
كان لا بد للرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري أن يشدَّ الرحال باتجاه البطريركية المارونية، للقاء سيد بكركي. فالأمور بين الصرح البطريركي وبيت الوسط لم تكن في أفضل أحوالها، منذ إعلان البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي من القصر الجمهوري عقب لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون في 25 تشرين الثاني الماضي، أن “الحكومة لا تشكل بالتقسيط، فالبلد يموت وليس هكذا تشكَّل حكومات، ليسمح لنا”.
رسالة البطريرك للحريري من بعبدا كانت قاسية وحمَّلته مسؤولية التأخير بتشكيل الحكومة بشكل مباشر. علماً أنه سبقتها رسالة أخرى من العيار الثقيل ذاته، في عظة الأحد 25 تشرين الأول الماضي، دعا الراعي فيها الرئيس المكلف إلى ألا يضع المسيحيين خلف ظهره في تأليف الحكومة، بالإضافة إلى رسائل أخرى تشدد على تشكيل حكومة مستقلة بسرعة بالتفاهم مع رئيس الجمهورية. من دون إغفال مواقف البطريرك شبه اليومية المنتقدة بقسوة للتقصير والتأخير في جلاء حقيقة انفجار مرفأ بيروت، وتخوفه، في عظة الأحد الماضي، من أن تعطّل ردود الفعل الأخيرة السياسية والطائفية والقانونيّة مسار التحقيق.
لا شك أن الحريري يحرص على عدم إغضاب المرجعية المسيحية الأولى في لبنان، بل على مستوى الشرق، ويعمل على إبقاء أواصر الود والتفاهم معها قوية ومتينة في مختلف الملفات والقضايا المطروحة، لإدراكه مكانة بكركي الوطنية والتاريخية وتأثيرها الفاعل في محطات مفصلية، وكلمتها المسموعة على الصعيد الوطني وأيضاً الدولي، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى المساعدة الدولية لمنعه من الانهيار التام وإنهاضه من الكارثة التي يعيشها.
تلمَّس الحريري أن ثمة من يشوِّه رؤيته للحكومة العتيدة والخطوات التي يقوم بها على هذا الصعيد، ويحاول أن يدق إسفيناً في العلاقة بينه وبين سيد بكركي، و”البُعد جفاء”. فلم يتردد بالتوجه إلى الصرح البطريركي، مساء الأربعاء الماضي، لتوضيح الموقف وعرض معطياته أمام الراعي، لإزالة أي التباس قد يكون تسلَّل بفعل محاولات البعض “غير الطيبة” لتحميله مسؤولية التأخير في إطلاق الحكومة، مبرئاً ذمته من تهمة التعطيل أمام البطريرك.
وتؤكد مصادر شاركت في اللقاء بين الراعي والحريري، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “الأجواء كانت جيدة. والراعي هو من رغب بعقد هذا اللقاء منذ مدة للاستماع الى وجهة نظر الحريري حول العقبات التي تعترض تشكيل الحكومة”، كاشفة عن أن “البطريرك كان مستمعاً أكثر من متكلم، للشرح الذي قدمه له الرئيس المكلف، ووعد بإجراء اتصالات ومشاورات لإخراج الحكومة من عنق الزجاجة”، على الرغم من استبعاد المصادر أن “تبصر الحكومة النور في القريب العاجل”.
وتكشف المصادر ذاتها، عن أن “الحريري أكد للبطريرك الراعي، أن الأسماء التي سلَّمه إياها رئيس الجمهورية لتكون من ضمن التشكيلة الحكومية، هي نفسها الواردة في اللائحة التي قدمها للرئيس عون في اجتماعهما الأخير، على عكس ما يتم تداوله في بعض وسائل الاعلام، احتراماً منه للتوازنات السياسية في البلد، ولقناعته بأن هذه الأسماء الواردة في التشكيلة قادرة على القيام بالإصلاحات المطلوبة لإنقاذ البلد”.
وتلفت، إلى أن “الرئيس المكلف قدم للراعي شرحاً مسهباً حول المشاكل التي تعترض تشكيل الحكومة، وقام بواجبه في هذا الخصوص، والمشكلة ليست عنده بل عند غيره”.
وتشير المصادر عينها، إلى أن “موضوع القضاء أخذ حيزاً من اللقاء الذي استكمل إلى مائدة العشاء. لا سيما التحقيقات في انفجار المرفأ، وما رافقها من مواقف بعد قرار القاضي صوان التحقيق مع رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب”.
وتضيف، أن “الحريري جدَّد للراعي موقفه بأنه لا يغطي أحداً، إنما أبدى ملاحظات على الطريقة التي اتبعت، معتبراً أنها لم تكن كما يحب، وأن المواقف التي اتخذها في هذا الموضوع هي لاستيعاب التشنج الطائفي الذي كان بدأ يظهر على الأرض”.
من جهتها، تعتبر مصادر سياسية، لموقع “القوات”، أن “لقاء الراعي الحريري أوضح الكثير من الأمور الملتبسة بين الطرفين. ومن المتوقع أن يسعى البطريرك الراعي مع بعض الأطراف لتحريك الوضع الحكومي الجامد. لكن عملياً، لا معطيات في الأفق تشير إلى أي حلحلة، ومن الصعب تحقيق أي خرق يسمح بإعلان الحكومة في وقت قريب، بظل الواقع القائم”.
