.jpg)
ما أتى حدث ليحيد نظر اللبنانيين عن جهنمهم اليومي سوى صراع على بعد آلاف الأميال، بين فيل وحمار. فمن ألقى نظرة على وقع الانتخابات الأميركية وصداها بين “شعوب” لبنان، لظن للوهلة الأولى أن السباق في الدولة التي تتمتع بديمقراطية مستمرة منذ أكثر من مئتي عام، هو بين مرشح الثنائي الشيعي “يوسف بيضون” (جو بايدن) ابن جبل عامل، وخصمه مرشح القوى السيادية دونالد ترمب.
ومع شبه اعتراف الرئيس الأميركي الخامس والأربعين دونالد ترمب الضمني بفوز خصمه المرشح الديمقراطي جو بايدن على الرغم من محاولاته المتكررة لقلب النتائج، لا بد من التساؤل عن مدى صوابية هذا الشحن اللبناني من خلال قراءة سريعة للسياسة الخارجية الأميركية في رمال الشرق الأوسط المتحركة.
بعد انتخابات درامية لم تشهد الولايات المتحدة مثيل لها، سقط الفيل الجمهوري، ذات خلفية رجل الأعمال، صاحب نهج “أميركا أولا” في السياسة الخارجية. وكم يتشابه عالما السياسة والأعمال! عالم تحكمه المصالح والأطماع، وعالم يقيد فيه الكيان من أن يكبر عموديا جنباً الى جنب مع الآخرين، بل إن الطريق الوحيد إلى الأعلى لا تكون إلا أفقية… بسحق الآخر واقتيات بقاياه!
ترمب من مدرسة الواقعية السياسية الخالية من المثاليات والعواطف، التي لا تعترف بأي التزامات أخلاقية أو سياسية أو استراتيجية للولايات المتحدة، تجهد للوصول إلى أهدافها المرتبطة بالمصلحة الوطنية الضيقة، من دون “تابوهات”، غير آبهة لتأثير ذلك على حلفائها أو العالم. أما بايدن فهو السياسي الديمقراطي التقليدي، أي نقيض سلفه باختصار.
إذاً “المتأثرات” كثيرة: بين نهج حزب وآخر، وبين عهد رئيس وآخر، إذ تختلف السبل المستخدمة للوصول إلى الأهداف المرجوة حتى بين رئيسين من نفس الحزب وذلك تحكمه الظروف الدولية من ناحية، والوسائل المحبذة عند الرئيس وفريق عمله من الناحية الثانية. فعلى سبيل المثال، ينتمي كل من ترمب وجورج بوش (الرئيس الثالث والأربعبون للولايات المتحدة بين عامي 2001 و2009) الى الحزب الجمهوري المعروف بسياساته “التدخلية” في مجال السياسة الدولية، إلا أن لكل منهما أداته المفضلة: فالأول يستخدم العقوبات الإقتصادية فيما عرف بوش بمجنزراته ونفاثاته.
وعلى الرغم من المتغيرات التي استعرضناها، يبقى سجل الثوابت في سياسة الولايات المتحدة دسماً، وتبقى هي الأساس في السياسة الخارجية الأميركية مهما تغيرت الوجوه والأسماء. ففي دولة تختزل الحصة الأكبر من الإقتصاد العالمي كدولة منفردة، وتحتفظ بأعلى ميزانية للقوات المسلحة في العالم، كما تستحوذ على اليد الطولى في العشرات من المؤسسات الدولية، بالإضافة للعديد من العوامل الأخرى، فلا بد أن يكون لها أهداف استراتيجية مستدامة لحفظ مصالح البلاد العليا وأمنها القومي. لذا فإن السابق ذكره مصان وفقا للعمل المؤسساتي الموسوم بالاستمرارية. تختلف الوسائل لكن الأهداف واحدة.
صحيح أن العلاقات الدولية محكومة باستراتيجيات كبرى وتكتيكات مرحلية، لكن قد يخطئ من يصور ملعب السياسة الدولية برقعة الشطرنج؛ لأن الصراع ليس بين محوري الخير والشر، الأبيض والأسود، ولا وجود لحليف دائم أو خصم دائم. إنه بل فمن الأجدى تشبيهها ببيت العنكبوت، بتشعباتها وتداخلاتها، وبوهانة تكوينها. قد تأويك إن فهمت أسرارها وتراقصت على أوصالها، وقد تأخذك الى زوالك، برجليك، إن غرقت في زواريبها.
إنه صراع الجبابرة على أرض “صغار الأمم”… وما الشرق الأوسط سوى أرض خصبة لعرض العضلات وتناتش النفوذ، نتيجة لتكوينه المجتمعي من جهة، ولأنظمته السياسية المتهالكة ودناوة أولياء أمره من جهة أخرى.
قد تكون العبرة الوحيدة للبنانيين من السباق الرئاسي الأميركي أنه “عندما تتقاتل الأسماك الكبيرة، يجب على الصغيرة منها أن تصمت”. فواقعنا يا سادة لن يتغير مع تبدل الإدارة الأميركية على بعد آلاف الأميال، بل يبدأ التغيير من الداخل أولا، بالتخلص من الإدارة اللبنانية الحالية!