روح المقاومة حتّى الاستقلال

إنّه السابع والسبعون. وليس أيّ استقلال، إنّه استقلال وطن ولد على يد مقاومته التي اتّخذت اسمه اسمًا لها، فصارت “المقاومة اللبنانيّة” وولد لبنان. صحيح أنّ هذا الاحتفال يبقى بشكله الرّمزي هذه السنة، ولو منعت الظروف الصحيّة المتفشيّة في العالم كلّه بسبب جائحة كورونا من الاحتفال به ككلّ عام؛ إلّا أنّه منقوص لما يشوبه من نواقص جوهريّة عمل بعض اللبنانيّين على تكريسها كأعراف للحفاظ على مكتسبات شخصيّة لهم في السلطة، وفي قلب الدّولة.

صحيح أنّ المقاومة اللبنانيّة بدأت بمقاومة الطبيعة الجبليّة القاسية بظروفها المناخيّة أوّلا، لكنّ اللبنانيّين الأوائل نجحوا في التغلّب عليها وحوّلوها مدرّجات زراعيّة غنّاء، شكّلت بالنسبة إليهم مصدرًا لرزقهم وحياتهم اليوميّة. ويوم دخل المحتلّ أرضهم جعلوا من قراهم دساكر نسّاك مقاومين وتفوّقوا على المحتلّ وقاوموه لأجيال وأجيال.

لقد حاول المحتلّون القضاء بشكل ممنهج على سكّان جبل لبنان الحقيقيّين ليغيّروا هويّته الديمغرافيّة. هجّروا بالهجرة القسريّة الرّبع، وقتلوا بالمجاعة المفتعلة الرّبع، وبقي الربع الثالث مردّدًا “باللي بقيو رح منكمّل”. وكمّلوا مشوارهم المقاوماتي في هذه الأرض حتّى حقّقوا استقلالا كيانيّا في العام 1920 مع البطريرك حويّك، وكرّسوه مع البطريرك أنطون عريضة في الساحات الدّوليّة في العام 1943.

لكنّ هذا الاستقلال بقي عرضة للهزّات نتيجة للإختلافات حول حقيقة الهويّة اللبنانيةّ حتى تمّ تثبيتها في اتّفاق الطائف مع البطريرك صفير، وبالتّالي صار اللبنانيّون كلّهم ذا هويّة وطنيّة كيانيّة شخصيّة واحدة.

إلا أنّ الاختطاف الأيديولوجي الذي نجح فيه حزب الله للمكوّن الشيعي، عاد ليستجلب الأزمة الكيانيّة من جديد، إذ صارت المطالبة بتحقيق هويّة كيانيّة داخل الكيانيّة اللبنانيّة تحت مسميّات مختلفة، تبدأ بالمثالثة ولا نعرف بما قد تنتهي إليه، ربّما قد تصبح الفدراليّة، مسألة يعتبرها هذا المكوّن حقًّا طبيعيًّا له نتيجة للإنتفاخ الديمغرافي الذي حقّقه في العقود الأربعة المنصرمة، مضافًا إليها سيطرته على وزارة الخارجيّة بالمباشر أو بوساطة حلفائه لمنع اللبنانيّين المتحدّرين والمهاجرين من استعادة جنسيّتهم اللبنانيّة. فيكون بذلك حقّق ما لم يستطع العالم كلّه أن يحقّقه باقتلاع الرّبع الأخير الذي بقي نتيجة لمقاومته الباقية دائمًا وأبدًا.

لذلك كلّه، إنّ المقاومة اللبنانيّة باقية بروحها لأنّ هذا الوطن هو وليد المقاومة، ومن دونها لا يستطيع أن يحيا. باقية بتعاضدها وتكافلها الاجتماعيّين مع أهلها وناسها في هذه الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة القاسية، لا سيّما بعد انفجار الرابع من آب المشؤوم. هذه المقاومة باقية اليوم كما في الأمس لأنّ هذا الاستقلال تمّ اغتصابه من قبل دويلة حزب الله لتحقّق بدورها استقلالا ذاتيًّا لها على حساب استقلال الوطن بأكمله تمهيدًا لابتلاعه دستوريًّا ليصبح وطنًا لها بالكامل. وهذا ما لن يتحقّق لأنّ روح المقاومة باقية كما في الأمس البعيد والقريب.

روح المقاومة اللبنانيّة باقية لأنّهم جعلوا من الفساد ثقافة سياسيّة متلازمة لممارسة العمل السياسي. فصار الفساد عندهم مرادفًا للعمل السياسي. وصارت السياسة أحقر المهن بفضلهم، وهي أشرفها. وأمّنوا الغطاء لفسادهم بوساطة السلاح غير الشرعي. فاستطاعوا إرساء نهجًا في الحكم أدّى إلى انهيار منظومة الدّولة بعزلها نتيجة لأنّهم مديونون للسلاح غير الشرعي الذي حمى فسادهم، فساروا بملء إرادتهم إلى محوره الأيديولوجي الايراني الذي لا يشبه لبنان بشيء، فعزلوا لبنان عن عمقه الاستراتيجي العربي، وقطّعوا أوصاله مع العالم الغربي الذي يمدّه بالعمل والعلم والثقافة.

لذلك كلّه، روح المقاومة اللبنانيّة باقية حتّى الاستقلال الفعلي الذي لم يُحافظ عليه بعد العام 1943، ولم يثبّت فعليًّا في 14 آذار 2005 بفعل رهاب السلاح غير الشرعي الذي صار عند بعضهم “سلاحوفوبيا” وتكرّس في 6 شباط 2006 خضوعًا وإخضاعًا، ولم يُنتَزَع من فم الفاسدين في 17 تشرين الأوّل 2019 بفعل سيطرة هذا السلاح على الدّولة في 7 أيّار 2008، واستخدامه لشبكتها الأمنيّة لقمع هذه الثورة.

واليوم بعدما وصلت الدّولة إلى الحضيض، باتت بأمسّ الحاجة إلى روح المقاومة اللبنانيّة الحقيقيّة لاستعادة الاستقلال المسلوب والوطن المنهوب حتّى تحقيق الاستقلال الحقيقي. لذلك نحن هنا، هنا كنّا، وهنا سنبقى، وقوّات الجحيم لن تقوى علينا حتّى يعود الاستقلال إلى لبنان، ويعود لبنان إلى موقعه الطبيعي. ومن له أذنان للسماع … فليسمع!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل