الحريري يرفض توزير “موظفين لباسيل وغيره”

من سوء حظ اللعبة السياسية في لبنان تداخل جملة من التعقيدات تتمثل في عدم قدرة الافرقاء على تأليف حكومة، اضافة الى فرملة ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل مروراً بالعقوبات الاميركية المفتوحة، من دون ان ينسى المواطنون وطأة العواصف المعيشية التي تهدد يومياتهم. ومن سوء الحظ ايضا ان المساعدات الدولية، وآخرها ما تقوم به باريس في مؤتمر مساعدة لبنان وغيرها من الاصدقاء، باتت تنحصر في الدعم الانساني وليس في اعادة الاعمار وبناء المؤسسات وتحصينها بعدما اصبح تأمين رغيف الخبز يحتل اولويات هذه المساعدات في بلد يتجه فيه قسم كبير من أهله نحو العوز والمجاعة من جراء سياسات مالية وحكومية ومصرفية خاطئة طغت عليها الصفقات ومزاريب الهدر ليتحول البلد دولة متسولة بعد انهيار عملته الوطنية، ولا تنفك قواه عن الاستمرار في لعبة عض الأصابع.

وامام كل هذه الضغوط لا يتراجع المعنيون عن شروطهم حيال تأليف الحكومة المقبلة. وكل طرف يحمّل آلاخر افشال التوصل الى صدور مراسيم التأليف. ويظهر ان الرئيس المكلف سعد الحريري أقل الجهات التي تشير الى الضغوط التي تعترضه وهو يطبق مبدأ الحمية في الكلام او نشر غسيل التناقضات والاتهامات المتبادلة. واذا تسربت معلومات من “بيت الوسط” في هذه الايام فهي تخرج بالقطارة.

وكان فريق الحريري قد تلقى سلسلة من الرسائل الديبلوماسية الصديقة من الفرنسيين وغيرهم تدعوه الى التعجيل في التأليف، ووصل مضمونها واضافات اخرى الى”حزب الله” بواسطة القنوات التي تتواصل معه وتحمّله جزءاً كبيراً من مسؤولية التأخير الحاصل في التأليف، وانه ذهب بعيداً في مسايرة رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل والوقوف الى جانبه والعمل على التلاقي مع شروطه.
ومن غير المنطق الاستمرار في الوقوف الى جانبه في السراء والضراء وإنْ كان يوفر للحزب التغطية المسيحية في البلد، مع ضرورة التنبه الى ان لعبة التعطيل الحاصل بدأت تضيق على الجميع، وان لا صحة لما يردده الحزب وآخرون وهو ان الاميركيين يمنعون تشكيل الحكومة. وهذا ما نفته بشدة السفيرة دوروثي شيا امام الرئيس نبيه بري في زيارتها الاخيرة الى عين التينة. وهي تضع ما يتم تناقله في هذا الشأن في اطار الاتهامات التي تطاول ادارتها. ويأتي رد الحزب هنا بأنه ليس من مصلحته تأخير ولادة الحكومة، ولن يترك في الوقت نفسه باسيل لقمة سائغة امام من لا يلتقي معه في الداخل والخارج. وثمة من لا يتوقع ان يُقدم الحزب ومحوره في هذا التوقيت الدولي الذي يودع فيه الجمهوريون البيت الابيض، على التسليم بشروط الحريري وتربعه على كرسي السرايا بحسب ما يطمح اليه في تأسيس بنيان حكومته. ولا يُفهم من هذا الكلام ان الحزب يريد شخصية بديلة منه على رأس السلطة التنفيذية، وانه بعد صدور عقوبات وزارة الخزانة الاميركية ضد باسيل جرى التصلب اكثر في مواقف الوفد اللبناني المكلف ادارة مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل.

وفي زحمة هذه التعقيدات ينطلق الحريري من جملة المعطيات التي لا يزال يعمل على التمسك بها وعدم تقديم اي تنازلات حيالها مع ابرازه مقاربته حيال الطريقة الافضل لتأليف الحكومة. ولذلك لا يريد الحريري التأليف هذه المرة على طريقة ولادة الحكومات السابقة التي تسلم ساريتها بنفسها او تلك التي كانت برئاسة سواه مع تشديده على عدم سيطرة أي مكون حزبي على مفاصل الحكومة. ويتهم الحريري العونيين بأنهم يتحملون عوامل التأخير وفرض الشروط والاسماء في تشكيل الحكومة، ولن يقبل السير وفق رؤيتهم مهما كانت التحديات التي تعترضه. ولا يزال على عزيمته في الاصرار على حكومة اختصاصيين غير مرتهنين لجهات سياسية حزبية او غير ذلك، وان ما تلقاه من لوائح باسماء شيعية ودرزية فضلاً عن السنية يرى أنها لا تشبه ما يصله من اسماء من طرف الرئيس عون. ولا صحة ان ثمة مشكلة مع الجانب الشيعي. وهو تلقى نماذج سير وجوه لا يعرفها شخصيا لكنها ذات سمعة جيدة في اختصاصاتها.

وكان الحريري قد اوصل حصيلة موقفه هذا الى الفرنسيين والروس – يؤيدون مبادرة الرئيس ماكرون – وغيرهم برسالة مفادها أنه لن يقبل في النهاية بتوزير موظفين لباسيل. ووصل الى اقتناعات باتت مثبتة لديه خلاصتها ان العونيين يقفون سداً امام تشكيل الحكومة ولا يقبلون بولادتها الا وفق اهواء فريقهم. كذلك لا يعطي اي أهمية للكلام الدائر بأنه ينتظر تسلم المرشح الديموقراطي جو بايدن مقاليد السلطة في البيت الابيض في 20 كانون الثاني المقبل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل