اللغز الإيراني ـ الاميركي وتغيير بوصلة الازمات وساحاتها

 


أولاً: مع اعلان واشنطن الانسحاب من العراق وافغانستان تعود المنطقة الى اجواء 2011 من جديد عندما انسحب الاميركي في ذلك العام ايذانا بمرحلة تغيرات اقليمية واستراتيجية عملاً بمبدأ قديم أطلقه المستشار السابق للأمن القومي الاميركي بريجنسكي ايام الرئيس جيمي كارتر والمعروف بهلال الازمات. يومها حصل في عهد الرئيس كارتر سقوط نظام الشاه في إيران وجيء بالخميني العام 1979 واقيمت الجمهورية الاسلامية.

اليوم كما الأمس تعود إيران موقعاً استراتيجياً للتغييرات الجيو ـ سياسية في المنطقة، وهلال الازمات الممتد شرقا حتى وسط وجنوب اسيا (الصين، الهند، باكستان…) وغرباً اي منطقة الشرق الاوسط والخليج. نظرية هلال الازمات جعلت منذ السبعينات من إيران قلب المعادلات الإقليمية، ما يفسر الحاجة الى وجود إيران في المنطقة بالمنظار الاميركي.

نجحت نظرية هلال الازمات في اسقاط الوجود السوفيتي في أفغانستان، وبموازاة ظهور الورقة الاسلامية الشيعية مع الخميني تفجرت ورقة الجهاد الاسلامي السني في أفغانستان، ما وضع المنطقة امام اسلامين سياسيين متقابلين ومتعاونين: الاسلام السياسي السني والاسلام السياسي الشيعي والاثنان وجهان لعملة واحدة.

تلك العملة كان ولا يزال يستخدمها النظام الدولي في لعبة الامم وتثبيت مناطق النفوذ والتحالفات. وفي حين استخدمت الورقة الاسلامية السنية ضد السوفييت في افغانستان ومن ثم ضد الانظمة العربية التقليدية للانقلاب عليها، في ما سمي لاحقا بالربيع العربي، اذا بالورقة الاسلامية الشيعية يكتب لها استخدامها في المرحلة المقبلة ضد الصين.

إذاً، إيران حاجة استراتيجية للنظام الدولي لاستخدامها وسط اسيا وباكستان في المرحلة المقبلة.

ثانياً: في تقاطع مصالح النظام الدولي في المنطقة، تبرز باكستان كمرشحة لأن تكون سوريا ثانية للوجود الإيراني، والاخيرة جاهزة عبر الزينبيين، والافغانيين، والفاطميين ومليشيات الحشد وحزب الله وسواهم لخوض غمار باكستان والربيع الاسيوي الاتي، ما سيفسر انتقال إيران من معادلة غربها (الخليج والشرق الاوسط) الى معادلة شرقها اي الانتقال الفعلي من سوريا الى باكستان.

من هنا تجمع عدة تقارير استخبارية واستراتيجية عالمية على القول إن ربيعا جديدا آت لكن هذه المرة ليس عربيا بل قوقازيا واخر وسط اسياويا وربيعاً باكستانيا هو الاخر.

وكما ان نظرية هلال الازمات اخرجت السوفييت من افغانستان من دون إطلاق رصاصة كذلك من المعول عليه ان تخرج الصين ايضا من المعادلة الاسيوية بدون إطلاق رصاصة اي تجنب اندلاع حرب عالمية ثالثة في المنطقة بين الولايات المتحدة والصين، فبديل الحرب، الثورات الملونة حتى تخوم الصين وحولها.

تبعا للفلسفة الأميركية، امام واشنطن ثلاثة منافسين: الصين وروسيا وايران، وثلاثتهم محاصرين اميركيا، إنْ بانتشار كثيف لقواعد عسكرية اميركية في المناطق المحاذية لها في اسيا وجنوب روسيا في الجمهوريات السوفياتية قديما وان في تايوان واليابان وان بالأزمات والفتائل القابلة للانفجار على حدودهم: من تسعير ازمة كشمير وجزء منها صيني لتصل النار الى حدود الصين الغربية اضافة الى احياء مسألة الايغور والاقليات الاسلامية المنتفضة، الى تسعير المواجهة بين الهند وباكستان والهند والصين حول موضوعي كشمير والخلافات الحدودية الصينية الهندية، فضلا عن ثورات اوكرانيا وبيلاروسيا وصولا الى الملف الارمني والحرب الآذرية منذ العام 2018، فملف قرغيزستان، وجميعها بمثابة زنار ثورات وازمات تحاصر الدول الثلاث المعادية لواشنطن.

ثالثاً: الرئيس دونالد ترمب، قد يرحل، لكنه يريد قبل الرحيل تحويل المنطقة الى واقع لا يستطيع من يخلفه تغييره (ومن هنا يتكلم المراقبون عن رحيل ترمب وبقاء السياسة الترمبية). فالانسحاب الاميركي من افغانستان يشبه الانسحاب من العراق العام 2011 والربيع الذي حصل قد يتكرر ليس في العالم العربي بل في دول العجم المسلمين الموجودين وسط وجنوب اسيا حيث البيئة جاهزة للاشتعال.

اما بالنسبة للعراق، لا يعني انسحاب الاميركيين منه ابدا تمدداً ايرانياً جديداً فيه، اذ لا قدرة لإيران على العودة الى احتلال مساحات الفراغ الاميركي ولان داعش لا يستطيع العودة لان معادلة القوة تغيرت داخل وخارج العراق المحيط. فضلا عن ان واشنطن تريد حماية جنودها في مواجهة اية ردود فعل على اية ضربة عسكرية واسعة او محدودة تقدم عليها اسرائيل ضد الايرانيين سواء في سوريا او لبنان.

ومع ذلك تبقى ايران مصلحة امن قومي اميركي ومحور اساسي في النظام الاقليمي والدولي سواء في الشرق الاوسط او وسط وجنوب اسيا، والاميركيون يريدون ابقاءها ورقة تستخدم في لعبة الامم وترتيب مصالح القوى في المنطقة وتوزيع الثروات الطبيعية.

أدركت واشنطن ان أفضل اسلوب للتحكم بالورقة الايرانية هو الالزام القهري او الارغام من خلال مثلا العقوبات المشددة التي لا تسقط بل تشل وتطوع وتحتوي الخطر. واشنطن لا تريد ان تكون إيران حليفة الصين ولا تريد روسيا حليفة للصين ولا ان يكونوا في محور واحد، ومن هنا استراتيجية التطويق والمحاصرة والاستيعاب والاحتواء ومن ثم العزل.

سواء بقي ترمب لولاية جديدة او جاء جو بايدن رئيساً، سيستكمل الانسحاب الاميركي مقابل مزيد من التقارب العربي ـ الاسرائيل، والتطبيع الجماعي مع الدولة العبرية وبالتالي المزيد من اقفال ملفات الازمات في المنطقة وانتقال مراكز الصراع.

فالحرب في الشرق الاوسط انتهت ذهنيا وفكريا وعمليا قبل الميدان، باستثناء العراق وسوريا ولبنان ان لم يكن في إيران نفسها، إذ من الممكن حصول اضطرابات، واستراتيجية الاميركيين في المرحلة المقبلة ستتركز على محاولة الفصل بين إيران وادواتها في المنطقة، وقطع العلاقة بين المركز والحرس الثوري تمويلا وتسليحا وتنظيماً، كذلك الامر بالنسبة لحزب الله والحشد الشعبي مروراً بالميليشيات في سوريا. سيتحول التعامل بين أميركا وايران الى ما يفيد الاميركيين من الإيرانيين، ومعادلة القوة ستسمح بالتمدد الايراني شرقاً لا غرباً.

إيران اذا وضعت على سكة ” ترمبية ” اميركية لا يمكن لواشنطن الخروج منها، فالأولوية لتطويع الورقة الايرانية في مواجهة الاولوية الاولى: الصين، اي استخدام ايران ضد الصين.

رابعاً: العام 2015 وقبل توقيع اتفاقية لوزان وقبل انطلاق عاصفة الحزم، وقع الامير محمد بن سلمان وامراء خليجيين مع الروس على اتفاقيات من ضمنها دخول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سوريا لقطع الطريق على إيران، على ان تكون لهم الكلمة الاخيرة في الملف السوري.

وعادت ايران بدورها وذهبت الى الرئيس بوتين، فبدأ الصراع الإيراني ـ السعودي على سوريا من خلال نفس الورقة الروسية، فكان لبوتين ما اراد في المقابل (سيطرة روسيا على القرار السوري وعلى الورقة السورية).

ومع اندلاع صراع اقليم ناغورنو قره باغ في أذربيجان، بدأت مرحلة تحول اساسية في السياسة الايرانية ـ الروسية من حالة الى حالة جديدة بدأت تشق طريقها بما يختلف عن المرحلة السابقة من العلاقات بينهما، فايران خسرت كثيرا في هذه الحرب بسبب بوتين وقد ادركت الأولى ان بوتين الذي يحجمها في سوريا لا يقيم وزنا لمصالحها في الشمال الشرقي.

من هنا، ستكون سوريا حلبة الصراع الخفي والتنافس الحاد بين البلدين، ما سيؤدي الى ثورة جديدة في هذا البلد تخسر فيها ايران نهائيا المعركة، وتكون السعودية انتصرت في سوريا كما هو مخطط.

خامساً: سيعاد تشكيل الشرق الاوسط بعيدا عن العامل الديني المسلح العابر للحدود (من داعش الى الحشد الشعبي الى حزب الله) وسيزلل سوء التفاهم القائم بين طهران وواشنطن على اساس الاعتقاد السائد ان الاميركيين يريدون تغيير النظام في ايران مقابل اقتناع ايران بأن اللعبة في الشرق الاوسط انتهت وبدأ دورها في الشرق الاسيوي، فمقتل سليماني يندرج تحت هذا التوجه، بانتهاء الدور الشرق اوسطي لإيران اميركيا، لان المرحلة المقبلة هي مرحلة ازمات اسيا الجنوبية والوسطى ضد الصين.
من هنا، الصلح العربي ـ الاسرائيلي مقبل على قدم وساق كما ان الصلح الخليجي ـ الخليجي على الأبواب، والمهم بالنسبة لواشنطن بايدن او ترمب منع إيران من ان تكون خصما لها الى جانب الصين. فايران نقطة ارتطام روسي ـ غربي واميركي ـ صيني، مع الاشارة الى ان البنود الـ12 التي تطالب بها واشنطن طهران مقابل رفع العقوبات هي نفسها البنود التي عرضتها طهران العام 2003 على واشنطن بعد احتلال الاميركيين افغانستان والعراق، ورفضها يومها نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني، فإذا بإيران ترفضها هي نفسها مخافة تغيير النظام لديها، ذلك التغيير الاتي بنهاية المطاف اجلا او عاجلا مع اندلاع اضطرابات شرق وجنوب اسيا.

حاجة اميركا لإيران اليوم أكبر من حاجة بوتين لإيران او من حاجة ايران لبوتين، فهل يشهد العقد الثالث من القرن الحالي تبدلات اسيوية حادة تتخللها اعترافات باكستانية وسورية ولبنانية وعراقية بإسرائيل؟
لكن يبقى ان لكل سيناريو متطلباته للتنفيذ، فهل بعض التنفيذ لانتقال مركز الاهتمام والتركيز يمر باندلاع حرب تثبيت المواقع والمصالح للنظام الدولي، خصوصاً الاميركي في المنطقة لتكريس المعادلات الاقليمية والدولية الجديدة باتجاه الشرق؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل