المواجهة مع حزب الله لا مع الشيعة

طالعنا الصحافي ” علي  ضاحي” الأربعاء في  2 كانون الأوّل بمقال له في  جريدة الديار بعنوان:” التعبئة التربوية في حزب الله: ما يجري في اليسوعية مفتعل ومدروس !” وذلك على خلفيّة الأحداث التي رافقت الانتخابات الطالبيّة في  الجامعة اليسوعيّة، ضمنّه الزّميل الكريم مجموعة مغالطات لضرب مشروع القوّات السيادي والوطني، في  محاولة منه لتهشيم صورة القوّات كحزب لبناني الأرزة وحدها تتوسّط علمه، لا الشعارات الدينيّة المذهبيّة، ولا بارودة الأولياء الذين يرهن الوطن بأكمله لحساب  مصالحهم الخاصّة.

فات الأستاذ علي أنّ مشروع القوّات اللبنانيّة لم يكن يومًا مرتبطًا بدولة مارونيّة مثلا، أو بولاية مار مارون، أو حتّى بسلاح غير شرعي لضرب منظومة الدّولة. بل بالعكس  تمامًا، لما تقاعست الدّولة عن حماية مواطنيها كانت القوّات اللبنانيّة البديل، ولمّا اتّفق اللبنانيّون في  الطائف على إعادة بناء دولتهم وفق القواعد التي وضعوها هناك، كانت القوّات اللبنانيّة الحزب  الوحيد الذي بادر إلى تسليم  سلاحه واضعًا قدراته التنظيميّة العسكريّة بالكامل  تحت لواء  الدّولة ومؤسّساتها. في  حين أنّ حزب  الله الذي يفاخر به الأستاذ علي هو الذي ضرب منظومة الدّولة باحتفاظه  بسلاحه غير الشرعي، حتّى وصل به الأمر إلى المجاهرة علنًا بتفوّقه على الدّولة.

ومن المهمّ أن يعرف  الزميل بالتاريخ اللبناني، على الأقلّ الحديث منه، حيث تمّ خوض حروب إلغاء  عسكريّة وسياسيّة وقضائيّة وأمنيّة على القوّات اللبنانيّة، في  حين أنّها لم تَخُضْ أيّ حرب إلغاء على أحد، وليست من أدبيّاتها لأنّها تؤمن بالفكر  التعدّدي، والاختلاف واحترام الآخر. وهي تكاد تكون وحدها التي  حملت الخطاب الوطني والمشروع الكياني للمحافظة على الكيانيّة اللبنانيّة، لا لضربها كما يفعل حزب الله بفرضه أيديولوجيّة ولاية الفقيه، ليس فقط على الشيعة أبناء  ملّـته بل على اللبنانيّين جميعهم، ولو بطريقة  مبطنة.

ومن المفيد أن يدرك الزّميل أنّ القوّاتيين لم يجوبوا يومًا الطرقات في مواكبهم السيارة أو الراجلة منادين ” موارنة موارنة”؛ في  حين أنّ أصداء هتافات ” شيعة شيعة” لا زالت تصدح من طريق صيدا القديمة بين منطقتي الشياح وعين الرمانة، وصولا حتى جسر الرينغ ومنطقة الجميزة والسوديكو وهوفلان ومداخل الأشرفيّة، وحتّى على تقاطع ساسين. هذه التعمية التي يقودها الاعلام الأصفر الذي يكتب تحت لوائه الزميل المحترم، لم تعد نافعة اليوم. فالناس  كلّها قد  رأت الحقيقة وقالت كلمتها في  14 آذار وفي  17 تشرين، وباتت الحقيقة كالشمس. فمن المعيب رمي  التهم جزافًا والقول بأنّ ما حدث في  اليسوعيّة مفتعل ومدروس في  حين أنّ للقوّات ثلاثة جرحى!

