
البلاد سائبة بلا قيادة مسؤولة، والحدود فالتة يسرح فيها المهربون المحميون لمختلف السلع والبضائع المدعومة، لكن الدولة “غير الكريمة” لا تحب “وجع الراس” والمشاكل مع المهربين الكبار وحُماتهم، وتكتفي بمطاردة آخر مغترب لبناني في مطار رفيق الحريري الدولي حتى آخر حبة دواء.
ففي الوقت الذي تتنافس فيه الطبقة الحاكمة في ما بينها، على احتلال أعلى مراتب اللامسؤولية والفساد والفشل والعجز عن إخراج البلاد من الكارثة الاقتصادية والمالية والمعيشية، وتتخلى عن تحمُّل مسؤولياتها تجاه المواطنين، وتُظهر عجزاً معيباً غير مسبوق في ضبط الحدود ووقف عمليات التهريب التي تكبِّد الخزينة مليارات الدولارات سنوياً بحيث باتت شبه فارغة، نرى الطبقة المتسلطة إياها تستقوي على مغترب مريض يحمل علبة دواء وهو يغادر مطار بيروت.
مغتربون كثيرون عبَّروا، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، عن غضب عارم مصحوب بالقرف، إزاء “الطريقة التي يتم التعامل بها معهم من قبل الجهات المختصة في مطار رفيق الحريري الدولي. خصوصاً بعد كل النكبات التي نزلت بنا وضياع جنى العمر وتعب السنين، بمصادرة أموالنا وودائعنا في المصارف اللبنانية، لا بل سرقة أموالنا”، كما يقولون.
ويشير هؤلاء، إلى أنه “لم يبق مسؤول في هذه الدولة البائسة إلا وأطربنا بالأشعار والكلام المعسول حول دور المغتربين الأساسي في نهضة لبنان، وأنهم السند الذي يدعم صموده، وأن الوطن لا يستقيم سوى بجناحيه المقيم والمغترب، وهذا صحيح. لكنهم كاذبون، سرقونا، واليوم يذلوننا”.
وبحسرة وألم يضيفون، “نحن نُدخل سنوياً إلى لبنان بين 6 و8 مليار دولار، ولا نزال، على الرغم من الجائحة العالمية وتراجع أعمالنا في الخارج. ولولانا لما تمكن لبنان من الصمود في ظل الأزمة الحالية، ووقف كل أشكال المساعدات عنه من الدول الصديقة بسبب الطبقة الفاسدة الحاكمة. لكن مكافأتنا على يد السلطة الفاشلة تتم بإذلالنا في المطار”.
ويكشف العديد من هؤلاء، لموقع “القوات”، بسخط واشمئزاز كبيرين، عن أنه “يتم معاملتهم كمهرّبي المخدرات والممنوعات، من قبل المعنيين، خلال مغادرتهم مطار بيروت عائدين إلى بلدان الاغتراب حيث يقيمون أو يعملون. وذلك بحجة وجود بضعة علب أدوية لأمراض مزمنة أو مستعصية، لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، بحوزة البعض منهم للاستعمال الشخصي”.
ويشيرون، إلى أنه “يتم مصادرة الأدوية التي تكون بحوزتهم في المطار، بحجة سخيفة هي أن الدواء في لبنان مدعوم، وهذا يضرب الاقتصاد في ظل الظروف الصعبة الحالية. علماً أنه من الواضح للغبي أن علبة دواء أو اثنتين لا يمكن أن تكون للمتاجرة، بل للاستعمال الشخصي، خصوصاً أن بعض المغتربين يوضحون من خلال وصفات طبية أنهم مرضى. لكن عبثاً يشرحون مع هذه الدولة”.
وبغضب يضيف مغترب، “تهريب الأدوية قائم على المفضوح عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية إلى سوريا، ومنها إلى غيرها، بالشاحنات المحمّلة بعشرات الصناديق، ما يستنزف الاحتياطي النقدي في مصرف لبنان، في حين يقف المسؤولون المعنيون في الدولة إما عاجزين أو متواطئين مع المهربين. وفي الوقت ذاته، تستقوي الأجهزة الأمنية في المطار على مغترب لبناني يحمل معه علبة أو علبتي دواء لاستعماله الشخصي، أو لمريض من عائلته في المهجر. إنها دولة الفساد والعار والعجز والفشل”، بحسب تعبيرهم.
من جهته، يوضح الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، لموقع “القوات”، أن “لبنان يستورد ما قيمته ما بين مليار و100 مليون دولار إلى مليار و200 مليون دولار من الأدوية سنوياً”، لافتاً إلى أنه “منذ اتخاذ قرار دعم سعر الدواء العام الماضي ارتفع الاستيراد بسبب عمليات تهريب الأدوية”.
ويضيف، “فاتورة استيراد الأدوية العام الماضي بلغت نحو مليار و200 مليون دولار. وبالمقارنة بين الأشهر الـ10 الأولى من عامي 2019 و2020، يتوقع أن ترتفع فاتورة الاستيراد هذه السنة نحو 120 مليون ليرة”. لكنه يشدد، على أنه “يجب انتظار نهاية السنة الحالية لإجراء المقارنة النهائية، إذ تتبيَّن نسبة الفرق الفعلية، وربما يسجل شهرا تشرين الثاني وكانون الأول انخفاضاً في استيراد الأدوية، أو العكس”.
