ما بَقِيَ غيرُ سليم

 

عون ومجموعة الستة

أُثيرت في المدّة الأخيرة أكثر من علامة استفهام حول ما يحصل داخل القصر الجمهوري في بعبدا، وحول طريقة اتخاذ القرارات وكيفية إدارة الأمور في محيط الرئيس ميشال عون. ثمّة انطباع يتكوّن أنّ الوضع ليس على ما يرام وأنّ هناك فلتاناً وقلّة احتراف وضياعاً في المسؤوليات، من دون أن يتمّ العمل على توضيح هذه الصورة أو تبديلها. وهي ليست صورة ما يدور في القصر فقط بل صورة الرئيس أيضاً.

 

بعد قرار فرض العقوبات الأميركية على رئيس “التيّار الوطني الحرّ” الوزير السابق جبران باسيل، بموجب قانون ماغنيتسكي المتعلّق بالفساد، طالت الشظايا رئيس الجمهورية في قصر بعبدا. فهو الذي طالما دافع عن نفسه متبنّياً شعار شنّ الحروب ضد الفساد. وهو الذي أنكر بقوّة أن يكون أيّ من أفراد عائلته متّهم بالفساد. بعد هذه العقوبات طلب الرئيس عون من وزارة الخارجية اللبنانية أن تطلب من السلطات الأميركية تزويدها بالمستندات التي تؤكد تهمة الفساد على صهره باسيل، وهو يعلم كلّ العلم أن هذا الأمر لا يمكن أن يحصل.

 

حرب المستشارين

 

بالتزامن مع هذه العقوبات كان أحد مستشاري الرئيس عون أنطوان حدّاد يخرج بطريقة دراماتيكية من القصر ومن الهيئة الإستشارية للرئيس. حدّاد كان أتى من الولايات المتحدة الأميركية لينشط على مستوى البحث في ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل ودخل القصر الجمهوري على هذا الأساس مستشاراً للرئيس عون، ولكنّ اتّهام باسيل له بطريقة غير مباشرة بأنه قد يكون وراء قرار العقوبات ضده، أخرجه من صمته ليحكي عن تجاوزات تحصل في القصر الجمهوري، بحيث يتمّ تجاوز رئيس الجمهورية ويتحكّم باسيل بالقرار عبر ممرات الإدارة المحيطة بالرئيس، مما يفهم منه وكأنّ هناك وصاية على الرئيس وعلى العمل في القصر. وعلى رغم نفي مثل هذه التهم فإنّ الأمر ليس مقتصراً على مثل هذه المسألة. قبل أن تنفجر المشكلة على هذا النحو حكي كثيراً عن خلل في القصر الجمهوري تزامن مع أكثر من مناسبة، لا سيما ما يتعلّق منها بإطلالات الرئيس غير المحضّرة كمثل مقابلته التلفزيونية التي تحدّث فيها عن أن من لا يعجبه الوضع يمكنه أن يسافر، وكمثل مخاطبته الرأي العام عندما قال إننا رايحين على جهنّم.

 

لا شكّ في أنّ العقوبات الأميركية زعزعت وضعية “التيّار الوطني الحرّ” والنائب جبران باسيل ورسمت علامات استفهام حول مستقبله السياسي وانعكست سلباً على العهد والرئيس عون. ولكنّ تضعضع وضعية التيّار والعهد لم يكن نتيجة هذه العقوبات وحدها. قبل ذلك كانت هناك أكثر من علامة من علامات التراجع والتفكّك ومنها ما يتعلق بمجموعة الستة التي كانت تحيط بالعماد عون قبل وصوله إلى بعبدا.

 

ستة زائد واحد

 

في كتابه “أجمل التاريخ كان غداً” يروي نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي قصّة هذه المجموعة التي ضمّته إلى المحامي كريم بقرادوني والسفير عبدالله أبو حبيب، ومستشار الرئيس عون الصحافي جان عزيز ورئيس الرابطة السريانية حبيب افرام والمحامي سليم جريصاتي عضو المجلس الدستوري سابقاً. يروي الفرزلي أنّ ولادة هذه المجموعة كانت بناء على اقتراح قدّمه باسيل في آذار 2013 للبحث في موضوع قانون للإنتخابات اقترحه الفرزلي، ويقضي بأن تنتخب كل طائفة نوابها. كانت هذه المجموعة تلتقي في مكتب باسيل في وزارة الطاقة قبل أن تنتقل في حزيران 2014، بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، لتلتقي العماد عون في الرابية كل يوم سبت بين الساعة الحادية عشرة والواحدة للبحث في طريقة توصله إلى قصر بعبدا. كان يشارك في هذه الإجتماعات أحياناً العميد شامل روكز بعد تقاعده من الجيش، وابنة العماد عون ميراي الهاشم.

 

في أيلول 2016 بعدما كان مضى ثمانية أشهر على تفاهم معراب بين العماد عون ورئيس “حزب القوات اللبنانية” سمير جعجع أبلغ عون المجموعة “اعتبروا أنني صرت رئيساً للجمهورية”. في 17 تشرين الأول 2016 كان الإجتماع الأخير لعون مع المجموعة في الرابية. أبلغهم تجميد هذه الإجتماعات وأنه يجمع ملفاته وأوراقه لنقلها إلى قصر بعبدا، وكان متيقّناً من أنّ انتخابه رئيساً للجمهورية سيحصل في 31 تشرين الأول بعد التسوية مع الرئيس سعد الحريري. في الأسبوع التالي لانتخابه دعا عون الستة إلى قصر بعبدا وقال لهم، ودائماً كما يروي الفرزلي: “لن تكون اجتماعات السبت بعد الآن، لكن التواصل سيستمرّ”. وأضاف: “سننتظر إلى ما بعد الإنتخابات النيابية لتشكيل أولى حكومات العهد”. ثم التفت إلى الفرزلي وقال له: “دورك في المرحلة المقبلة”. يقول الفرزلي أنّه كان مقتنعاً باحتمال توزير اثنين من المجموعة في أولى حكومات العهد هما سليم جريصاتي “للإستفادة من خبرته القانونية والدستورية” وحبيب افرام “نظراً لإلمامه بملف الأقليات المسيحية في الشرق”.

 

ستة ناقص خمسة

 

في الواقع لم يدخل الحكومة التي ترأسها الرئيس سعد الحريري وصدرت مراسيم تشكيلها في 18 كانون الأول 2016 إلّا سليم جريصاتي وزيراً للعدل. أمّا الفرزلي، الذي لم يكن يتوقّع توزيره بعد كلام الرئيس معهم، فقد نقل أنّه سمع أنّ الرئيس سعد الحريري رفض توزيره وأنّ الرئيس نبيه بري كان ممانعاً وأنّهما معاً حالا دون ذلك. ولكنّه نقل أيضاً عن الرئيس بري نفيه لهذا الأمر عندما التقاه بعد تشكيل الحكومة. في الواقع أنه بعد أربعة أعوام من عمر العهد لم يبق من المجموعة في بعبدا إلا الوزير سليم جريصاتي.

 

في شباط 2018 كان عزيز أول المغادرين. بعد مقدّمة نارية في نشرة أخبار محطة الـ”أو تي في”، التي كان مدير الأخبار فيها، وانتقاد الوزير السابق الياس أبو صعب أبلغه رئيس الجمهورية أنّه لم يعد يقبل بأن يستمرّ في عمله كمستشار له في قصر بعبدا. بعد وقت ترك عزيز العمل أيضاً في المحطة التلفزيونية التابعة للتيار. وصار بعدها لا يتوانى عن نشر تغريدات ينتقد فيها أداء السلطات الرسمية الذي يشمل العهد أيضاً. وقد كان خلاف عزيز مع أبو صعب، الذي كان أيضاً مستشاراً للرئيس عون للشؤون الدولية، من بوادر الخلافات الأولى التي كانت بدأت تظهر داخل أروقة القصر.

 

النائب إيلي الفرزلي الذي خاض الإنتخابات النيابية في ايار 2018 بالتحالف مع “التيار الوطني الحر” في البقاع الغربي وانضم إلى اجتماعات تكتّل “لبنان القوي”، فقد ابتعد عن هذه الإجتماعات وعاد يغرّد وحيداً وإن كان يستمر في طرح مسألة بقائه في التكتل كرأي مختلف. ولكنّه لا يخفي انتقاداته لرئيس التيار جبران باسيل وتحفظاته تجاه العهد، رافضاً بشدة اعتبار بعض من هم إلى جانب باسيل بأنّه فاز في الإنتخابات بأصوات مؤيدي التيار.

 

الأستاذ كريم بقرادوني، تم نشر حديث له على موقع الـ “أم تي في” الألكتروني في 31 تشرين الأول الماضي، في ذكرى انتخاب عون الرابعة، يقول فيه إن “عهد عون فشل وأن جعجع بعده وأن “حزب الله” بدأ يزمّ”. وعلى رغم أنه نفى أن يكون قال هذا الكلام في مقابلة في اليوم التالي على محطة “أو تي في”، فإنّ هذا النفي لم يحجب حقيقة ابتعاده عن القصر الجمهوري في بعبدا. صحيح أنه كان يزور الرئيس أحياناً ولكن لم يسجّل قيامه بزيارته بعد نشر هذا الحديث له. مع العلم أنّ بقرادوني كان يسجّل بعض ما كان يدور في لقاءات مجموعة الستة مع عون كي يستخدمها كمعلومات في الكتاب الذي كان يعدّه عنه، وقد أجرى مراجعة أخيرة له في أيلول 2019 قبل إرساله إلى الطبع. ولكن ثورة 17 تشرين غيرت روزنامة الأولويات وبقي الكتاب أسير عدم النشر. قبل ذلك الموعد لم يكن بقرادوني يخفي شعوره بخيبة أمل من العهد وباسيل.

 

حبيب افرام تمّ تعيينه مستشاراً للرئيس للشؤون الدينية في العام 2017 وتمّ طرح اسمه ليكون وزيراً في الحكومة التي شكّلها الرئيس سعد الحريري بعد انتخابات أيار 2018، ولكنّ هذا الأمر لم يحصل. بقي افرام بعيداً عن الوعد بالتوزير ولذلك بقي بعيداً أيضاً عن القصر، وقد وجه عبر التلفزيون نداء إلى الرئيس عون يناشده فيه تمثيل الأقليات المسيحية وألّا يضعها في موقف محرج.

 

السفير عبدالله أبو حبيب كان الأكثر تظهيراً لتحولات موقفه من العهد. لم يخف تأييده لموقف البطريرك الراعي الداعي إلى تحرير قرار الشرعية وإعلان حياد لبنان ونزع سلاح الميليشيات مسمّياً “حزب الله”. ولم يتوانَ عن اعتبار أن “حزب الله” متّهم بتغطية الهدر والفساد وأنّ موقفه صعب وأنّ أمينه العام السيد حسن نصرالله هو الرئيس الفعلي للبنان، وأنّ حكومة حسان دياب كانت واجهة لمن شكّلها داعياً إلى حكومة مستقلّة مصغّرة.

 

يبقى من مجموعة الستة الوزير سليم جريصالتي في القصر إلى جانب رئيس الجمهورية وهذا الأمر لا يجنبه تحميله مسؤولية فشل خيارات العهد والوضع الذي وصل إليه.

 

لا يكفي توجيه الرئيس عون الرسائل إلى مجلس النواب كي يقال إنه ممسك بصلاحياته. صورة الرئيس في قصر بعبدا ليست على ما يرام. وإلا لماذا ينفضّ من حوله من كانوا معه؟ ولماذا يتجمع كل هذا اللغط حول ما يدور في القصر الجمهوري، وكأن ما لا يقال يبقى أكثر ممّا يقال احتراماً للرئاسة وموقع الرئيس. المشكلة تكمن في ما إذا كان هناك من يعتبر أن لا وجود لأي مشكلة من هذا النوع.​

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل