#dfp #adsense

قوة التغيير

حجم الخط

عرفت إيطاليا مجدها في مكافحة الفساد السياسي مع القاضي الذي تخطى اسمه السلك القضائي الايطالي ليصبح رمزًا في تطبيق القانون ومحاسبة الفاسدين، إنه القاضي أنطونيو دي بيترو الذي أطلق حملة ” الأيادي البيضاء” Mani Pulite وبدأت في 17 شباط 1992 عندما أمسك بالسياسي الاشتراكي ماركو شييزا على خلفية تلقيه رشاوى، وخاض دي بيترو حملة شرسة افضت الى اعتقال اكثر من 1300 شخص من السياسيين والحزبيين والنواب ورجال الاعمال، واخضاع اكثر من 1400 شخص من الصناعيين واصحاب الاموال وكبار موظفي الدولة، إضافة الى اكثر من 150 نائبا ورؤساء سابقين للحكومات، الى التحقيق. وبالاجمال، اعتقل ثلاثة الاف شخص، ونصف نواب الامة المنتخبين جرت ادانتهم، ونتيجة لهذه الحملة استقالت الحكومة في 21 نيسان من العام 1993 بعد استفتاء بتغيير نظام الاقتراع، واطيح بالحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي. وفي الواقع، فان 45 عاما من الحكم المستمر للحزب الديمقراطي المسيحي، انهار تماما.

هذا في السرد التاريخي للواقعة الايطالية. أما اليوم ففي لبنان يخوض القاضي فادي صوان مواجهة شرسة مع الطبقة السياسية الحاكمة على خلفية ادعائه على رئيس الحكومة ووزيري الأشغال والمال الذين لم يلبوا استدعاءاته لهم، فعاد وأصدر استدعاء جديدًا موعده في الرابع من كانون الثاني 2021. وتكاد تكون هذه المرة الأولى التي يتم فيها استدعاء شخصيات سياسية إلى القضاء اللبناني على خلفية تحمل المسؤولية في ملف انفجار الرابع من آب في مرفأ بيروت.

هذه الفرصة الوحيدة المتبقية لهذا العهد حتى يستطيع إثبات فيها مدى مشروعية وحقيقة الشعارات التي رفعها. ولاستكمال ذلك يجب رفع الغطاء السياسي عن كل الذين يدورون في فلكيه: السياسي والتحالفاتي ليستطيع القضاء اللبناني الوصول إلى الأهداف المرجوة. وتكاد تكون هذه المسألة كرصاصة الرحمة للبنانيين مجتمعين الذين يعولون على مدى صلابة القاضي فادي صوان، ويشدون على يده وعلى يد كل قاضٍ نزيه وشريف لاستكمال هذا الملف.

لكن الاشكالية الكبرى تكمن في الفريق الذي يملك قوة التغيير الحقيقية وليس الادعاء ورفع الشعارات الشعبوية “الكسيبة” في الانتخابات للانصراف بعدها إلى عملية نسج الصفقات. كما حدث بعد الانتابات النيابية الأخيرة. هذه القوة التغييرية تبدأ من القضاء حيث كانت وما زالت القوات اللبنانية الفريق الوحيد الذي حمل ملف التشكيلات القضائية وما زال يطالب بتحريره من درج الرئاسة الأولى، ليس بهدف تسجيل انتصارات سياسية، كما يزعم فريق العهد، بل حرصًا وإيمانًا منها على أن مفتاح مكافحة الفساد يبدأ في القضاء.

وواقعة حملة الأيادي البيضاء في إيطاليا هي خير دليل على مشروع القوات اللبنانية الحقيقي للتغيير. هذه القوة التي تمتلكها القوات لم تأتِ من العدم أو العبث بل أتت نتيجة مسار طويل من الثبات في المبادئ التي تجلت في تمسك رئيس الحزب بمبادئه ورفضه الصفقات السياسية والمغريات على حساب الوطن، وآثر الاعتقال السياسي طوال 4114 يومًا؛ ويوم ظن الكل أن سمير جعجع خرج ليساوم أهل الحكم ويدخل معهم في المحاصصة السياسية، خيب الظنون كلها إذ أثبتت مشاركة القوات في الحياة البرلمانية والوزارية النهج السياسي المبدئي الذي تتعاطى فيه العمل السياسي. وذلك كان بشهادة الخصوم قبل الحلفاء.

المطلوب اليوم من القاضي صوان ومن كل القضاة أن يكونوا صوانيين، وأن يسيروا في قضايا مكافحة الفساد من البوابة القضائية لإسقاط الأغطية التي تكون تارة طوائفية أو مناطقية أو زعماتية. والمطلوب العودة إلى الكتاب وتطبيق الدستور لا سيما من حيث مبدأ المساواة أمام القانون. وعدا ذلك لا يحاولن أحد خوض المعارك الدونكيشوتية مع طواحين الهواء في الشوارع، ولو غصت بالثوار. فالثورة تبقى ناقصة إن لم تجد سبيلا وقوة لها للتغيير. والسبيل الوحيد يكمن في مؤسسات الدولة وأولها القضاء.

أما بالنسبة إلى قوة التغيير فلنحتكم إلى الارادة الشعبية التي تجلت كلمتها في الانتخابات الطالبية الأخيرة فظهرت مَن استطاع أن يحافظ على ثبوت قوته التغييرية، ومَن استطاع أن يحقق الخرق فسلب 52% من التمثيل الذي اختطفته هذه الطبقة الحاكمة طوال سنين حكمها. فهل سيستطيع هذا الفريق وضع مشروعًا سياسيا واضحًا ليكون عضدًا للذين يملكون قوة التغيير الحقيقية في المؤسسات؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل