Site icon Lebanese Forces Official Website

سمير جعجع… المبدئية في زمن الانتهازية

قد يكون سمير جعجع القائد العسكري الوحيد الذي دخل باب السياسة بروح الانضباط نفسها المطلوبة في العسكرية محتفظاً بمبدئيته ومناقبيته وشفافيته في زمن سيطرت فيه روح الانتهازية والانهزامية على ممارسة الشأن العام وفقاً لميزان الربح والخسارة من دون أي اعتبار للقيم والمفاهيم الديمقراطية.

خلال حياته العسكرية لم يقِم ولم يقيّم سمير جعجع معاركه بميزان القوة بل اعتبر دائماً أن ميزان الحق هو البوصلة التي توجّه قراراته ومعاركه، ولطالما كان المنقذ في الأوقات العصيبة، اذ رمى بنفسه وبشبابه في أتون المعارك المستحيلة لينقذ ما يمكن إنقاذه، والحد من الخسائر حاملاً صلبانه من دون ملل، متنقلاً وقواته في حقول ألغام لا ترحم.

هو سمير جعجع الذي قام بانتفاضة 12 آذار وسلّم القيادة للمرحوم إيلي حبيقة، هو جعجع نفسه الذي قاد انتفاضة 15 كانون الثاني 1986 لإسقاط الاتفاق الثلاثي بعدما اعتقد الجميع أن الأمر تم، فانتفض ليقول إن الأمر له.

هو نفسه جعل من المناطق الشرقية واحة أمن مفتوحة لجميع اللبنانيين يقصدونها لتنشق هواء الحرية المعدوم خارج حدود “الشرقية” الآمنة بفضل توازن عسكري لم تكسره إلا حربَي “التحرير” و “الإلغاء” وما نتج عنهما من تداعيات لا نريد نكء جراحها ونكتفي بالقول إنها أخرجت اتفاق الطائف من مضامينه ومعها المسيحيين من المعادلة، فذهب العماد عون إلى المنفى ودخل جعجع إلى السجن حاملاً معه مبدئيته التي أزعجت أركان “الطائف السوري” خصوصاً بعد انتخابات 1992 التي جرت بمشاركة 13% من اللبنانيين بعد رفض جعجع المشاركة بها ودعوته لمقاطعتها.

بعد هذا السرد السريع يأتي من يريد المقارنة بين رجل صنع تاريخه بيديه ودمائه ومبدئيته وآخر جاء به الحظ ووقعت عليه الرزقة وارتمت في أحضانه المناصب والمكاسب من دون كثير من العناء، وأساء استخدام السلطة واعتمد صرف النفوذ لتحجيم أصدقائه وأخصامه على حد سواء. كما حاول اللعب على حبال التناقضات في دعم “المقاومة” هنا والمساومة هناك، تارة بنفي الصراع الإيديولوجي مع اسرائيل وتأكيد حقها في العيش بأمان، وحيناً في إطلاق سراح عامر الفاخوري، ومرة أخرى في إطلاق مفاوضات الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل، فكيف تجوز أصلاً المقارنة بين سليل المقاومة اللبنانية وسليل المصاهرة الذي بنى شبكة علاقات رملية بدأت تنهار بابتعاد أركان علاقاته عنه خصوصاً من رجال الأعمال بعد فرض العقوبات الأميركية عليه خوفاً من أن تطاولهم تداعياتها؟

أما اعتبار أن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع حاول تسلّق “حراك 17 تشرين”، فهذا حقاً مدعاة شفقة على من لا يقرأ ولا يتابع ولا يبحث في الأرشيف ويريد أن يكتب. الحقيقة هي أن سمير جعجع حمل الحراك على أكتافه، وقد يكون الوحيد اليوم الذي لا يزال يؤمن بأن الثورة مستمرة لو بأشكال مختلفة من دون أن يعني ذلك استبعاد عودتها إلى الشارع. نعم جعجع حاول ابعاد عبء الثورة عن كاهل الشعب بقيادة ثورة مؤسساتية في الوزارات التي تولت القوات إدارتها من خلال الشفافية والتخلي عن المحسوبيات ووقف العقود الزبائنية ومعارضة التلزيمات بالتراضي ووقف الصفقات المشبوهة كالبطاقات البيومترية على سبيل المثال لا الحصر كي لا يقال إن القوات استهدفت التيار فقط.

سمير جعجع لبناني فقط، يوافق على ما يفيد لبنان ويعارض ما يضرّ لبنان، لا يتوانى عن معارضة أي كان ولا يتردد في التوافق مع أي كان لمصلحة لبنان، ولعل أصدق دليل على نزاهة سمير جعجع ما ينبثق من المحاولات الفاشلة لتشويه صورته التي لا تشوبها شائنة، فشكراً لك يا الله.

Exit mobile version