#dfp #adsense

الادعاءات “بالون” إعلامي أم تضخيم سياسي؟

حجم الخط

لطالما شخصت أنظار اللبنانيين الى الدور الذي يمكن أن يلعبه القضاء في ملاحقة نافذين أو ممن تورط في الفساد وهدر المال العام والإهمال، مستغلاً السلطة لمآرب شخصية. لكنّ هذه الرغبة العميقة يقابلها الكثير من الضبابية وعدم الثقة، لأن اللبنانيين يعرفون كيف تسير أمور بلادهم ومن يتحكم بمساراتها ومصيرها. يدركون أن أي تحرك قضائي على مستوى عالٍ، ليس من باب “العدل أساس الملك”، إنما لاعتبارات سياسية ضيقة، وكيدية موصوفة، وفي حال “تمّت” العدالة، فهم حتماً يشكون بالنوايا.

فجأة وبسحر ساحر، ادعى المحقق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت القاضي فادي صوان، على رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب ووزراء المال والأشغال السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس، كما تردد انه ادعى على الوزير السابق غازي العريضي. في الشكل، يبدو الخبر جيداً، لكن في الوقائع بدا وضاحاً أن الإدعاء صوّب على شخصيات سياسية من جهات معينة، دون سواها ممن يتحمل مسؤولية الكارثة أيضاً، وتحوّل الإدعاء القضائي الى “سياسي”، فدوى كالصاعقة: رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، للمرة الأولى خلال عهد دياب في السراي متضامناً، “التعدي على الدستور والادعاء على رئاسة الحكومة مرفوض”.

لم يشهد لبنان في تاريخه أن تم الادعاء على رئيس حكومة وثلاثة وزراء سابقين دفعة واحدة. اللافت أن جاء ذلك بعد أيام على مواجهة قضائية – نيابية، بعد الكتاب الذي وجهه صوان الى المجلس طالباً اجراء المقتضى في تحديد مسؤوليات سياسية في ملف انفجار المرفأ، وهو ما رفضه المجلس النيابي، باعتبار أن المحقق العدلي خالف الدستور ومبدأ فصل السلطات.

ماذا يعني أن يتم الإدعاء على دياب دون سواه من رؤساء الحكومات السابقين المسؤولين أيضاً عن هذا الملف، ولمَ لم يشمل ذلك رئيس الجمهورية، علماً أنه الرئيس الأعلى للدفاع؟

يشير استاذ مادة القانون الدولي والعدالة الدولية المحامي الدكتور انطوان سعد، أن المحقق العدلي في انفجار المرفأ أخطأ في البداية عندما أرسل كتاباً الى مجلس النواب برفع الحصانة عن البعض، لان النص القانوني واضح، “للمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء أن يحاكم الرؤساء والوزراء”، مشيراً الى أن أكثر من 50 وزيراً لوحقوا منذ الطائف حتى اليوم، واستكملت ملاحقتهم امام القضاء العادي.

ويلفت، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، الى أن المسؤولية السياسية تقع على كل الحكومات المتعاقبة، إذ إن لبنان وقّع العام 1964، في عهد الرئيس فؤاد شهاب، على اتفاقية دولية تحظر استخدام المواد أو الأسلحة النووية، أو اقتناءها وتخزينها وتطويرها، كما وقّع الرئيس سليمان فرنجية العام 1974، على الإتفاقية نفسها على بند يمنع استخدام الاسلحة البيولوجية او المواد ذات السموم الخطرة والمحظرة.

وإذ يوضح أن المواد التي ادت الى انفجار المرفأ خطرة ومحظرة، يجزم بأن الحكومة اللبنانية خالفت هذه الإتفاقيات الدولية منذ وصول هذه المواد.

يشدد سعد على أن مكافحة الإهمال والفساد لا تكون انتقائية، ويسأل، “لم لا يتم ملاحقة فساد وصفقات سد بسري وسد سلعاتا المفخوت، بينما لم يتم اصلاح الحائط على سعر صرف 1500 ليرة لبنانية مقابل الدولار، وهل يعقل أن يتم انفاق 55 مليار دولار على كهرباء لم توجد بعد؟”، معتبراً أن الملفات التي تفتح بـ”وحي” مكافحة الفساد، لا تلاحق للغاية المنشودة.

يوضح أن رئيس الجمهورية كسلطة تنفيذية غير مسؤول، وهذا واضح في الدستور، لافتاً الى أن السلطة التنفيذية تناط بمجلس الوزراء، وتتحمل الحكومة إما فعلياً وإما بصورة متضامنة المسؤولية، مشيراً الى أن المسؤولية الشخصية لا السياسية تقع على رئيس الجمهورية إذا كان عالماً بتفاصيل هذا الملف، وسكت عنه.

ويلفت الى أنه في حال كان هناك نية فعلية لأن يأخذ القضاء مجراه ويقوم بعمله، على السلطة السياسية أن تتجرأ على رفع الحصانات عن نفسها بموجب تعديل دستوري، فيصبح النائب وأي رئيس أو مسؤول مثله مثل اي مواطن عرضة للملاحقة الجزائية، مبدياً اسفه لأن القضاء لم يتمكن حتى اليوم من الإنفصال عن المجموعات السياسية، ويستشهد سعد بالرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك، الذي طالب قبل انتهاء ولايته بتعديل الدستور ورفع الحصانة عن ملاحقته، وهذا ما حدث، ويحدث اليوم مع الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي.

يشير الى أن الإدعاء الحالي، لا يعدو كونه بالوناً إعلامياً أو تضخيماً سياسياً، لحسابات معروفة، سائلاً، “لماذا لم يتم الإدعاء أيضاً على وزراء عدل مثلاً ووزراء آخرين معنيين وتم تجاوز الموضوع؟”، واصفاً ما يقوم به القاضي المعني بملف المرفأ بـ”بورصة” من ردود الفعل. يضيف، “لا يعقل الا يكون صوان على علم بهوية من وضع النترات ومن امتنع عن معالجته إدارياً، علماً أن القاضي لا يستطيع التصرف او الطلب بإخراج هذه الكميات أو هذا النوع من المواد من دون قرار من الحكومة”، رافضاً أن يتم إلباس ملف بهذا الحجم لموظفين إداريين، لأن المسؤولية السياسية لا تقع على هؤلاء إنما على الحكومة التي كان يجب عليها التصرف.

يستبعد سعد الا يمثل دياب الإثنين أمام القاضي صوان، الذي سيستجوبه في السراي وفقاً لما ينص عليه قانون أصول المحاكمات الجزائية، لأنه يثبت بذلك مسؤولية معينة، علماً أن هذه الخطوة ستجلب تعاطفاً سنياً بحجة التعرض للرئاسة الثالثة، سائلاً، “ليش مش غيرو أيضاً، على الأقل، يجب الإدعاء على 8 وزراء آخرين معه، على علم بالموضوع، وقد اطلعوا على المراسلات وأهملوها، إضافة الى وجود الكثير من البيانات والمحاضر الأمنية والإدارية التي رُفعت الى السلطات السياسية، التي أهملتها”.

يعتبر سعد أنه في حال امتنع دياب عن الحضور، يمكن لقاضي التحقيق أن يصدر مذكرة توقيف بحقه، وإذا لم يحضر تتم محاكمته غيابياً، “ويبقى أن نرى أين أصبحت المظلة السياسية لهذا الرجل، لانها هي التي ستحدد مجريات الأمور”.

لكن ماذا عن الملاحقة على أساس القضاء الدولي؟

يوضح سعد أن لبنان ليس عضواً في الجنائية الدولية، لكنه يستطيع أن يخلق رأياً عاماً مؤيداً، لإنشاء محكمة دولية لمتابعة هذا الموضوع، أو تكليف المحكمة الخاصة بلبنان، مشيراً الى أنه حتى لو كان هناك عقبات بسبب الفيتو الروسي في مجلس الأمن، يمكن للأخير أن يصدر مذكرة توقيف كما حصل مع الرئيس السوداني عمر البشير.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل