قولوا الحقيقة مهما كانت صعبة

 

تبدو اليوم جليّة عمليّة ضرب الدّستور من قبل أولئك الذين لم يتقبّلوا يومًا دستور الطائف، ومن قبل الذين لا مصلحة لديهم بالاحتفاظ به. لقد تلاقت المصلحتان، وكلاهما على حساب الوطن وأهله. في حين أنّ الفريق الذي تقبّل الطائف وحاول العمل وفقًا لشروطه بغية الانتهاء من كابوس الحرب وحلم الهرب الذي تحقّق، لا يزال هو هو، دستوريّ بالإمتياز، سياديّ بالوطنيّة، وكيانيّ بالأصالة.

 

يبدو واضحًا في هذه الأيّام أنّ الفريق العوني الذي لم يقبل باتّفاق الطّائف في تلك الأيّام، لأنّه لم يوصله إلى كرسيّ بعبدا، قد عاد وتقبّل به، وحصّنه بنقيضين: تفاهم مار مخايل واتّفاق معراب، ليتمكّن من بلوغ مآربه. فيما أنّ الطرف الشيعي الذي اعتبر نفسه مغبونًا وقتذاك، ولم يكن يملك القدرة لا على التعطيل، ولا على التبديل، ولا حتّى على التعديل، سار بهذا الاتّفاق والتفّ عليه من الدّاخل بالممارسة، إذ استعان بيد الوصاية السوريّة على قاعدة المصالح المشتركة، حتّى بات بمقدوره اليوم ضرب هذا الدّستور بجوهره من خلال الطرح البديل الذي بات اليوم مجاهرًا به بسبب امتلاكه فائضًا من القوة العسكريّة مكّنته بدورها من التسلّط السياسي متّبعًا نهج الديمقراطيّة التعطيليّة.

 

من هنا، تبدو مصلحة هذين الفريقين بالسيطرة على الدّولة مستمرّة حتى ما بعد ولاية الرئيس عون الحاليّة. فالحديث عن ترشيح الصهر الذي قام بعمليّة تطويع سياسي لعهد عمّه، ليضمن العهد المقبل له، بات واقعًا لا يقدر أيّ قارئ تجاوزه. لذلك، ستستمرّ هذه المصلحة المشتركة بين هذين الفريقين، ويخطئ مَن يظنّ أنّه قادر على تحرير الفريق المسيحي من التزامه مع فريق حزب الله. فقد تجدّد هذا الالتزام على قاعدة المصلحة المشتركة. والكلام الذي علا عن خلاف داخل مطبخ مار مخايل لا يعدو كونه مناوشة تكتيّة لتحصين المكاسب داخل الفريق الواحد في السلطة.

 

أمّا بالنّسبة إلى الفريق السيادي الذي مثّلته بكركي آنذاك، مدعومة سياسيًّا بغطاء القوّات اللبنانيّة والسياديّين معها، فلا يزال في موقعه، يبحث عن كيفيّة تحصين هذا الدّستور وتحسينه من خلال مشروع الحياد الذي طرحته بكركي، والدّعوة الواضحة التي أطلقها رئيس حزب القوّات اللبنانيّة الدكتور سمير جعجع في تطبيق اللامركزيّة الموسّعة انطلاقًا من هذا الدّستور. وذلك كلّه نابع من رؤية هذا الفريق الوطنيّة التي لا تنطلق من مصلحة “فردانيّة” أو “شخصانيّة”.

 

وممّا لا شكّ فيه أن الصراع بات محدّدًا في أفقه الضيّقة بين هذين المشروعين الواضحين: مشروع فرداني في مواجهة المشروع الكياني. وما بينهما يرزح المواطن أمام الخيارات المعيشيّة الصعبة التي فرضتها عليه هذه المواجهة. ولن يتمكّن لبنان من الخروج من هذه الأزمة إلا بالاحتكام إلى خيارات النّاس التي عليها أن تختار ما بين المشروع الذي يضعها على خطّ الضاحية (حزب الله) الشام (البعث) العراق (الحشد الشعبي) إيران (ولاية الفقيه) والمشروع الذي يضعها على خطّ التراث العالمي الممتدّ من الخليج العربي إلى أوروبا فأميركا.

 

وأمثلة هذين الخيارين واضحة. في حين أنّ الخطّ الأوّل يقطّر رغيف الخبز لشعبه، ينعم الخطّ الآخر بسهول مزروعة بالقمح وأهراءات تفيض به. فالمعادلة باتت واضحة لا لبثة فيها حتّى الوصول إلى الهدف المنشود. وما الخلاف اليوم حول تشكيل الحكومة إلا في هذا السياق. لقد أيقن الجميع أنّ العربة التي يجرّها حصانان باتّجاهين معاكسين لن تسير، والكباش اليوم يكمن في مَن سيسطر على قيادة هذه العربة، ووجهة سيرها واضحة للعيان.

 

لا حلّ إلا بالانتصار. ولن يتحقّق هذا الانتصار إلا بفوز مشروع على آخر. والكلمة الفصل هي للنّاس. إمّا الانتفاضة الكاملة لإزالة هذه السلطة الفاسدة والالتحاق بالمشروع السيادي الذي تظهّر في الثورة الأولى، في 14 آذار 2005، أو الرّضوخ للمشروع الايراني وعدم لوم الآخرين على أيّ تقصير مَن مِن المفترض أن يقول الحقيقة مهما كانت صعبة، وهو قالها. ولكم اليوم الكلام في الساحات والمدن والقرى كما يعلو صوت هذا الفريق من داخل المؤسسات: “قولوا الحقيقة مهما كانت صعبة” وإلا لن ينفع بعدها البكاء وصرير الأسنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل