين. فلا أحد يستطيع تجاوز إسرائيل والسعودية اقتصادياً بعد التطبيع العربي، وبعد إنشاء المنظومة الإقليمية والسوق الاقتصادي المشترك من العراق إلى موانىء إسرائيل ومصر.

لذلك نرى أن المرشح جو بايدن، واذا أصبح رئيساً، لن يستطيع السير إلا في الأولويات التي حددتها ورسمتها إدارة ترمب في الشرق الأوسط. فإيران والمنطقة اليوم يختلفان عما كانا عليه العام 2015. لا بل يجب أن يسعى بايدن إلى استغلال ضعف ووهن إيران لتحصيل القدر الأكبر من التنازلات حول الأسلحة الباليستية والتدخل في شؤون دول المنطقة.

ويمكننا ختاماً القول، إن أهم إنجاز إقليمي حققته إدارة ترمب، هو في أنها نقلت الحرب الإقليمية من الساحات إلى داخل إيران، ومن داخل إيران إلى شرقيها بعدما أسدلت واشنطن ستارة الحروب في الشرق الأوسط، بدءاً من قتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني، وصولاً إلى قطار التطبيع العربي الإسرائيلي، وتكيلف بوتين بإيجاد السبل لإضعاف إيران في سوريا بموازاة الدور الأخضر الإسرائيلي لضرب وجود ميليشيات طهران في سوريا عسكرياً. والمستقبل القريب كفيل باثبات التوجهات الجديدة في انقلاب المشهدية الشرق أوسطية، مع نقل الصراعات الى وسط وجنوب آسيا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل