.jpg)
“لقد بعت سيارتي الأولى اليوم”. بطوله الفارع البالغ مترين وخمسة سنيتمترات، يقف شارل تابت مبتهجاً لبيع زبونة سيارة دفعٍ رباعي بيضاء، مستهلا رحلة تجارية بعد مسيرة لعشر سنواتٍ في الدوري اللبناني لكرة السلة، حيث دفعته الأوضاع الاقتصادية المتردية إلى الاعتزال.
هجر إبن الثالثة والثلاثين الرياضة الأكثر نجاحاً في “بلاد الارز”، عائداً الى ميشيغن في بلد المنشأ الولايات المتحدة وملتفتًا إلى حياة مهنية بعيداً عن كرة السلة. رأى في تجارة السيارات ضماناً لمستقبل عائلته، في ظل تأثر رواتب اللاعبين نتيجة تراجع سعر صرف العملة المحلية، في بلاد تعيش إحدى أسوأ أزماتها الاقتصادية منذ نيلها الاستقلال عام 1943.
يقول تابت، أحد لاعبي النخبة في لبنان، لوكالة فرانس برس “لم يكن قرار الاعتزال سهلاً، إذ لعبتُ مدة عشر سنوات في لبنان، حيث أصبح لدي العديد من الأصدقاء لا بل أصبحوا جزءا من عائلتي”. يضيف لاعب أندية أنيبال والحكمة والمتحد والرياضي وبيروت سابقاً “من المؤسف ما يجري في لبنان اقتصاديا واشتداد الأزمة المالية، فالناس لا يستحقون هذا الأمر!”.
سرقت كرة السلة الانظار في لبنان، مع نجاحات عربية وآسيوية لناديي الحكمة والرياضي في تسعينيات القرن الماضي، انسحبت إلى المنتخب الوطني الذي تأهل ثلاث مرات للمشاركة في كأس العالم أعوام 2002 و2006 و2010.
وفي مشاركته عام 2006 في اليابان، نجح بالفوز على منتخب فرنسا العريق، علما بأنه ضيف دائم في بطولة آسيا التي تأهل قبل أيام الى نسختها المقبلة المقررة في 2021. وخلافاً للعبة الأكثر شعبية في الشرق الاوسط، كرة القدم، عاشت كرة السلة اللبنانية ازدهاراً، واستقدمت أنديتها محترفين مميزين من الولايات المتحدة الأميركية. أصبحت محط حسد من لاعبي كرة القدم الذين يتقاضون أجوراً ضئيلة مقارنة مع عمالقة الكرة البرتقالية.
لكن مع بداية أزمة اقتصادية خانقة نتج عنها احتجاجات شعبية واسعة النطاق في تشرين الاول 2019، اعتزل أربعة لاعبين دوليين، في ظل توقف الدوري الذي تعمّقت مأساته بسبب تداعيات فيروس كورونا المستجد.
يروي تابت انتقاله من عالم الرياضة الى التجارة “أعمل في بيع السيارات لأن شقيقي روبرت مدير مالي في اكبر وكالات بيع السيارات في ميشيغن وقد شجعني على خوض هذه التجربة”. وعن تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار بنحو خمسة أضعاف، فضلاً عن حالة انكماش مصرفية وضعت قيوداً على الحسابات بالعملة الاجنبية، يقول إيلي رستم قائد المنتخب اللبناني “الأمور ضبابية واللعبة تتجه الى الأسوأ بسبب ارتباطها في كل ما يجري في البلاد، لذا أصبحنا نبحث عن أي فرصة للهجرة من اللعبة ولم نعد نثق بهذا القطاع”.
بدوره، يرى تابت أن “الرياضيين قد يتحولون الى رجال أعمال رائعين. نحن قادرون على المنافسة، ونعرف ما يتكوّن منه العمل الجاد، ونحن مدفوعون للنجاح. سأكون على ما يرام!”.
حتى الآن، اعتزل اللبناني-الاميركي دانيال فارس (33 سنة)، لاعب ناديي الحكمة والشانفيل بين 2010 و2020، متجهاً للعمل في نيو مكسيكو التي دافع عن ألوان جامعتها بين 2005 و2009. يمتلك اللاعب البالغ طوله 2.06 م متجراً لبيع الأدوات والمستلزمات الطبية. أما #جيرار حديديان (25 سنة و2,01 م) فذهب للاحتراف في الدوري الأرميني والعمل في البلاد التي يحمل جذورها. وأصبح ايلي شمعون (26 سنة)، لاعب نادي بيروت، مستشاراً إدارياً في إحدى الشركات المحلية. كما أن عدداً آخر من اللاعبين يدرس اتخاذ خطوات مماثلة في ظل الشلل الذي يضرب اللعبة.
يبدي رياضيون ندماً لعدم التفاتهم الى حياتهم التعليمية والمهنية بدلاً من الرياضة، بحسب رستم (33 سنة) “جنينا أموالا وفيرة من كرة السلة على أن نتجه الى الاستثمار بعد الاعتزال”. يضيف خريج كلية الهندسة الذي نال شهادة إضافية في الإدارة الرياضية “في السنوات القليلة الماضية بدأت سوق كرة السلة تتراجع وواجهت غالبية اللاعبين أزمة مستحقات مع أنديتها… حينها بدأت فكرة ممارسة عمل مختلف تراود العديد من الزملاء”. تابع لاعب المتحد والحكمة السابق “بدأت عملاً في شركة عقارية إضافة الى استثماراتي في مطاعم في (العاصمة) بيروت ولم تعد كرة السلة أولوية لي. مشاركتي مع المنتخب جاءت فقط لرفع اسم بلدي ولكي نذكّر الجمهور بوجود هذه اللعبة”.
ومع تفاقم الأزمات، انتقل مدربون إلى بطولات خارجية لا سيما في الخليج. حزم المدربان سركيس وفؤاد أبو شقرا حقائبهما إلى السعودية، مدرب الرياضي بطل لبنان الشاب أحمد فران الى الكويت وتعاقد مروان خليل لفترة طويلة مع المنامة البحريني.