#dfp #adsense

ليست الوثائق هي التي تصنع الحقائق

حجم الخط

كتب الكاتب والصحفي امجد اسكندر، قال الأب ميشال حايك، “ليست الوثائق هي التي تصنع الحقائق، بل الروح هي صانعة الحقائق.

وبالنهاية لا أحد يستطيع أن يفهم تاريخ ما، سوى صانعي هذا التاريخ. إذ أنّ التاريخ ليس مادّة ميتة محنّطة بل هو أداة لصناعة مستمرّة، لصياغة متجدّدة في إبداع يوميّ عند من يرثون هذا التاريخ، لا ليوقفوه بل ليكمّلوه كوسيلة من وسائل المعرفة، للاستدلال على حقيقة عميقة يعرفونها بشعورهم العميق، وإنّما ينقصها عندهم، البرهان الحسّي والتاريخ الوضعيّ”. مناسبة استذكار هذا الكلام، أنني دائماً الجأ إليه، عندما يعتريني القلق، من سيطرة موجات فكرية لا توضع في موضعها، وتحتل فجأة الشاشات وكل أنواع التواصل والاتصالات.

تحديداً يندفع مسؤولو التلفزيونات مثلاً، وراء موجة، أو يؤججون موجة ما لسبب ترويجي أو سياسي، فيحتل الشاشات أشخاص على حساب أشخاص. فعندما يُروَّجُ مثلاً للعلمنة تتفلتُ النظريات من عِقالها، وتصبح “موضة” لها “فاشينيستات” من هواة ومتطفلين وكذابين. بالأمس “كلن يعني كلن”، “المنظومة”، “دولة مدنية”… والنتيجة؟ النتيجة أن هذه الشعارات ” لا تصنع الحقائق”. أنا المنتمي إلى فكر المقاومة المسيحية اللبنانية، كنت أُذهل في فترات عديدة، من كم الضخ الإعلامي، والكتب، والمنشورات، والجرائد، والقنوات، التي تنال من فكرنا ومواقفنا وسياساتنا وقادتنا. إعلامياً، ولا مرة كانت معركتنا في الإعلام متكافئة. باختصار لم نخض في تاريخنا معركة متكافئة. لا في الإعلام ولا السياسة، ولا الحروب. ورغم ذلك لم ننكسر. يمكننا القول: “كنا…ونبقى”. لأن “روحنا هي صانعة الحقائق”، وليست الحملات الإعلامية، والكتب والمنشورات والأفلام، والندوات، والحلقات المتلفزة، للخصوم.

هذا لا يُعفينا من تقصيرنا في مجالات الفكر والإعلام، ففي أحيان كثيرة، تنطلق “الموجات” من بيئتنا، وتطل من شرفاتنا، فننهمك، ونصرف أوقات ثمينة، قبل أن تتحطّم الموجات على صخور الواقع. لقد صنعنا تاريخ مقاومة، وجددنا هذا التاريخ بابداع يومي كما قال الاب الحايك، ولكن اذا كل هذا التراث الانساني الذي صنعناه، صنعناه ونحن في موقف الدفاع والمقاومة، فكم سيكون اسهامنا الحضاري غنياً، لو اتيح لنا أن نتنفس الصعداء ولو لعشرين سنة هادئة؟ نحن هنا، كمسيحيين، لنطوِّع “الموجات”، ولننقض “السائد”.

وكيف تتجدد الحياة إن لم تُكسرْ الأغصان اليابسة في شجرة المشرق، كل سنة، أو يوم، أو ساعة؟ سآخذ ثلاثة وقائع كمثال. بحكم قوة الإيمان والحرية والكرامة، ومن دون ترخيص أو فرمان أو شرعية دينية، نَصَّبَ الموارنة بطريركية خاصة بهم. خلافاً “للسائد” المسيحي في سائر المشرق، انتزعوا حق الوجود، بلا مشورة أحد. لو تقرأ الكتابات المسيحية التي تطعن “بالإيمان الماروني”، لاعترتك الدهشة. ومن دون “أكثرية برلمانية” انتزع المسيحيون، أرضاً، من أرض “السائد” الأعظم الإسلامي، اسمها لبنان. لو تعلم المحاولات لإعدام وجود لبنان، لاعترتك أيضاً الدهشة.

في الحرب، مقاومة لبنانية لا تملك “علماً وخبراً”، منعت قيام الوطن الفلسطيني البديل على أرض لبنان. “إن ننس لا ننسى” كم من مسيحيين ومسلمين وعرب وأجانب، ما رفَّ لهم جفن لو مرت طريق فلسطين من جونيه.  كنا القلة الصامدة في وجه كثرة.

ثم في التسعينيات، “القوات اللبنانية”، هذا الحزب الذي كان لا يملك ترخيصاً من الشرعية المتهالكة، منح بالطائف شرعية بقاء الدولة. بقوة الروح، حافظنا على الكيان يوم اختل الجيش. وحافظنا على شرعية الدولة، يوم اختل ميشال عون. وبقوة الروح، وحتى حين ينقصنا “البرهان الحسي” سنبقى نُصوِّب شراع هذا الكيان، عند هبوب شعارات ما “هبّ ودبّ”.

المصدر:
Facebook, فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل