.jpg)
بمعزل عن الزيارتين الأخيرتين لرئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الى قصر بعبدا، لا تبدو الجهود المبذولة لتوليد الحكومة العتيدة جديّة. فالمسؤولون اللبنانيون، كل وبحسب اختصاصه وإن بنسب متفاوتة، يتقنون فنّ اللعب على حافة الهاوية. لبّى الحريري بعد الضغوط الدولية وقطيعة الاسابيع الثلاثة، طلب رئيس الجمهورية ورفع المسودة الحكومية الذي اتفق على معظمها بين الرئيسين، ليتفاجأ ربما هو بنفسه، كما اللبنانيين، ببيان رئاسي مفاده بأن عون سلّم الحريري طرحاً حكومياً متكاملاً يتضمن توزيعاً للحقائب على اساس مبادئ واضحة.
الحريري الذي خرج مبشراً بأجواء إيجابية، اصطدم بالالتفاف على صلاحياته الدستورية، ببيان معلن، بعدما تحدثت مصادر مطلعة على أجواء اللقاء بين الرجلين بأن عون اكتفى بطرح بعض التبديل في الحقائب على لائحة الرئيس المكلف وكان الجو إيجابياً بينهما، مؤكدة أن ما جرى بعد ساعتين من اللقاء يدل بشكل واضح على دخول رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، على خط العرقلة والعبث بالأجواء الإيجابية، مستبعدة وجود مسودة رسمية قدمها عون الى الحريري.
إذاً وبعد انفلاش حرب المسودات وتطاير شظاياها، لا بدّ من العودة الى التذكير بالدستور. من يشكل الحكومة وما هو دور كل سلطة من السلطات التنفيذية، وهل يمكن لرئيس الحكومة المولج تشكيل الحكومة، الأخذ بمسودة الرئاسة الأولى؟
يؤكد الخبير الدستوري سعيد مالك، أنه بالعودة الى أحكام الدستور وتحديداً الفقرة الثانية من المادة 64، يتبين جلياً ان من يضع المسودة الحكومية هو رئيس الحكومة المكلف، بعد استشارات نيابية غير ملزمة يقوم بها، يلجأ بعدها الى إعداد مسودة وزارية تتضمن التشكيلة الحكومية التي خرج بها نتيجة المشاورات، لافتاً الى أنه وعملاً بأحكام المادة 53 من الدستور، يعرض رئيس الحكومة هذه المسودة على رئيس الجمهورية للاطلاع عليها، فإما أن يوافق بكليّتها وإما أن يرفضها برمتها، أو يدخل بعض التعديلات عليها.
ويشدد في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أن صلاحية وضع المسودة الحكومية تقع على عاتق رئيس الحكومة المكلف، بينما تناط صلاحية النظر بها للموافقة عليها أو رفضها أو طلب تعديلها برئيس الجمهورية. يضيف، “الدستور واضح لجهة توزيع الأدوار، بين رئيس الحكومة المكلف ورئيس الجمهورية، مع التأكيد على أن مراسيم الحكومة لا تصدر الا بتوقيع رئيس الجمهورية مع رئيس الحكومة المكلف”.
ويوضح أنه بحال تمنّع اي من الفريقين عن توقيع مرسوم تشكيل الحكومة، لا تبصر الحكومة النور لا من قريب ولا من بعيد.
يتوقف مالك دستورياً عند ردة الفعل التي يمكن أن تصدر من الرئيس المكلف، ويشير الى أن الحريري وسنداً لما صرّح به أمام باب القصر الجمهوري، قدّم تشكيلته الحكومية، واستمهله رئيس الجمهورية مبدئياً دراستها وإبداء الرأي والقرار بشأنها، ما يعني أننا ننتظر اليوم قرار رئيس الجمهورية، إما بالموافقة على المسودة الحكومية، وإما برفضها أو تعديلها، لافتاً الى أن الحريري رمى الكرة في ملعب رئيس الجمهورية الذي يتحمل وزر قبول هذه التشكيلة أو رفضها.
ويشدد على انه بالعودة الى أحكام الدستور، ليس باستطاعة رئيس الجمهورية أن يقدم الى رئيس الحكومة المكلف مسودة حكومية، لأن وضع المسودة هي من صلاحيات الرئيس المكلف الذي قام بواجباته في هذا الإطار.
في المقابل، تستغرب مصادر نيابية على اطلاع بالملف الحكومي، ما قدم من مسودة رئاسية بوجه مسودة الرئيس المكلف، لافتة الى أن هذه الخطوة تندرج في إطار الهرطقات والتجاوزات الدستورية التي يصرّ عليها البعض.
تتوقف المصادر في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني عند المادتين 53 و64 من الدستور، اللتين تحددان صلاحيات كل من رئيسي الجمهورية والمكلف، مشددة على أن تشكيل الحكومة من صلاحيات الرئيس المكلف الذي يوقّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها. ويسأل، “ما الهدف من طرح أعراف جديدة ومحاولة الالتفاف على صلاحيات رئيس الحكومة ومخالفة الدستور بهذا الشكل عندما تكون النصوص واضحة؟ وما الهدف أيضاً من جرّ الأمور الى سجال لا طائل منه في عملية التأليف؟”.
وإذ تؤكد المصادر النيابية أن الحريري لن يقبل بمسودة عون لأنها تمس بصلاحياته كرئيس مكلف، تلفت الى أن الأخير قدّم طرحاً ينسجم مع المبادرة الفرنسية والتمنيات الأجنبية والدولية والمحلية، بحكومة اختصاصيين خالية من الحزبيين، كما أنه في مسودته التي رفعها، لبّى ما كانت تطالب به بعبدا بأن “تفضل أيها الرئيس المكلف وقدّم تشكيلتك”، وهذا ما حصل، فما المطلوب بعد؟