فالمسألة ليست مسألة أقساط، ولا مسألة مَن يرحّب بمن، إنّما هي قضيّة مشروع كيانيّ تعدّدي حياديّ لن يفهمه الزّميل لأنّه منطلق  من فكر  مذهبيّ طائفيّ يرفع شعار ” شيعة شيعة” بوجه إخوته اللبنانيّين على اختلاف  إنتماءاتهم المناطقيّة أو الدينيّة أو حتّى المذهبيّة. وبالتالي ما مِن غريب في لبنان إلا الذي يخرج عن الخطّ الكيانيّ اللبناني، ومَن أخرج نفسه بنفسه هو وحده قد استجلب صفة الغريب لنفسه لأنّه لا يشعر بالانتماء لهذا الوطن، ولا يفتخر بهويّـته، ويعلن أمام الملأ بانتمائه لجيش  ولاية الفقيه، ويدين له بالولاء المطلق لأنّه وحده وليّ نعمه، من الدولار العراقي المسروق حتّى السلاح الروسي  المهرّب.

فما جرى يوم الثلاثاء في  الجامعة اليسوعيّة هو ترجمة للمشروع الذي يحمله حزب الله، وهذا هو المشروع الالغائي بعينه. وما التسلّل النّاعم الذي يمارسه في  المجموعات الحضاريّة اللبنانيّة تحت ذريعة الحماية بالسلاح غير  الشرعي من الارهاب  التكفيري تارة، ومن الشريك بالوطن، أي  الخصم السياسي تارة أخرى، إلا ترجمة لحرب الالغاء الجديدة التي يقودها من الدّاخل الحضاري، وبطريقة ناعمة من دون أن يخدش  مشاعرهم الإنتمائيّة. ولا بدّ من تذكير  الزميل بأنّ القوّات اللبنانيّة كحركة مقاومة أوّلأ، وكحزب سياسي ثانيًا، قامت ضدّ المشاريع الالغائيّة التي تتناقض مع الكيانيّة اللبنانيّة التي تشكّل أساسا في  الهوية اللبنانيّة التي يخجل فيها حزب الله ويفاخر بهويّته الايرانيّة.

ويجب أن يدرك الزميل بأنّ القوّات لم تكن يومًا في  مواجهة مع المواطن اللبناني وانتمائه السياسي حتى لو اختلف مع الانتماء  القوّاتي، بل هي  كانت ضدّ الانمتاء السياسي الذي يتناقض  مع كيانيّة الوطن. فالخلاف هو سياسيّ إذا ولا يحاولنّ  ” ضاحي” وأترابه نقل الخلاف إلى مكان آخر للاستثمار فيه سياسيًّا، إن في  اليسوعيّة أو في لبنان ككلّ. هذه الألاعيب الرخيصة باتت مكشوفة. من هنا، مشكلة القوّات ليست مع الشيعة إطلاقًا، ولا مع أيّ مكوّن حضاريّ آخر. فالمواجهة إذًا هي  مع المشروع السياسي الذي قد  يحمله أيّ لبناني يتناقض وصيغتي  الوفاق  والميثاق  الوطني. فخطاب  القوّات اليوم يعبّر عن شرائح وطنيّة واسعة باختلاف انتمائها الحضاري، ومنها الشعيّة، والدليل في ذلك وجود أئمّة شيعة معمّمين بالعمامة السوداء  التي  نجلّ رمزيّتها، يحملون خطاب القوّات السياسي، والحزب يقود حرب إلغائهم بشكل علني في بيئته الشخصيّة.

فالعناوين الوطنيّة التي  تحملها القوّات اليوم إنّما هي نابعة من صميم وجوديّتها وتجذّرها في  هذه الأرض؛ فسلاح حزب  الله بات عبئًا، حتّى داخل بيئته من قبل أولئك الذين يؤمنون بكيانيّة لبنان، وبالمبادئ التي أرثاها الإمام المغيّب السيّد موسى الصّدر على قاعدة العيش  معًا في وطن ال 10452 كم2. كما أنّ مسألة السيادة لا تهمّ القواتيّ فقط بل هي مسألة وجوديّة تضرب جوهر قيام الوطن في حال التنازل عنها. ومسائل كالشفافيّة ومكافحة الفساد، ومقاربة القضايا الوطنيّة، ودور لبنان وفعاليّـته وتفاعله مع عمقه العربي الحيوي والاستراتيجي وليس  معاداته كرمة عيون الوليّ الفقيه، والشراكة الحقيقية والاستقلال، ولبنان الرسالة، والاقتصاد الحرّ، ألا تهمّ هذه المسائل اللبنانيّين كلّهم؟

من هذا المنطلق، إنّ كلّ ما أورده الزميل ” ضاحي” في  مقاله لا يمتّ إلى الحقيقة والواقع بأيّ صلة لأنّه أراد وضع الصراع في  الاطار الطائفي- المذهبي  الضيّق، لكأنّ القوّات تعادي الشيعة كلّهم. في  حين أنّ الواقع هو عكس ذلك بالتمام. فالخلاف  مع المشروع الذي يحمله حزب الله اليوم، أو مع مَن قد يحمل  هكذا مشاريع حتّى لو كان مارونيًّا. يكفي أن يستذكر الزّميل مَن هم الذين أعادوا  مجد اللغة العربيّة؛ أليست هذه الارساليّات والرهبانيات بدءًا من مطبعة مار أنطونيوس قزحيّا في  العام 1610 وليس  انتهاءً بمجد الرابطة القلميّة مع رئيسها ابن بشرّي ” جبران خليل جبران”؟

تزوير التاريخ جرم وليس  جريمة. أما تعلّم أمثال “ضاحي” بعد من التجارب التي مرّت في لبنان بأنّ التاريخ اللبناني  مكتوب بالدم فلن يستطيع أحد تحويره أو محوه! هذه مدعاة فخرنا، وهذا تاريخنا، فرهباننا السريان هم الذين حملوا اللغة العربيّة من الحضيض الذي أوصلها إليه تطرّف وانحطاط بعضهم وولائه لغير الحضارة العربيّة، وحزب الله يفاخر بهذا الولاء. قيمة جامعاتنا ومدارسنا ومؤسساتنا التربويّة هي بتجسيد  قيمة ” العيش معًا” بالفعل وليس بالقول، وفي هذا التفاعل الذي تمثّله القوّات اللبنانيّة. فواقع الحال اليوم أنّ طبيعة المواجهة هي سياسيّة بامتياز، فالمواجهة مع القوّات تكون على قاعدة المشاريع الوطنيّة والسياسيّة. والانسان هو هدف القوّات أينما وجد في لبنان أو حتّى في  الانتشار اللبناني، بهدف بناء  المستقبل. والمنطلَق  الوحيد الذي تنطلق منه القوّات هو القاعدة التي أرثاها البطريرك المثلث الرحمات مار نصرالله بطرس صفير بقوله: “لبنان ليس للمسيحيّين أو للمسلمين، بل المسيحيّون والمسلمون هم للبنان.” فأهلا بك أيّها الزّميل الضّاحي في رحاب  القوّات ولبنان إن كنت من الكيانيّين الذين يؤمنون بلبنان السيّد والحرّ والمستقلّ.

أمّا إذا ما زلت متمسّكًا بالتزامك الأيديولوجي خارج الكيانيّة اللبنانيّة، فحريّ بك أن تبحث عن وطن يشبهك أو هويّة تمثّلك وتفاخر بذلك، ولا أحد يعترض  على حرّيتك الشخصيّة عندها؛ فلا مشكلة للقوّات مع الانسان كإنسان سواء أكان شيعيًّا أم سنيًّا أم درزيًّا أم علويًّا أو حتّى لا ينتمي إلى أيّ دين. فالقوات تخوض مواجهتها وفقًا للمشاريع السياسيّة. فهل تملك الجرأة أيّها الضاحي لتغيير مشروعك ومشروع حزبك السياسي أم أنّ مشروعكما الحقيقي هو تغيير الهويّة والوطن؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل